ارشيف من :أخبار لبنانية

فعلها ميقاتي مجدداً!

فعلها ميقاتي مجدداً!

جان عزيز - صحيفة "الأخبار"

بات واضحاً أنّ نجيب ميقاتي قرر التصرف حيال القوانين والدستور والميثاق في لبنان، تماماً كما كان يتصرف غازي كنعان. أي على طريقة: فليقل القانون والدستور والميثاق ما شاءت... أما أنا، فسأفعل ما أشاء.

فبعد اعتدائه السافر على كل منظومة الأصول اللبنانية في تعاطيه مع وزارة الاتصالات، قرر استكمال الخطوة، أو ربما تعميمها، والانتقال إلى مرحلة ثانية: وزارة الداخلية. ففي 13 تشرين الثاني الجاري أصدر ميقاتي المستقيل، بياناً جديداً حمَله اسم: «تعميم رقم 13/2013 يتعلق بالتشدد بتطبيق أحكام قانون البناء». ورقتان من مقدمة وخمس فقرات، كافيتان لمسح كل القانون اللبناني، ومسخ كل الدستور ونقض كل المواثيق. ولأن المسألة على قدر كبير من الخطورة الوطنية، إليكم الوقائع:

أولاً اعتداء ميقاتي المستقيل على القوانين اللبنانية: ففي بيانه المسمى تعميماً، يعطي الرجل لنفسه صلاحية مخاطبة إدارة رسمية تابعة لوزارة محددة. فهو في الفقرة الثانية من بيانه، يستهل تدبيجه بالقول: «تكلف المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي...». عبارة تشكل خرقاً فاضحاً للقانون رقم 17، تاريخ 6 أيلول 1990، «تنظيم قوى الأمن الداخلي». ذلك أنه في كل مواد القانون المذكور، لم يرد أبداً أي مادة أو نص أو تلميح إلى إعطاء رئيس الحكومة أي صلاحية أو حق في إمرة قوى الأمن الداخلي أو التوجه إليها مباشرة أو حتى مخاطبتها، من دون المرور برأس هرمها القانوني، المتمثل بوزارة الداخلية، وبالتالي بوزير الداخلية شخصياً. فالمادة الثانية من القانون 17، تقول بوضوح مطلق، يُفترض حتى لشخص مثل نجيب ميقاتي أن يفهمه: «تخضع قوى الأمن الداخلي لسلطة وزير الداخلية...». وهي المادة العاشرة من القانون نفسه، تقول بجلاء لا يُفترض أن يلتبس حتى على ميقاتي، أنه «يخضع المدير العام لقوى الأمن الداخلي لسلطة وزير الداخلية...». هكذا، وباجتهاد مخالف لكل القوانين والأنظمة وأصول العمل الدولتي والإداري، قرر ميقاتي المستقيل ضربَ عرض الحائط بنصوص قانونية بلورية الوضوح، ليكتب في بيانه: «تكلف قوى الأمن الداخلي...».

ثانياً، اعتداء الميقاتي على الدستور: ففي تكرار لارتكابه السابق في وزارة الاتصالات، كرر ميقاتي المستقيل اعتداءه السافر على موقع الوزير في منطوق الدستور اللبناني. فهو في بيانه نفسه، المسمى «تعميم 13 ...»، دبج فقرتين رابعة وخامسة، استهل الأولى بقوله «يطلب إلى وزارة الداخلية» والأخيرة بقوله «تلغى جميع التعاميم والكتب المخالفة لهذا التعميم، ولا سيما منها التعميم رقم 483/ص. م تاريخ 10/9/2013، الصادر عن وزارة الداخلية». علماً أن التعميم الذي أصدر الرجل فتواه الشاهانية بإلغائه صادر عن وزير الداخلية شخصياً ومباشرة، لا عن «الوزارة». ما يعني أن ميقاتي المستقيل قرر مرة أخرى الاعتداء على الدستور اللبناني، وتحديداً خرق المادة 65 منه، التي تنص بوضوح على أنه «تناط السلطة الإجرائية بمجلس الوزراء»، والمادة 66 التي تؤكد أنه «يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين كل بما يتعلق بالأمور العائدة إلى إدارته وبما خص به...». فلا حق ولا صلاحية ولا سماح ولا وارد في نظامنا أن يقول رئيس الحكومة لوزير «يطلب إليك»، أو أن يقرر ببيان إلغاء قرار لوزير.

ثالثاً وأيضاً ومجدداً، اعتداء ميقاتي المستقيل على الميثاق الوطني اللبناني. فالرجل ينسف للمرة الثانية في أسبوعين، أساسين اثنين من الأسس الأكثر جوهرية لاتفاق خروج اللبنانيين من حروبهم التدميرية. وقد يكون من المفيد تذكير ميقاتي المستقيل بتلك الأسس، ذلك أنه يوم كان اللبنانيون يتفاوضون بدمائهم وتقاتلهم لإبرام عقد وطني جديد، كان هو منكباً على أنشطة أخرى، لم تسمح له ربما بفهم معاني تلك التسوية الميثاقية. قامت وثيقة الوفاق الوطني على ثلاث تسويات بنيوية متساوية متوازية متلازمة ومتكاملة، لا يمكن تفكيكها أو تجزئتها: أولاً تسوية التلازم بين تأكيد نهائية الكيان، وتأكيد عروبة دولته. ثانياً تسوية التلازم المماثل بين الشراكة في السلطة، في مقابل التضامن الكامل في تحقيق السيادة. وهي التسوية التي ترجمت في الطائف بمعادلة «التزامن بين الإصلاحات والانسحابات». وثالثاً، تسوية التلازم بين القول بـ«دولة واحدة موحدة ذات سلطة مركزية قوية»، وبين تأكيد «اعتماد اللامركزية الإدارية الموسعة». هكذا جاء ميقاتي المستقيل، ببيان ارتجالي لا سند قانونياً له ولا مضمون، ليطيح تسوية الشراكة في السلطة، كما تسوية ميثاقية البنية اللامركزية، وذلك باعتدائه السافر على سلطة الوزير الدستورية ـــ الميثاقية، كما باعتدائه على السلطات اللامركزية للدولة، ذات البعد الميثاقي أيضاً. فضلاً عن اعتدائه حتى على سلطة القضاء.

الواضح أن ميقاتي المستقيل ليس بوارد الارتداع عن استباحته لأصول الدولة، وهو ما يفرض التفكير بأمر من ثلاثة: إما أن يتدخل رئيس الجمهورية، مستفيقاً إلى صلاحيته المنصوص عليها في المادة 49 من الدستور، كساهر «على احترام الدستور». وإما أن يبادر وزير الداخلية، إلى الأخذ بتوصية وزير سابق له، بأن يرد بيان ميقاتي إليه، مرفقاً بنسخة من دستور الطائف.
2013-11-19