ارشيف من :أخبار لبنانية

النهضة الحسينية في المنظور المسيحي


النهضة الحسينية في المنظور المسيحي

*حبيب محمد هادي الصدر - صحيفة الصباح العراقية

   لعل سائلا يسأل ... ماهو سر وقوف المسيحيين بين يدي فاجعة أبي الأحرار الإمام الحسين (ع) يجتمعون بخشوع ويستذكرون بإجلال ويستحضرون بتمعن؟ ولماذا ظلت مأساة الطف محتفظة بحرارتها في قلوبهم وقد مضى عليها ما يقرب من أربعة عشر قرنا من الزمان؟.

   وحقيقة الأمر أن نهضة الحسين لم تكن ظاهرة إنفعالية لفورة عابرة بل كانت في واقع الأمر تصديا عزوما للقوى الظلامية الغاشمة وصيحة مجلجلة لاجتثاث البدع ودغل النفوس ووثنية الأفكار، ألم نسمعه يقول لأصحابه : (ألا ترون الى الحق لايعمل به والى الباطل لا يتناهى عنه) وهاكم قولته الشهيرة (ع) لأعدائه ناصحا لهم: (إن لم تكونوا عربا في أحسابكم كونوا أحرارا في دنياكم). لذلك فالنموذج الحسيني يتقارب مع النهج المسيحي في اعتماد النسق الإنساني للثورة، فالمسيح والحسين (ع) ما نهضا إلا لتوكيد وترسيخ الحق الإلهي الذي ماأنزلت الرسالات السماوية الثلاث إلا لتكرسيه في أعماق النفوس وهو الحق الذي ينظم علاقة الفرد بربه ثم بأخيه في الانسانية للأخذ بناصية الخلائق الى حيث الصراط المستقيم. ومثلما جاء المسيح الى اليهود مبشرا بالعهد الجديد بعدما فسدت الضمائر وحرفت الشرائع فاعتقلوه وعذبوه وتهكموا عليه. فافتدى (ع) بآلامه الناس أجمعين كذلك خرج الحسين في أمة جده (ص) لا أشرا ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا بل لطلب الاصلاح وتقويم الانحراف بعدما أطلت الجاهلية من جديد برأسها المتجبر وحين ترجم الباغون شعار سيدهم أبي سفيان (تلاقفوها) الى دستور للحياة. فما كان من الأوغاد إلا أن قاتلوه وأجهزوا عليه وعلى القلة القليلة من أبنائه واصحابه. وبذا فإنه (ع)  افتدى بدمه الزاكي دين جده الأعظم (ص) من الزيع والظلال.

   لقد كبر عليه أن يرى إنجازات جده التي عمدها بدمه وعرقه وصبره تتهاوى في غمرة انتكاسة من صنع سلطان جائر لتعود الأمة الى سابق عهودها قيما بلا مضمون وحياة غارقة في المجون وسادرة في الغي فهو المردد ابدا:  إن كان دين محمد لم يستقم إلا بقتلي فيا سيوف خذيني

  ( فالمسيح والحسين ) " ع " قدما نفسيهما الطاهرتين قربانا لأجل القيم النبيلة المبرأة من أية أغراض دنيوية أو مغانم شخصية ولا غرو فكلاهما ينتسبان الى أرومة واحدة هي أرومة سيدنا أبي الأنبياء إبراهيم (ع) .. ولعمري فالمعجزات التي أعقبت عذابات المسيح والحسين فيها كثير من التفاصيل المشتركة، فبعد حادثة المسيح عمّ الأرجاء ظلامٌ كثيف وإنشقت أستار الهيكل وتصدعت الصخور، حيث أظهر الخالق غضبه وكذا أظهره ايضا بعد إستشهاد وليّه الحسين حينها أظلمـــــــت فلوات الطفوف ثلاثـــــة أيام ورأت زوج النبي محمد (ص) "أم سلمة" (رض) في منامها في ذات ليلة العاشر من محرم النبي (ص) أشعثا مغبرا مخبرا إياها: (قتل ولدي الحسين وما زلت أحفر القبور له ولأصحابه) فانتبهت وقامت الى القارورة التي كان قد أودعها لديها  وفي داخلها تراب من أرض كربلاء فإذا به يفور دما.

