|
أيلول، 2013
1. مقدمة
حتى
عندما كانت تجري كتابة هذه الورقة وتحريرها، كانت العلاقات بين الولايات
المتحدة وروسيا قد تحسنت وبردت. أما اليوم، ونحن على وشك الذهاب باتجاه
حالة من الضغط، فتتميز العلاقات بفترة فاترة بشكل خاص في التاريخ الحديث،
مع إلغاء القمة المقررة في موسكو في شهر أيلول/ سبتمبر 2013. بالنسبة
للبعض، هذه موجة برد قد تكون مؤشراً على لحظة غير ملائمة للنظر في القضايا
المتعلقة بتجاوز الردع المتبادل. إن مثل هذه النظرة تغفل أهداف هذه
الورقة، التي تحاول تقييم مصالح الولايات المتحدة وروسيا المركزية
والدائمة، وإلى أي مدى تتطابق أو تتباين، وعما إذا كان ينبغي أن يظل الردع
المتبادل، في ضوء هذه المصالح، سمة أساسية في هذه العلاقة. ويستند
التحليل مع التوصيات المقدمة أدناه إلى رؤية على المدى الطويل. إن
التغييرات العابرة والحتمية في العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا لا
يمكن أن تخالف هذه الرؤية. في الواقع، وفي لحظات الإحباط المؤقتة أو
الانتشاء من الأهم التفكير بشكل استراتيجي بشأن المصالح الوطنية المركزية
والثابتة والتفكير بأفضل السبل لتأمينها وضمانها.
2. الردع النووي الأميركي ـ الروسي اليوم
أ. استمرار الردع
لم
تعد روسيا والولايات المتحدة عدوتين مهلكتين مع نهاية الاتحاد السوفياتي
في كانون أول/ ديسمبر 1991. مع ذلك، تستمر العلاقة المبنية على التهديد
المستمر بالفناء النووي المتبادل. ويؤكد " تقرير مراجعة الوضع النووي
الأميركي" لعام 2010 (Nuclear Posture Review Report ) على أن " القوة
النووية الروسية ستظل عاملاً هاماً في تحديد مقدار ومدى السرعة التي نحن
جاهزون بها للحد من السلاح النووي الأميركي". وكان بيان الرئيس الروسي
فلاديمير بوتين قبل انتخابات 2012 واضحاً، حيث قال بأنه يعتبر القوة
النووية الروسية القوية ضرورية في المقام الأول لردع الولايات المتحدة. ومن
غير الواضح بشكل مباشر سبب استمرار كل من الجانبين بالتركيز على السلاح
النووي للجانب الآخر. إن الأسباب التاريخية للحرب- وبالتالي الحاجة
المتصورة لردعها ـ تُصنف عموماً في ثلاث فئات واسعة: النزاعات الإقليمية،
التنافس على الموارد، والإيديولوجيات المتعارضة (بما في ذلك الدين). وكل
سبب من أسباب هذه النزاعات غائب في العلاقة الأميركية ـ الروسية المعاصرة.
ليس
لدى روسيا والولايات المتحدة حدود برية مشتركة وليس لديهما مطالب إقليمية
الواحدة ضد الأخرى . وعلى الرغم من أن لدى اليابان واستونيا، الحليفين
الأميركيين، نزاعات حدودية مع روسيا، فمن غير المرجح أن تؤدي هذه النزاعات
إلى صراع. وفي حين أن صراع روسيا وجورجيا عام 2008 قد أدى إلى توتر
العلاقات أكثر بين واشنطن وموسكو، فمن غير المتصور ان يكون الردع النووي
بين الولايات المتحدة وروسيا متناسباً مع المخاطر المنطوية ( الكبيرة
بالقدر الذي قد تكون عليه بالنسبة لشعوب المنطقة ).
