ارشيف من :أخبار عالمية

عاشوراء البحرين... عطاء لا ينضب

عاشوراء البحرين... عطاء لا ينضب
قاسم حسين - صحيفة الوسط البحرينية

مع غروب شمس العاشر من المحرّم، يكون قد تم إسدال الستار على أغلب فعاليات موسم عاشوراء البحرين.

هذا الموسم الضخم الذي يتم فيه سنوياً إحياء ذكرى ملحمة كربلاء، بمشاركةٍ شعبيةٍ واسعة، من مختلف المناطق والمشارب والأعمار، يترك حصيلةً كبرى في النفوس.

كانت الفكرة السائدة لدى الأجيال السابقة التركيز على ما يخرج به الإنسان من دموع في هذا الموسم، لإيمانهم بمردودها من الأجر والثواب. وهي قضيةٌ أصبحت موضع مراجعة ونقاش لدى الأجيال الجديدة، وربما كانت مطروحةً منذ الثمانينيات، ولكنها لم تُحسم وربما لن تحسم قريباً، لارتباطها بالجانب العقائدي والوجداني لدى الفرد. ورغم ما يقال عن ثقافة الإغراق في البكاء من انتقادات، إلا أنها تظل من الجانب الآخر، مصفاةً للمشاعر السلبية، على المستوى الفردي والجماعي، فهي تساعد على امتصاص الصدمات، وتخفيف الآلام والمعاناة وتجارب الفقد والانتهاكات، وفوق ذلك ترقّق القلوب وتصفّي النفوس. ويمكن لكل فردٍ من أبناء هذا المجتمع أن يتلمّس الفرق في داخله، بين بداية الموسم وآخره، وكلها نفحاتٌ من وهج ثورة الحسين الخالدة.

هذا الموسم، يمثل فرصةً أمام جيل الشباب، لتقديم الإبداعات، بشكل مفتوح، في مختلف المجالات. والراصد للساحة يلحظ امتداد هذا العطاء من الشعر والإنشاد الحسيني، إلى التمثيل والمسرح والرسم. وتماشياً مع تطوّر وسائل التواصل الاجتماعي، دخلت عاشوراء عالم الصورة والتصميم والكاريكاتير وكتابة المقال وفنون التحرير الصحافي، وكلها ضمن ملتقيات شبابية. موسم عاشوراء كان يوفّر تقليدياً، حاضنةً للمواهب في مجالات الشعر والإلقاء والخطّ سابقاً، أما اليوم فيحتضن الكثير من المجالات، وآخرها فن تصوير الأفلام القصيرة، بإمكانيات محدودة، لكن بطموحات كبيرة، حيث يمكنك أن تطّلع على بعض أفكار الجيل الجديد.

كل هذه المشاريع والفعاليات، يجمعها ويحركها خيط رفيع واحد: «حالة العشق» للإمام الحسين (ع)، هذه الشخصية العملاقة التي أسرت قلوب الملايين عبر الأجيال. وفي عصر الفضائيات، لو أحسن محبّوه وأتباع مدرسته استخدام الفضاء، وقدمّوه في صورته الحقيقية، مع التقليل من اللطميات والبكائيات ولون السواد، لأخذ مكانته اللائقة في ذاكرة الشعوب. لقد حوّلناه إلى ضحية مظلوم، وليس قائداً فذّاً ممن أثروا في مسار التاريخ. وهو لم يكن إمام أحد المذاهب، بل سبق عصر المذاهب بأكثر من قرن من الزمان. كان فوق المذاهب، وسيبقى فوق المذاهب، فهو ريحانة المصطفى (ص)، وسيد شباب أهل الجنة، وقرة عين الزهراء البتول (ع).

في هذا الموسم، تهتم الكثير من المؤسسات والجمعيات والهيئات الإسلامية، بإبراز شعارٍ كل عام، وكان شعار العام: «عاشوراء تراحم وتلاحم»، أخذاً في الاعتبار ضرورة الالتفات إلى الطبقات الفقيرة والمحرومين، وعوائل الشهداء والسجناء، وهي بالمئات. وكثيرٌ منها فقدت عائلها الوحيد، وتعيش أوضاعاً مادية صعبة، والاهتمام بها من أصدق موارد التكافل والتلاحم والتراحم بين أعضاء الجسد الواحد، وهي من أعلى المبادئ الإسلامية والقيم الإنسانية النبيلة.

هذا الموسم، يغطّي مساحةً كبيرةً من جغرافية البحرين، ويكون مركزه في قلب المنامة، التي تستقبل عشرات الآلاف، ويبلغ العدد ذروته ليلة العاشر بما يناهز 180 ألفاً، في بقعةٍ لا تزيد عن كيلومترين مربعين أو ثلاثة، وتستمر مواكب العزاء حتى الفجر، وتفتح لهم المنامة مضائفها بكرمٍ حباً في الحسين. مع هذا العدد الكبير، بات الحفاظ على النظافة هاجساً دائماً، ومطلباً ملحاً، يستدعي تضافر جميع الجهود الرسمية والأهلية، احتراماً للذكرى وصاحبها.

بعض المآتم والمضائف كانت سبّاقةً في توفير كادرٍ يهتم بالعناية بالنظافة أولاً بأول، وحريٌّ ببقية المضائف الالتزام بذلك، لأنها معنيةٌ أكثر بالموضوع، حيث نعلم بأن في كل مأتمٍ توجد لجنة خدمات، وأخرى للنظافة تقوم بالواجب. فهذه المؤسسات ليست تجمعات عشوائية، وإنّما مؤسسات مجتمع متمدن عريق، تستحق الحفاظ على مظهرها الحضاري، وهذه مسئولية الجميع. وهناك من يقترح تشكيل فرق كشفية تطوعية صغيرة، يمكن أن تخرج من هذا البحر الهائل من الجموع ممن يفتخرون بأنهم من «خدّام الحسين».
2013-11-15