   ومثلما حث عيسى (ع) تلاميذه عند دنو الخطر بالصبر على الشدائد: (ها هي الساعة آتية ستعانون الشدة في العالم فأصبروا لها).  متنبئاً بمآله وخيانة تلميذه (يهوذا الأسخريوطي) مناجيا ربه: (يا رباه لتبتعد عني كأس المنية ولكن لا كما أنا أشاء بل كما أنت تشاء). كذلك إمامنا الحسين كان واعيا لكل ما سيلحق به من فظاعات وما إقدامه على الشهادة إلاّ إمتثالٌ للتكليف الإلهي فذهب ــــ بأبي هو وأمي ــــ الى النهاية الفاصلة ليحسم بإرادته الباسلة أمرا لم يكن عنه من محيص. ما جعجع به عن المهمة وجل، ولا أبطأه عن قصده حتف ولسان حاله يقول: (هيهات منا الذلة). وقوله لأم "سلمة" قبل خروجه للعراق: (إني أعلم اليوم الذي أقتل فيه والساعة التي أقتل فيها واعلم من يقتل من أهل بيتي وأصحابي. أتظنين أنك علمت ما لم أعلمه وهل من الموت بدّ؟ فإن لم أذهب اليوم ذهبت غدا). وكأني بصيحة رسول المحبة التي أطلقها حينما جاء اليهود لإعتقاله: (أعلى لص خرجتم تحملون السيوف والعصي؟ ولكن تلك ساعتكم وهذا سلطانُ الظلام).

   أليست  هي نفسها صيحة أبي عبد الله الحسين وسط شرار الخلق وغلاظ القلوب يوم الطف: (فو الله ليس ما بين المشرق والمغرب إبن بنت نبي غيري. ويحكم أتطلبوني بقتيل منكم قتلته أو مال لكم استهلكته؟!). وكما تنبأ المسيح بمآل أعدائه بقوله: (الويل لكم أنتم علماء الشريعة تحملون الناس أحمالا باهظة وتبنون قبور الأنبياء وآباؤكم هم الذين قتلوهم ولذلك قالت حكمة الله أرسل اليهم الأنبياء والرسل وسيقتلون منهم ويضطهدون حتى يطلب من هذا الجيل دم جميع الأنبياء الذي سفك منذ إنشاء العالم من دم هابيل الى دم زكريا الذي قتل بين المذبح والهيكل). كذلك تنبأ سيد الشهداء بما سيحل بقاتليه وصوّر لأعينهم أيّ منقلب ينقلبون رافعا يديه نحو السماء: (أما والله لا تلبثون بعدها إلاّ كريثما يركب الفرس حتى تدور بكم دور الرحى عهد عهده اليّ أبي عن جدي رسول الله ... أللّهم إحبس عنهم قطر السماء وأبعث عليهم سنين كسني يوسف وسلّط عليهم غلام ثقيف يسقيهم كأساً مصبرة فإنهم كذّبونا وخذلونا ... والله لاتدع أحدا منهم إلا انتقم لي منه قتلة بقتلة وضربة بضربة وإنه لينتصر لي ولأهل بيتي ولأشياعي). فها هم الطغاة قد آبوا كأية كومة قمامة منسية في مزبلة التاريخ فيما سيّد شباب أهل الجنة تتقاطر على مثواه الطاهر اليوم الملايين من كل أصقاع الأرض تجديداً لبيعة والتماساً لبركة ويندبه الشعراء من كل جنس ودين بأرق ما اختلج به الوجدان الإنساني، وكم من فلاسفة العالم وقادته ومفكريه وشعرائه من المسيحيين وسواهم استوقفتهم سيرة الحسين وبطولاته فإنحنوا لها إجلالاً وتعظيما وعبرّوا عنها بأجمل وابلغ الكلمات والأشعار.

    وأوجه الشبه بين عيسى والحسين (ع) لا تتجلى في نهايتهما وحسب بل حتى في مولدهما أيضا حيث قيل: (لم يولد مولود لستة أشهر وعاش إلا الحسين وعيسى بن مريم) فمثلما كان الحسين الرضيع غَذِيّ النبوة كون الرسول (ص) كان يلقمه إبهامه أربعين يوما ، كان المسيح غَذِيّ النفحة الألهية.