إن مصالح البلدين في
الموارد الطبيعية غير تنافسية أيضاً، والى حد كبير. فبالمصطلحات العامة،
روسيا هي البائع والولايات المتحدة هي المشتري للموارد الطبيعية. وإن أي
مساهمة روسية في أسواق الطاقة العالمية، على سبيل المثال، تؤدي إلى انخفاض
الأسعار، وبالتالي ينبغي للولايات المتحدة تأييد تطوير موارد موسكو. مع
ذلك، إن انعدام الثقة بشأن الموارد الطبيعية لا يزال قائماً. ففي عام 2007،
علق الرئيس بوتين بقوله إن الرغبة الأميركية بالموارد الطبيعية في روسيا
استلزمت التحديث النووي. ومن غير المتصور أن تسفر الحرب مع روسيا عن
امكانية وصول أرخص إلى الموارد الطبيعية من مجرد شرائها. فضلاً عن ذلك، إن
القيمة الاستراتيجية والاقتصادية للغاز الطبيعي في روسيا ـ المورد الطبيعي
الأكثر وفرة لديها ـ قد تدنى في الآونة الأخيرة منذ أن اكتشفت الولايات
المتحدة كيفية استغلال ودائع الغاز الصخري (الطفل الصخري)، والذي قد يحوِّل
الولايات المتحدة قريباً إلى مصدِّر للغاز الطبيعي، مثل روسيا .
لقد
هيمن الصراع حول الأيديولوجية ذات مرة على العلاقات بين الولايات المتحدة
والاتحاد السوفيتي. أما اليوم، فأمور كثيرة قد تغيرت. فالشيوعية السوفياتية
لم تعد المحرك للسياسة الروسية. وفي حين أن روسيا والولايات المتحدة
تختلفان في كثير من الأحيان حول مسائل السياسة الخارجية، فإن عمق ونتائج
هذه الخلافات أقل بكثير من تلك التي كانت خلال الحرب الباردة. فلا روسيا
ولا الولايات المتحدة تهيمن عليهما أيديولوجية تسعى إلى تدمير الآخر. ومن
المؤكد أن روسيا والولايات المتحدة تحتلان مناطق مختلفة في مؤشرات الحرية
الاقتصادية أو السياسية، ولكن هذه الاختلافات ليست السبب الأصيل للعلاقة
التي يهيمن عليها الردع.
فضلاً عن ذلك، هناك مجالات واسعة من المصالح
والتوافق الأميركي ـ الروسي المشترك. فلدى كلا البلدين مصلحة في توسيع
التجارة، وقد عملا معا لتحقيق انضمام روسيا إلى منظمة التجارة العالمية.
وقد عملت الولايات المتحدة وروسيا معاً بشكل جيد لتعزيز الأمن النووي ومنع
الإرهاب النووي . ويؤيد كلا البلدين نتيجة مستقرة في أفغانستان من شأنها
أن تخلف حكومة في كابول مستعدة وقادرة على قمع تنظيم القاعدة وحركة
طالبان، وقد تعاون البلدان لتحقيق هذه الغاية، كما تعاونا، وعلى نطاق
واسع، في مجال استكشاف الفضاء، وذلك لصالح البلدين؛ بل وتعتمد الولايات
المتحدة الآن على روسيا لأجل صعود رواد الفضاء إلى الفضاء. وتسعى موسكو
وواشنطن، على حد سواء، إلى الحد من تجارة المخدرات الدولية.
رغم أن
الردع المتبادل لا يزال قائماً اليوم لأنه لم يتم الشفاء بعد من ندوب
الحرب الباردة ـ الشك وعدم الثقة ـ فإن الزخم المؤسسي في مؤسسات الأسلحة
النووية لدى الجانبين كبير، كما أن العلاقة الثنائية معقدة بسبب الجمود
والعزوف عن المخاطر بما يتعلق بالعقائد والمفاهيم الجديدة للأمن.
إن
استمرار علاقة مبنية في جزء منها على محافظة البلدين على التهديد النووي
لتدمير الآخر تعتبر علاقة متناقضة في عالم اليوم. فالسبب المباشر لإنشاء
هذه الأسلحة النووية لم يعد حاصلاً. مع ذلك، فإن إطار الردع المتبادل لا
يزال غالباً على العلاقة الأميركية- الروسية.
