ارشيف من :أخبار لبنانية

خطب وقتلى وفضائح ولفلفة

خطب وقتلى وفضائح ولفلفة

جان عزيز - صحيفة الاخبار


ضروري جداً حضور الفكر السياسي في الذهنيات والممارسات، لإدارة مجتمع ودولة وبشر. تماماً كما هي ضرورية كل علوم الاقتصاد والاجتماع والتربية والجيواستراتيجيا وسواها. أو هي منظومة العلوم الإنسانية. تسميها الأكاديميا كذلك، كي لا ننسى أن في أساسها وفي هدفها، الإنسان، والإنسان وحده. ثم هو هذا الإنسان، في أسمى ما يسعى إليه على هذه الأرض، محددٌ بالسعادة. مفهوم السعادة هذا جوهري محوري في تعريف الدولة وتكوينها. تماماً كما تحدث عنه جون لوك.

وكما استوحاه من بعده توماس جفرسون، حين دبّج باقتباس منه «إعلان استقلال» الولايات المتحدة. فبدا بعد قرنين، وراهناً، كمن استوحى مفهوم كرسي الإعدام من فكرة كرسي الطعام... لكن تبقى السعادة وحدها غاية لحياة الإنسان في أي تشكّل بشري. تماماً كما الإنسان وحده غائية لكل أنشطة الحياة في كل تشكّلاتها. أما أكثر سبل الإنسان تحقيقاً لسعادته، فهي كما يقول لوك أيضاً: ضمان حقه في الحياة، وحقه في الحرية وحقه في الملكية... باختصار، كل دولة أو مجتمع أو نظام، أو فكر سياسي أو خطاب بنيوي أو مشروع إيديولوجي، أو تنظير حزبي أو رئاسي أو تعبوي... لا يحقق سعادة الإنسان، عبر فتح المجال مطلقاً له لسعيه إلى تلك الثلاث، ولتحقيقها وتمكينه من الاحتفاظ بها ومراكمتها وتثميرها... إنما هو استلاب وتغرُّب وتضليل، آخره كارثة على الإنسان.

ما المغزى من كل هذا اللغو وما الدافع إليه؟ إنها بكل بساطة سلسلة الأحداث الجارية في الأيام القليلة الماضية، في الجمهورية الموزية نفسها التي تحدثنا عنها سابقاً. والتي قلنا ونكرر أنها بعيدة عنا، بقدر بعدنا عن قشرة الموز في مساراتنا الوطنية العظمى وسبل نضالنا القومي وطرق تحقيق قضايانا الكونية، التي لا يقبل سياسيونا بأقل منها! في تلك الجمهورية بالذات، صودف أن هناك مسؤولين كباراً لا ينفكون يلقون الخطب، لمناسبة ولغير مناسبة. كأنهم واصلون إلى مراكزهم لتوهم، لا راحلون عنها في غدهم. أكثر من عشرة خطابات في أقل من أسبوعين. آلاف الكلمات والكلمات، لم تُبق عنواناً طوباوياً إلا وطرقته، محللة واعظة، مجترحة حلولاً مثالية، لمشاكل لم يعرفها الواقع بعد...

وفي تلك الجمهورية الموزية نفسها، وعلى مرمى حجر من خطب المسؤولين الكبار أولئك أنفسهم، صودف أن أربعة أشخاص قتلوا قبل أسبوعين. مقتلة من نوع غامض مريب، ذهبوا ضحيتها، ولا من يفسّر أو يفهم. وصودف أن موظفاً معنياً بحكم وظيفته بتلك الملفات، من الذين لا يزالون يؤمنون بأوهام الدولة والقانون والحقيقة والعدالة... كُلف التحقيق في القضية. ذهب إلى مسرح المقتلة باكراً، واستنطق المعنيين بها، فيما الدم لا يزال ساخناً حاراً يضج في العروق والقلوب وعلى الألسن... فسالت تحت محاضره أقوال كثيرة وكلام كبير. ثم راح الموظف نفسه، مدفوعاً بضمير إنساني ووطني ومهني، يتابع ويدقق ويمحص. وسرعان ما بدأت تظهر «المحرمات».

قيل في تلك الجمهورية الموزية، إن التقارير الأولية أظهرت أن المقتلة الحاصلة على مقربة من خطب المسؤولين، كانت بالفعل والواقع جبهة عسكرية كاملة. وقيل إن تلك التقارير ــــ الأولية أيضاً ــــ أظهرت أن نحو 1680 طلقة نارية كانت قد أطلقت أثناء ذلك «الحادث الفردي العابر»، وإن التقارير نفسها أشارت إلى أن أكثر من 20 نوعاً من الأسلحة النارية الحربية، كانت قد استخدمت في إطلاق تلك العيارات. أما الاستجوابات الأولية، الأكثر عفوية وتلقائية وشمولية، فتحدثت عن أمور كبيرة، وملفات خطيرة، وعن مصادفة وجود أقرباء لسياسيين في مكان الحادث، وعن اتهامات وخلفيات وخلفيات.

فجأة، طلب من الموظف المجتهد وقف متابعته للملف. بعد تهنئته طبعاً على ما أنجزه. جاء آخرون، أكثر معرفة بظروف منطقة الحادث وتعقيداتها وسياسييها ونافذيها ورعاتهم وداعميهم. أكملوا العمل، حتى أقفلوه. تماماً كما تقفل الملفات المشفوعة بعبارة «للحفظ»، المعادلة قضائياً لعبارة «للدفن» فعلياً. في شكل متزامن، كان نافذون كبار يتحركون على خطوط أطراف المقتلة كافة. المهمة واضحة وحاسمة: ممنوع وصول الملف إلى القضاء. ممنوع التوسع في التحقيقات أو الذهاب أبعد في الخلفيات. ينتهي الموضوع عند حدود الحادث الفردي، ويُقفل. وبسحر كافر، كانت المفاجأة انتزاع تواقيع المعنيين كافة، على وكالات قانونية بإسقاط جميع الحقوق الشخصية. حتى ممن كانوا قبل أيام قد أصدروا بيانات مغايرة، وأدلوا في التحقيقات الأولية بإفادات مناقضة. هكذا بكبسة زر، أقفل ملف 4 ضحايا بشرية. كي لا تتأثر سعادة أحدهم، ولو على حساب حرية وحياة آخرين... من قال إن تلك الجمهورية الموزية ليست ديمقراطية «جفرسونية» بامتياز؟! من قال إن أولئك المسؤولين ليسوا نازلين فوراً من فخذ لوك. «لوكيون» إذن هم بهذا المعنى.

تبقى إشارة لا بد منها، إلى أن أي تشابه بين أحداث تلك الجمهورية الموزية، وبين أحداث أخرى واقعية، ليس إلا من باب المصادفة الخيالية. فما يحصل في جمهوريات كهذه، لا يتصوره حتى الخيال.
2013-11-16