ارشيف من :أخبار لبنانية

«القاعدة» في لبنان ممرّ ومقرّ

«القاعدة» في لبنان ممرّ ومقرّ

جوني منيّر  - صحيفة "الجمهورية"

بعد التفجير المزدوج الذي استهدف السفارة الإيرانية في بيروت بات واضحاً أنّ مقولة لبنان هو ممرّ وليس مقرّاً لـ»القاعدة» هي مقولة خاطئة، وأنّ هذا التفجير أظهرَ أنّ «القاعدة» باتت لها بنية تحتية كاملة مكّنتها من تنفيذ هجوم بهذا الحجم.

طبعاً، كان يمكن لبنان أن يتجنّب هذا الواقع المرعب الذي بات يسوده لو أنّ جميع المسؤولين انصرفوا فعليّاً إلى تحصين الداخل اللبناني بدءاً من السعي إلى توظيف الأحداث الجارية في إطار تسجيل النقاط الإعلامية والانتخابية.

لكنّ ما حصل هو أنّ الطبقة السياسية مارست ترف التساجل، فيما كانت المخاطر تعشّش في باطن الارض. وأبرز مثال على ذلك منطقة عرسال، حيث كان في الإمكان تجنيبها الدخول في دائرة الخطر لو حصل تعاطٍ بطريقة أخرى مع جهود الجيش اللبناني.

ففي الأساس بدّلت واشنطن نظرتها وتقويمها لـ"الربيع العربي" في ضوء النموّ الكبير لتنظيم "القاعدة" في هذه البلدان، وفي طليعتها ليبيا. وبعد اغتيال السفير الاميركي في بنغازي الذي كان من أشدّ المتحمّسين لوصول الإسلاميين الى السلطة بدا أنّ القرار الاميركي استند الى القراءة التي أجرتها في الاساس دوائر الأمن والجيش والاستخبارات والقوى المحافظة.

فـ"الربيع العربي" شكّل واحة ممتازة لانتشار التنظيمات المتطرّفة مستغلّة موجة صعود الإسلام السياسي، إضافة إلى الضربة التي تلقّتها أجهزة الأمن في الدول التي طاولها الربيع العربي، ما جعلها عاجزة عن الاستمرار في مهمّات مراقبة المجموعات الإرهابية وملاحقتها. ربّما هذا ما دفع أيمن الظواهري الذي حلّ مكان أسامة بن لادن في قيادة "القاعدة" إلى الإعلان في الذكرى العاشرة لعملية 11 أيلول أنّ "الغزوات المباركة" هي التي مهّدت الطريق الى "الربيع العربي".

وهنالك من يعتقد أنّ الخطأ في حسابات "الربيع العربي" دفع واشنطن الى إعادة رسم سياستها، خصوصاً في سوريا التي أضحت منطقة آمنة لتنظيم "القاعدة".

وفي ايلول 2011 أصدر مسؤول "القاعدة" في بلاد الشام "أبو جهاد الشامي" كُتيّباً من 52 صفحة تضمّن توجيهات "للمجاهدين" في سوريا تحت عنوان "استراتيجية لأرض المحشر (سوريا)".

وأوعز لعناصره التمركز في مرتفعات جبل الشيخ والمناطق السنّية المحيطة بجبال العلويّين حيث تتوافر افضل الدفاعات الطبيعية والمصادر الضرورية للبقاء، كذلك طلب منهم التمركز قرب الحدود اللبنانية تسهيلاً للهروب عند الحاجة. ومن هنا تكمن أهمّية منطقة القلمون وإقامة بنية تحتية لـ"القاعدة" لأنّ المنطقة متداخلة مع جرود منطقة عرسال اللبنانية التي تشكّل مدخلاً ممتازاً إلى لبنان.

صحيح أنّ الشامي طلب من عناصره فتح معسكرات تدريب سرّية في لبنان وجعله قاعدة عمليات خلفية لتخطيط هجمات داخل سوريا والتحضير لها، إلّا أنّه بدا أنّ ثمّة معطيات قد تغيّرت ليصبح لبنان ساحة مواجهة وليس قاعدة عمليات خلفية فقط.

وقد يكون التبدّل الذي حصل كامناً في تبدّل المشروع الاميركي إزاء سوريا، إضافةً الى التقارب الاميركي - الايراني على اساس الاعتراف بنفوذ إيران في منطقة "الهلال الشيعي" والوضع الميداني الصعب الذي يهدّد المناطق الخاضعة لسيطرة عناصر "القاعدة".