مع تعمق هذا الوضع
المتناقض، فإن التوازن العسكري التقليدي بين البلدين أكثر استقرارا بكثير
مما كان عليه خلال الحرب الباردة. فقد تمركزت قوات حلف وارسو وحلف الناتو
ذات مرة، وتدربت، وتجهزت للقيام بحرب واسعة النطاق الواحدة ضد الأخرى في
وقت قصير؛ والحال لم يعد كذلك الآن. فلا الناتو ولا روسيا لديهما القدرة
الآن على استعراض القوة والسيطرة على أراض في القارة الأوروبية بمرور
الوقت في مواجهة معارضة حازمة ومصممة .
لقد أنهت الولايات المتحدة
مؤخراً، صاحبة الـ 75 في المئة من الإنفاق الدفاعي لحلف الناتو، 69 عاماً
من ارتكاز الدبابات القتالية الرئيسة في أوروبا، وذلك بإزالة تشكيلاتها
المدرعة الأخيرة في مارس/ آذار 2013.
وفي حين أن بالامكان، من الناحية
النظرية، إعادة القوات الامريكية المتمركزة في مكان آخر إلى أوروبا، لم
تظهر واشنطن ميلاً كبيراً للقيام بذلك، ولم يبد حلفاء الناتو اهتماماً
بدعم مثل هذه التحرك، كما أعلن البنتاغون بدلاً من ذلك عن " محور نحو
آسيا". وتخطط بريطانيا لخفض جيشها بنسبة 20 في المئة، ليصل عديده إلى
مستوى 80000 من الأفراد النظاميين، وهو عدد ليس أكبر بكثير من قوة شرطة
موسكو. ولدى البحرية الملكية 28 ضابط برتبة أدميرال، لكنها لا تملك سوى 22
سفينة كبيرة فقط. وتخطط برلين لخفض الإنفاق الدفاعي الألماني بنسبة 25 في
المئة على مدى السنوات الأربع القادمة. أما الرئيس الفرنسي فرانسوا
هولاند فقد وعد بالتحول من الدفاع إلى الأولويات المدنية. وفي العام
الماضي، نشرت صحيفة لوموند على صفحتها الاولى عنواناً رئيساً تزعم فيه أن
"فرنسا لم يعد لديها الوسائل العسكرية التي تطابق طموحاتها السياسية"،
وواجه أدميرال فرنسي التوبيخ بسبب تحذيره من أن حاملة الطائرات الوحيدة في
البلاد سوف تكون خارج الخدمة في عام 2012 اذا لم يتم تقليص عملياتها في
ليبيا وابحارها بسرعة الى الوطن للصيانة. وفي حين أن لدى تركيا واليونان
أعداداً كبيرة من الدبابات، فإن معظمها زائل، حيث إن غالبيتها تعود
بتاريخها إلى الستينات - وحيث إن الدافع لوجودها، بالتأكيد، مهمات أخرى
في المقام الأول وليس من بينها الهجوم على روسيا أو حلفائها. كما أن حلف
شمال الاطلسي ( الناتو) ليس تحالفاً مستعداً أو معداً للقيام بهجوم بري
واسع النطاق في أوروبا.
وبالمثل، إن قدرة روسيا على استعراض قوتها
غرباً قد تضاءلت إلى حد كبير منذ ذروة الحرب الباردة. لقد كانت "مجموعة
القوات السوفيتية في ألمانيا" تتألف ذات مرة من 24 فرقة، وأكثر من 4000
دبابة. أما المعهد الدولي لبحوث السلام في ستوكهولم والمعهد الدولي
للدراسات الإستراتيجية فيقدران ميزانية الدفاع لروسيا في المنطقة بـ 60
مليار دولار، أي نحو 3.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة
ضئيلة من ميزانية الدفاع الاميركية. وفي حين تحتفظ روسيا بوجودها العسكري
في بعض دول الاتحاد السوفياتي السابق، فإن هذه الدول ليست كلها قادرة على
استعراض القوة. وقد كُلف بعضها بصيانة وتشغيل رادارات الإنذار المبكر
للصواريخ الباليستية، وتفتقر دول أخرى للقدرات الجوية.
