ارشيف من :أخبار لبنانية

التحدي التونسي للقاعدة - باسل محمد


التحدي التونسي للقاعدة - باسل محمد

باسل محمد - صحيفة "الصباح" العراقية

   التطورات الأمنية الاخيرة في تونس تؤكد ان الجماعات المرتبطة بتنظيم القاعدة الارهابي بدأت تشكل خلايا انتحارية لها بدليل ما جرى في مدينة سوسة التي تعد جوهرة الساحل التونسي على المستوى السياحي حيث حاول انتحاري تفجير نفسه في سابقة خطيرة في هذا البلد العربي المغاربي الذي تميز مجتمعه طوال عقود بالاعتدال.

   يعني نجاح التنظيمات الجهادية في بناء معاقل ارهابية لها في تونس ان هذه البلد الذي يمثل مهد ثورات الحرية في العالم العربي مرشح لأن يواجه موجة واسعة من العمليات الانتحارية في الفترة القريبة القادمة  يكون هدفها المباشر اجهاض استكمال العملية السياسية الديمقراطية وهذا التطور يؤكد ان القاعدة عدو ستراتيجي للربيع العربي وليس جزءاً منه كما يحاول البعض الترويج لهذه الفكرة.

   كما أن شروع القاعدة في بناء خلايا جهادية لها في تونس ينفي بشكل قطعي الصبغة الطائفية التي تحاول فروع التنظيم في بعض المناطق في العالم العربي اضفاءها على هذا التنظيم الارهابي على اعتبار ان الشعب التونسي ينتمي الى مذهب اسلامي واحد غير أن اهم دلالة سياسية لهذا التحرك الارهابي في تونس أن قيادة التنظيم التي ركزت في السنوات السابقة على استهداف مصالح الدول الغربية وفي مقدمتها الولايات المتحدة، تسعى في الوقت الراهن الى تركيز جهودها لتهديد منظومة السلم الاهلي ونشر الارهاب داخل المجتمعات العربية على نطاق واسع مستغلةً مناخ الارباك و بعض الفوضى الناتجة عن انهيار النظم السياسية الشمولية وتوجه الرأي العام العربي الى اختيارات النظام السياسي الديمقراطي وهذا ما يفسر استهداف تونس بالتحديد، فهذا البلد ينجح ولو بصورة بطيئة في ارساء خطوات عملية باتجاه سن دستور جديد وتنظيم انتخابات تعددية رئاسية وبرلمانية والانتقال الى مرحلة الاستقرار الكامل.المشكلة ان انتقال القاعدة للعمل بصورة متصاعدة في تونس مرده الى تنامي قدرات هذا التنظيم الارهابي الدولي في الجارة ليبيا المتهمة بتدريب المسلحين والانتحاريين وارسالهم الى الاراضي التونسية،  كما ان تمدد القاعدة من ليبيا الى تونس قد يفسر بأن قيادة القاعدة بزعامة ايمن الظواهري شرعت بالتفكير في تكتيك عسكري جديد للتعامل مع بعض المناطق،  فتونس منطقة حيوية لفتح جبهة قتال جديدة بين القاعدة وبين الجارة الغربية لتونس وهي الجزائر التي تواجه جبهة قتال اخرى مع الجهاديين على حدودها مع مالي.

   الامر الاكثر خطورة، أن دولة مثل تونس صغيرة في مواردها المادية ولديها تحديات اقتصادية كبيرة اضافةً الى أن قدرات اجهزتها الأمنية ربما تبدو الاقل كفاءة من بين دول المنطقة في مواجهة تنظيم ارهابي بحجم القاعدة وشبكاتها الواسعة عبر العالم ما يثير القلق من أن قيادة القاعدة بزعامة الظواهري تتطلع الى عمل كبير ولافت في تونس.

  على مستوى التداعيات الأمنية، يمكن لدخول تونس دائرة عمليات القاعدة الارهابية ان يسهم في ارتفاع معدلات حالات تجنيد الارهابيين والانتحاريين من الداخل التونسي  الذي كان ولايزال من القواعد الجغرافية الرئيسية لارسال هؤلاء الى مناطق ساخنة بالصراع مثل العراق وسورية لكن ايضاً يمكن ان يفهم البعض من أن بدء القاعدة بتنفيذ عمليات انتحارية في تونس بأن قيادتها على وشك سحب بعض انشطة التنظيم من مناطق باتجاه تونس لاعتبارات تتعلق بالحسابات الستراتيجية للظواهري ومساعديه.الملفت أن القاعدة كانت لوقت قريب تستثمر بعض المناطق الجغرافية مثل ليبيا وتونس لتجنيد الجهاديين والانتحاريين وارسالهم الى العراق وسورية ولبنان غيران التكتيك الجديد للظواهري هو استعمال هؤلاء الانتحاريين والمسلحين لتنفيذ عمليات في الداخل التونسي بدلاً من ارسالهم الى دول اخرى ولذلك لجأ التنظيم الى بناء خلايا جهادية و نتحارية في المدن التونسية كما ظهر في مدينة سوسة التونسية أخيراً ..

   المثير للتحليل السياسي ان تحول القاعدة الى العمل الارهابي المباشر في تونس يتم بالتزامن مع بدء الحوارات في هذا البلد العربي المغاربي بين الاسلاميين المعتدلين مثل حركة النهضة برئاسة راشد الغنوشي و بين احزاب يسارية و علمانية وليبرالية تونسية للتوصل الى خريطة طريق نحو استقرار الديمقراطية ونجاحها وبالتالي فان هذا يعني أن القاعدة تريد افشال هذه الحوارات في الوقت الذي ترسل فيه رسالة قوية الى الجماعات الاسلامية المعتدلة بأن التنظيم لن يسمح بأي دور للقوى الدينية في ترسيخ اسس وقواعد النظام السياسي الانتخابي التعددي لا في تونس ولا غيرها.

   ومن جهة ثانية، بدأ تنظيم القاعدة يدرك أن تونس باتت تشكل تهديداً حيوياً للتنظيم على المستويات النفسية والسياسية والاعلامية لسببين رئيسيين الاول، أن تونس هي أقل البلدان العربية عنفاً وفوضى مقارنةً بمصر وسورية وليبيا واليمن. أما السبب الثاني، فهو أن الطبقة السياسية التونسية على اختلافها تقترب من تحقيق انجازات ملفتة لتحسين العملية السياسية الديمقراطية وهذا أمر لا يعجب قيادة القاعدة حتماً لأن الآمال معلقة على تونس وتجربتها بأن تتحول الى أول نموذج ناجح لربيع الثورات العربية.
2013-11-09