ارشيف من :أخبار لبنانية

غياب تواصل واتصال بين واشنطن والرياض

غياب تواصل واتصال بين واشنطن والرياض

سركيس نعوم - صحيفة "النهار"

كيف يرى الأميركيون التوتر الذي ظهر إلى العلن أخيراً بين حليفي العقود الماضية الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية، والذي أقلق كثيرين في المنطقة، كما أسعد كثيرين؟ وهل عوّض وزير الخارجية جون كيري في الرياض للعاهل السعودي عبدالله بن عبد العزيز تجاهل أميركا لبلاده يوم قرَّر رئيسها باراك أوباما الحوار مع النظام الإيراني، ويوم قرر إرجاء ضربته العسكرية لـ"سوريا الكيميائية" أو إلغاءها؟ هذان السؤالان وأسئلة أخرى كثيرة طرحتُها أخيراً على متابع أميركي جدي للعلاقة السعودية – الأميركية، وللسياسة الشرق الأوسطية للولايات المتحدة، فأجاب عنها بالقول أنه لم يُفاجأ برد الفعل السلبي السعودي على الخطوات الأميركية الأخيرة. لكنه تفاجأ بردّ فعل واشنطن على الموقف السعودي الذي رأى كثيرون أنه أخذها على حين غرّة. علماً أنه رأى التوتر السعودي – الأميركي آتياً. وأشار إلى أن المسؤولين السعوديين بدأوا يشعرون بالقلق من حليفهم الأول أميركا عندما أوضح وبصورة قاطعة رئيسها أوباما في ولايته الأولى، أنه يفعل وسيفعل كل ما في وسعه للخروج من المنطقة بمشرقها ومغربها. ثم اشتد قلقهم وبدأ يتصاعد لأسباب عدة أبرزها أربعة. الأول، انسحاب القوات العسكرية الأميركية من العراق وتركه لسيطرة الغالبية الشيعية من أبنائه، ولهيمنة إيران عليه. والثاني، وقد سبّب للمسؤولين أنفسهم انزعاجاً شديداً، هو تخلِّي أوباما وعلى نحو غير محسوب عن حليف أساسي لهم وللمملكة في الوقت نفسه هو الرئيس المصري حسني مبارك، وذلك لمصلحة "الإخوان المسلمين" الذين تعتبرهم عدواً خطيراً لها. والثالث، بطء تحرك أميركا لمساعدة المعارضة والثورة السورية ضد نظام بشار الأسد الذي صار مُثيراً للسعودية ومهيّجاً، ولاسيما بعدما أحجمت عن تنفيذ الضربة العسكرية "المحدودة ولكن الموجعة" للأسد. وكان ذلك بالنسبة إلى الرياض القشة التي قصمت ظهر البعير. أما السبب الرابع، وهو الذي أخرج المسؤولين السعوديين عن طورهم، كان إرادة أوباما، بل ما هو أكثر من إرادة، الإندفاع للانخراط في محادثات ومباحثات مع الرئيس الإيراني الجديد.

كل ذلك، أضاف المتابع الأميركي نفسه، معروف إلى حد كبير. لكن ما هو غير معروف أو غير متداول على نطاق واسع لأن أحداً لا يتناوله علانية، هو أن السبب الرئيسي لغضب السعودية على أميركا هو غياب التواصل والاتصال بينهما. فالمسؤولون السعوديون ارتكبوا في رأيه خطأ باعتقادهم أن سياسة أميركا وأهدافها الإستراتيجية سوف تكون خاضعة لموجبات التحالف القائم بين بلادهم وأميركا. كما أنهم فشلوا في رؤية عوامل عدة، الأمر الذي جعلهم يتفاجأون ثم يغضبون على أوباما. أولها أن المواطنين الأميركيين سئموا الإنخراط في الصراعات الخارجية، وخصوصاً العسكرية منها، وصاروا يرفضون أي انخراط أو تورُّط عسكري خارج أراضيهم. وثانيها أن الأولوية الأساسية عند المواطنين أنفسهم صارت للاقتصاد ولمتابعة إخراجه من الأزمة الكبيرة التي تسلمها أوباما في بداية ولايته الأولى، والتي حقق نجاحاً مهماً على صعيد الإنتهاء منها وإزالة آثارها. وثالثها، أن المواطنين الأميركيين ومعهم المسؤولين شبعوا و"انفلقوا" وملّوا من تعاظم التعصُّب في كل الشرق الأوسط، ومن غياب إرادة التصدي له، بل لتعاظمه عند المؤسسات الدينية الإسلامية العليا وفي مقدمها الأزهر، وفي الوقت نفسه من استمرار مؤسسات خاصة ورجال أعمال وأناس عاديين في المملكة وفي دول الخليج عموماً في تمويل التعصُّب المذكور. أما رابع العوامل فهو أن سياسة أميركا تجاه السعودية لم تتغيّر يوماً. فهي كانت وستبقى حليفاً إستراتيجياً وستستمر أميركا في الإسراع لنجدتها عند الحاجة وفي الدفاع عنها. لكن ذلك لا يلغي أن أميركا كانت في حاجة لأن "تتحاور" مع إيران لأن انفراجاً في العلاقة معها سيحلّ مشكلات عدة، وسيساعد في تجنُّب مشكلات أكبر وأكثر خطورة. كما لا يلغي حقيقة أُخرى لم يرها السعوديون هي أن الإنفراج الأميركي – الإيراني لا يعني ترسيخ ثقة وتبادلها بين واشنطن وطهران وذلك بسبب التاريخ المعروف. هذا فضلاً عن أنه يستحيل على أميركا أن تنخرط أو تتورَّط في صراع بين الفرعين الأكبر للإسلام السنّة والشيعة.

طبعاً لا يعني ذلك، أضاف المتابع نفسه، أن رد الفعل السعودي الغاضب لم يكن مبرراً. فهو على الأقل أعاد الإتصال والتواصل بين واشنطن والرياض، والمباحثات بينهما جارية على أعلى المستويات، والأمل في "تهدئة الخواطر" في العاصمتين موجود. وربما تنجلي الغيمة من سماء علاقتهما قريباً.
2013-11-09