حققت روسيا
أهدافها بسرعة نسبياً في حرب آب/ أغسطس عام 2008 مع جورجيا، إلا أن هذا
الصراع كشف نقاط الضعف أيضاً التي نوقشت علنا في موسكو، بما في ذلك الأسلحة
الزائلة والعتاد، الاخفاقات في هيكلية القيادة والسيطرة والتنسيق بين
الأجهزة، والانهيارات في الاستخبارات. وكانت كل هذه الأمور لتكون أكثر
خطورة ضد خصم أكثر قدرة من الجيش الجورجي. فالفشل في قمع الدفاعات الجوية
المتواضعة لجورجيا ـ الذي أسفر عن إسقاط طائرة قاذفة من نوع توبوليف 22M3 -
وعدم القدرة على إدماج العمليات القتالية الجوية والبرية كان ليشكل مشكلة
كبيرة بالنسبة للقوات الروسية لو أنها واجهت خصماً أكثر مساواة لها.
وهكذا،
وفي حين أن لدى روسيا القدرة على إبراز القوة ضد جيرانها الضعفاء، فإنها
لا تشكل تهديداً خطيراً تقليدياً لمنظمة حلف شمال الأطلسي، تماماً كما أن
حلف شمال الاطلسي اليوم لا يشكل تهديداً تقليدياً خطيراً لروسيا.
3. لماذا استمر الردع؟
إذن
ما الذي يسبب استمرار الردع ؟ فكما هو منتظر في العلاقات المعقدة بين
الدول الكبرى، من المرجح أن تكون الجذور اتاريخية ومتعددة الأوجه، على حد
سواء.
أ. الخلافات حول القضايا الإقليمية والدولية
أولاً،
لا تزال هناك خلافات حقيقية في وجهات النظر والمصالح بين الولايات
المتحدة وروسيا. هذه الخلافات لها صلة بالمناطق القريبة من روسيا، كما لها
صلة بإمكانية وكيفية وجوب مواجهة المجتمع الدولي للتحديات التي تفرضها
الأحداث في دول مثل ليبيا، سوريا، وإيران. وأكدت موسكو، ورفضت واشنطن،
المطالبة بنطاق نفوذ روسي متميز بخصوص قضايا اقليمية. إن هدف روسيا احاطة
نفسها بدول صديقة تهيمن عليها جزئياً سوف يبدو متضارباً مع السياسات
الأميركية الساعية لتعزيز الديمقراطية، السيادة والاستقلال في تلك الدول.
وتعتبر روسيا هذا الأمر " تطويقاً "، وترى فيه الولايات المتحدة –
المسكونة بهاجس " شبح يالطا "، زحفاً لإعادة تأسيس الإمبراطورية الروسية.
بدأت
هذه الخلافات بعد وقت قصير من انهيار الاتحاد السوفياتي، مع مجموعة واسعة
من القضايا في العلاقات بين روسيا وجيرانها من دول الاتحاد السوفياتي
السابق. وشرعت روسيا بما اعتبرته عمليات حفظ السلام في مناطق النزاع في
الاتحاد السوفياتي السابق، وذلك بالتصرف سواء بنفسها أو من خلال آلية
رابطة الدول المستقلة الكومنولث ( CIS). واعتبرت الولايات المتحدة بعض
إجراءات موسكو بمثابة جهود ترمي إلى السيطرة على دول الجوار السيادية،
الأمر الذي لا يمكن لواشنطن ان تتغاضى عنه ولا أن تشرعنه. بل دعمت
الولايات المتحدة مبادئ الديمقراطية وتقرير المصير .
وترى روسيا في
السياسة الأميركية محاولة لتشجيع القوى المناهضة لروسيا ( والترويج لـ "
الثورات الملونة " ضد الحكومات الموالية لروسيا ) على حدودها. وحتى اليوم ،
يقول المحللون الروس إن لدى موسكو مصلحة واهتماماً أقوى في التنمية
السلمية للدول المجاورة وسلامة أراضيها من أي بلد آخر، وإن التنمية
الاقتصادية لهذه الدول تتطلب تكاملاً أقوى مع روسيا، أكبر اقتصاد في
المنطقة .