والتاريخ يحدثنا عن رسول قيصر الروم المسيحي الذي دخل على بلاط (يزيد) وقتما كان ينكث ثغر الحسين الطاهر بالقضيب فما كان منه إلا أن انتفض مستعضما فعلة يزيد قائــــــــــلا: (إن عندنا فـــــــي بعض الجزائر حافراً لحمار عيسى ونحن نحج اليه في كل عام من الأقطار ونهدي إليه النذور فأشهد أنكم على باطل) ثم قام وقبّل الرأس فاستشاط يزيد غضباً وأمر بقتله.

     وإن ننسى فلا ننسى ذلك الراهب المسيحي الذي بذل دراهمه الى الموكلين بحراسة رأس الحسين عندما رآه يشع في ظلمة الليل فأمضى ليلة كاملا بتطييبه وتصويره. كما لا يفوتنا الذكر الخالد للشهداء المسيحيين (وهب) و(أمه) و (جون) الذين إندفعوا الى الطف ليبذلوا مهجهم بين يدي إمامنا الحسين عند فقدانه المعين والناصر. حيث إستقر مثواهم مع شهداء أصحاب الحسين في كربلاء. فكم اليوم من شفة قبلت ضريحه الزاهر وأخرى لعنت دولة الظالمين. ما جعل إسمه يدوّي في الضمائر الشريفة أبد الدهور.

  وكما طلب المسيح (ع) وهو مسمر على الصليب الغفران لصالبيه متضرعا: (يا أبت إغفر لهم لأنهم لايدرون ماذا يفعلون)، فإن أمامنا (ع) ذرف الدموع إشفاقا منه على أعدائه الذين سيدخلون جهنم بسببه.

    كما تنبؤنا الحوادث عن موكب السبايا والرؤوس عند مروره بمدينة (تكريت) وصولا الى دمشق حيث يقبع مُلكُ (يزيد). إذ إجتمع رهبانها وقسيسوها في كنائسهم وضربوا نواقيسهم حزنا وجوىً على الحسين وأصحابه قائلين: (إنا نبرأ من قوم قتلوا ابن بنت نبيّهم) وأجبروا الموكب على عدم دخول مدينتهم فبات في البرية وأينما مر الموكب على دير من الأديرة على امتداد الطريق كان يقابل من الرهبان بالإعراض والازدراء ممزوجاً باللوعة والحزن.  

    ومثلما صلب (نيرون) في روما تلميذي المسيح (بطرس) و(بولص) أقدم عبيد الله بن زياد والي يزيد في الكوفة على صلب ابن عم الحسين (مسلم بن عقيل) وصلب صاحبه (هانيء بن عروة). وكأن الثوار والمصلحين في كل عصر وزمان يوحدهم قدر الموت كما توحدهم صروف الحياة وتلك هي ضريبة الخلود.  

   وبعد كل ما تقدم يتضح لنا جليا إن كلا من رسول المحبة وأبي الأحرار قد مشيا الى مصيرهما في حزمة من بررة ميامين من كل رأس ما إنحنى إلا لسجدة ولسان لم يرسل إلا لهدى ومعروف ليمجدّا رسالة إلهية كادت أن تغرب ومسيرة ظافرة أراد الله سبحانه بآلامهما أن تمضي قدما في بقاع الأرض لتصنع الخلاص للإنسانية المعذبة.

     لقد آن الأوان أن نعي دورنا ونستقي درسنا من مناهل المسيح والحسين، فما أحوجنا اليوم الى بواعث قيمية تحرك في أعماقنا إيجابية تتحسس مواطن العلة وتتحرى كوامن الداء في مناخات حوارية موضوعية تفعل المشتركات وتنحى الاختلافات بلوغاً لرؤية منفتحة تتقاسمها الأديان السماوية لمواجهة التحديات الكونية الراهنة وأولها التطرف والارهاب والأزمات الاقتصادية والفكرية والبيئية والاجتماعية.

     وسيبقى المسيح والحسين صلوات الله وسلامه عليهما قبلتين للمصلحين ومرفئين للمناضلين من أجل الحق والفضيلة والحرية في كل عصر ومدار.  


* سفير جمهورية العراق لدى الفاتيكان
2013-11-16