وعلى سبيل المثال بدا واضحاً الطلب الأميركي من تركيا إقفال حدودها ومنع تسلّل المتطرفين الى سوريا من خلال تصريح وزير الخارجية التركي أحمد داود اوغلو عقب لقائه بوزير الدفاع الاميركي تشاك هاغل والذي حاول فيه جاهداً التنصّل من وجود أيّ قرار تركي في هذا الصدد.

وخلال الاشهر الماضية رصدت الاجهزة الامنية اللبنانية نشاطاً جديداً لخلايا "القاعدة"، حيث باتت تحتضن عناصر انتحارية، بدليل توافر معلومات مؤكّدة حول استقدام أحزمة ناسفة وتطوير عبوات أخرى.

وفيما كانت الأجهزة الامنية اللبنانية تركّز مراقبتها للمنطقة الممتدّة بين جرود عرسال والقلمون استُهدِفت حواجز الجيش اللبناني بأعمال إرهابية، وكان مضمون الرسالة واضحاً: "إبتعدوا عن دربنا".

ومع هذه الرسالة انطلقت عمليات استهداف الضاحية الجنوبية لبيروت، بدايةً من خلال الصواريخ، ومن ثمّ من خلال السيارات المفخّخة. وكانت أعمال المراقبة قد توصّلت الى وجود تعاون ما بين رجال "القاعدة" في القلمون ومجموعات موالية تغلغلت في طرابلس وأخرى فلسطينية في مخيّمي عين الحلوة وشاتيلا.

لذلك فإنّ الديبلوماسيين الغربيّين يعتقدون أنّ حرب السيارات المفخّخة التي بدأت في الضاحية أوجبت ردّاً مشابهاً في طرابلس، لكنّ المسألة شهدت تصعيداً أكثر خطورة مع دخول "سلاح الانتحاريّين" الى المعركة.

فالخلية التي اعتقلها الجيش اللبناني في البقاع الغربي أكّدت المعلومات التي كانت تمتلكها الأجهزة الأمنية، أي الزجّ بالانتحاريين في معركة لبنان. ذلك أنّه عوضاً عن ضبط أحزمة ناسفة لا يمكن استعمالها بلا انتحاريّ، ضُبِط ما هو أخطر، وهو كناية عن رباط طبّي يوضَع حول العنق في حالات أوجاع الديسك.

وهذا الرباط كان مفخّخاً، ما يوحي بأنّ المخطّطين كانوا ينوون استعماله في حشد شعبيّ، وكانت مجالس عاشوراء على الأبواب، ما يعطي حامل الرباط الطبّي أفضلية للتغلغل، وكذلك الأحزمة الناسفة.وبعدما رفضت القيادات الروحية الشيعية إلغاء مجالس عاشوراء، اعتُمدت رقابة أمنية صارمة جنّبت حصول استهداف كارثي.

لكنّ الضربة لم تتأخّر، فجاءت في اتجاه السفارة الإيرانية لتوجّه الرسائل الى التقارب الإيراني - الاميركي وإلى حزب الله ووجوده في سوريا، والظهور الأخير للأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله وإلى الساحة اللبنانية على اساس أنّها لن تكون من ضمن النفوذ الايراني في الشرق الاوسط.

المهم أنّ هنالك من يعتقد أنّ رسالة السفارة الايرانية لن تكون وحيدة، لا بل إنها ليست سوى بداية لمثل ما هو حاصل في العراق، ولو ليس وفق الوتيرة نفسها.

وربّما هذا ما يقلق المسؤولين اللبنانيّين، لأنّ مكافحة هذا النوع من الإرهاب تبقى صعبة، لا بل صعبة جدّاً، بدليل ما يصيب البلدان القريبة. وإذا افتُرِض أنّ معركة القلمون ستشتدّ، وهي التي تشكّل قاعدة لمسلّحي "القاعدة"، وأنّ التوافق الاميركي - الإيراني بات على الابواب، فإنّ الاستنتاج المنطقي لكلّ ذلك هو استعمال كلّ أنواع الأسلحة، والساحة اللبنانية لم تعُد في منأى، لا بل ساحة "جهاد"، وهي التي تكاد تختنق من أزماتها السياسية، وتنتظرها استحقاقات أساسية لا تبدو حاصلة.
2013-11-21