لذا، يعتقد معظم الخبراء والسياسيين الروس بأن رفض الولايات
المتحدة الاعتراف بالحقوق التمييزية لروسيا بالحفاظ على نفوذها في دول
الاتحاد السوفياتي السابق رفض غير مبرر ويناقض المصالح الروسية ومصالح
الدول المجاورة لروسيا على المدى الطويل.
مع ذلك، إن هذه الصراعات
قابلة للذوبان. فمع الإقرار بأن الخلافات حول القضايا الإقليمية تمثل "
ألغاماً أرضية " يمكن أن " تنفجر"، فإن دراسة أخيرة أميركية - روسية
للتفاصيل ترفض الفرضية القائلة بأن المصالح المختلفة والمتباينة هي مصالح "
اساسية وجوهرية، وبالتالي لا يمكن التوفيق فيما بينها ".
بدلاً من
ذلك، خلص الباحثون إلى أن " خطورة هذه المسألة في علاقة ثنائية لا يمكن أن
تعزى إلى عوامل غير قابلة للتغيير ومتأصلة في أي من البلدين أو في النظام
الدولي" .
وتجدر الإشارة أيضاً إلى أن كلا البلدين يتقاسمان مصلحة
أسمى في الحفاظ على الاستقرار الشامل في مناطق ما بعد الاتحاد السوفياتي،
وفي ضمان ألا تصبح أيا من دول الجوار هذه فاشلة، مع ما ينطوي عليه ذلك من
احتمال حصول كوارث إنسانية، تدفق اللاجئين، والإرهاب.
الأهم من ذلك،
هو الخلافات بشأن السياسات المتعلقة بأوراسيا، ففي حين أنها خلافات حقيقية
وغالباً ما تكون كبيرة وهامة، فإنها لا تؤثر على بقاء البلد سواء بالنسبة
للولايات المتحدة أو لروسيا، وبالتالي فإن لها طابعاً مختلفاً كلياً عن
الخلافات التي قادت الحرب الباردة، وأدت إلى حالة الردع النووي المتبادل .
أما
المجموعة الثانية من الخلافات المتكررة بين الولايات المتحدة وروسيا فلها
علاقة بالاستجابة الدولية المناسبة إزاء حقوق الإنسان وهواجس منع
الانتشار النووي التي أثارتها الأزمات في الدول. وكانت الولايات المتحدة
ترى أن روسيا تحاول إبطاء ومنع أو تخفيف العمل الدولي للتصدي لهذه
الأزمات؛ ورأت روسيا أن الولايات المتحدة تسعى إلى استخدام قوتها لفرض
عقوبات أو الإطاحة بحكومات أجنبية وبسط نفوذها، وغالبا على حساب حلفاء
روسيا وأصدقائها. ولهذه القضايا نتائج كبيرة. فعلى سبيل المثال، وسواء
حققت إيران قدرات السلاح النووي أم لا فسوف يكون لها تأثير عميق على أمن
الولايات المتحدة، وروسيا، والأمن الدولي. لكن من المستحيل أن نتخيل هذه
القضايا ترتفع إلى مستوى يستدعي استخدام السلاح النووي الأميركي والروسي.
في
كل الأحوال، يرى العديد من الخبراء الروس أن صداما دولياً أوسع مع
الولايات المتحدة يبرر استمرار الاعتماد على الردع النووي. وهم يعتقدون
بأنه من دون رصيد السلاح النووي الروسي، فإن الولايات المتحدة سوف تستغل
قوتها العسكرية والاقتصادية للهيمنة على الشؤون العالمية وأن تحقيق ذلك من
شأنه أن يقوض مصالح روسيا. وأعرب بعض المحللين حتى عن القلق من أن تدخلاً
عسكرياً بقيادة الولايات المتحدة من النوع الذي شوهد في العراق أو ليبيا
يمكن أن يشكل تهديداً لروسيا نفسها. هذا الاعتقاد بخصوص اشتباك دولي أوسع
نطاقاً يستند إلى فرضية نظرية، ولكنه يبرز أيضاً رداً على إجراءات وسياسات
أميركية معينة منذ عام 1991 .
إن الفرضية النظرية الروسية هي أن
الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة التي تهيمن على الساحة الدولية
اقتصادياً وعسكرياً، وأن ما يسيِّر السياسة الأميركية، والى حد كبير، هو
جهد الحفاظ على هذا الموقع لها. ويزعم هؤلاء المحللون أن هدف الهيمنة هذا
لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال تأمين وتوسيع منطقة النفوذ، والحد من
التنمية في البلدان الأخرى التي هي دول منافسة محتملة، والتشجيع على تغيير
النظام في البلدان بسياسات أميركية.
يستشهد الروس بسياسات الولايات
المتحدة كدليل على هذا الرأي. فعلى سبيل المثال، بدأت الولايات المتحدة
بعملية توسيع حلف شمال الاطلسي الى الشرق بعد انسحاب القوات الروسية من
شرق أوروبا والشروع في "الشراكة من أجل السلام" (PfP). وخلافا لفهم موسكو
لالتزام شفهي بعدم توسيع حدود حلف الناتو باتجاه روسيا، لم يقبل الحلف
جميع بلدان أوروبا الشرقية فحسب، وإنما قبل أيضاً بعض الدول التي كانت
جمهوريات في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية السابقة (الاتحاد
السوفياتي). وكانت كل من أوكرانيا و جورجيا ناشطتين في هذه العملية قبيل
آب/ أغسطس 2008، على الرغم من أن آفاق انضمامهما الى حلف شمال الاطلسي لا
تزال غير واضحة. ويعتقد البعض في روسيا بأن الولايات المتحدة تصرفت
باعتبارها الفائز في الحرب الباردة، وقامت بالاستيلاء على عجل على المساحة
التي أصبحت خالية من النفوذ السوفياتي، وتهجير روسيا منها رغم أن هذه
الأخيرة اختارت سبيل التطور الديمقراطي.
وفي الآونة الأخيرة يرى بعض
المحللين الروس غزو العراق الذي قادته الولايات المتحدة عام 2003 والاطاحة
بحكومة القذافي في ليبيا دليلاً إضافياً على جهد الولايات المتحدة لتعزيز
قوتها ونفوذها تؤثر في جميع أنحاء العالم.
ورغم أن هذه المخاوف
الروسية صادقة، فإن من الضروري وضعها في نصابها. وقد عدد السناتور
الاميركي السابق بيل برادلي مجدداً ما يعتقد أنه أصل سوء الفهم بين وزير
الخارجية الأميركية جيمس بيكر والرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف. وبعدما
تحدث مع بعض المشاركين، يقول برادلي بأن بيكر ملتزم بعدم تحريك قوات حلف
شمال الاطلسي باتجاه شرق ألمانيا، إذا ما سمح باعادة التوحيد، لكنه لم يقل
شيئا عن الدول الأخرى.
أما غورباتشوف نفسه فقد أدرك في أيار/ مايو
1990، عندما وافق على انضمام ألمانيا الموحدة إلى حلف الناتو، أن لا أحد
يفكر في مسألة الدول الأخرى في الكتلة السوفياتية السابقة. ووفقاً
لغورباتشوف، إن "مجرد التفكير بأن الناتو قد يتوسع ليشمل دولاً في هذا
التحالف بدت سخيفة تماماً في ذلك الوقت". وعندما تم التوصل إلى اتفاق، لم
يكن الاتحاد السوفياتي ولا حلف وارسو قد حُلا بعد. أما الولايات المتحدة
فينبغي لها، عند تشكيل سياستها تجاه روسيا، أن تأخذ بعين الاعتبار وجهة
نظر موسكو بشأن توسيع حلف شمال الاطلسي. في نفس الوقت، ينبغي على موسكو أن
تدرك أن منظمة حلف شمال الأطلسي مختلفة إلى حد كبير في طابعها وقدراتها
عما كانت عليه في عام 1990، وأن هذا التوسيع لا يمثل أي تهديد عسكري خطير
للأراضي الروسية.
وفي حين أن هذه القضايا مهمة، وهي لن تختفي غداً، فإن
حجم الخلافات بين الولايات المتحدة وروسيا لا يرقى بالتأكيد إلى أهمية
انقسامات الحرب الباردة. عموماً، ليس هناك شك في أن التهديدات الأمنية
التي تواجهها روسيا والولايات المتحدة – قلة منها فقط ناشئ من سياسات
الواحدة تجاه الأخرى - سوف تتطلب من البلدين، على حد سواء، الحفاظ على
قوات عسكرية تقليدية قادرة لسنوات عديدة مقبلة. لكن ليس هناك من احتمال
واقعي كبير أن تشكل القوات التقليدية لأي من البلدين تهديداً خطيرا لأراضي
الطرف الآخر. إن ردع أي تهديد أميركي لمصالح روسيا، أو أي تهديد روسي
لمصالح الولايات المتحدة، لا يحتاج لأن يكون ردعاً نووياً.
ب. العزوف عن المخاطرة والزخم المؤسساتي
هناك
مجموعة واسعة ثانية من أسباب استمرار الردع هو العزوف عن المخاطرة والزخم
المؤسساتي. ووفقاً لمنطق العزوف عن المخاطرة، حافظ الردع على السلام خلال
أيام الحرب الباردة القاتمة. ونظراً لضخامة الرهانات، والشكوك في كيفية
تطور العلاقة الأميركية ت الروسية ( من ذا الذي كان يمكنه التنبؤ في عام
1986 بالكيفية التي ستكون عليها العلاقات في عام 1991؟) فإن التمسك بالوضع
الراهن يمكن أن يبدو عقلانياً وحكيماً. فضلاً عن ذلك، يتعزز العزوف عن
المخاطرة بالغرائز المهنية والعادات الممارسة لدى المخططين العسكريين،
الذين يتقاضون رواتبهم للإعداد للأسوأ. وعلى مدى عقود، كان الأميركيون
والروس يراقبون بعضهم بعضا بحذر بخصوص مخابئ الصواريخ، وأسطح الغواصات،
وغرف التحكم برادارات الإنذار المبكر للصواريخ البالستية. وتحافظ روسيا
والولايات المتحدة، على حد سواء، على قدرات أسلحة نووية رهيبة، حتى بعد
التخفيضات الكبيرة جداً في ترسانات كلا الدولتين. فمن غير المنطقي ألا تركز
سياسة الأمن القومي على أقوى خصم محتمل للدولة .
فضلاً عن ذلك، إن
المؤسسات التي أنشئت لبناء الترسانات النووية للحرب الباردة والحفاظ عليها
تحمل زخماً كبيراً خاصاً بها. ففي كل من الولايات المتحدة وروسيا، هناك
مختبرات، مصانع، ووحدات عسكرية كبيرة تضم عشرات أو مئات الآلاف من الناس
وتصرف فيها مليارات أو عشرات المليارات من الدولارات كل عام والمكرسة لبناء
وتشغيل وصيانة الأسلحة النووية ووسائل قذفها. هذه المؤسسات لديها مصالحها
وأولوياتها الخاصة ومعايير إجراءات التشغيل الموحدة الخاصة بها، وتوفر
جزءاً كبيراً من الخبرة التي تستند إليها قرارات السياسة النووية. وكناقلة
عملاقة، يتطلب الأمر بعض الوقت لتغيير مسارها.
في الوقت نفسه، لا بد من
فهم المخاطر الكبيرة المرتبطة بعدم التغيير. فالبشر والنظم التي يحدثونها
غير معصومة عن الخطأ بطبيعتها. فالحفاظ على وضع مستعد صراحة لإطلاق
الآلاف من الأسلحة النووية على بعضهما البعض، واحتمال ازهاق مئات الم
2013-11-18
|