ارشيف من :أخبار لبنانية

«غزوة» بئر حسن: جريمة في كلّ اتجاه



«غزوة» بئر حسن: جريمة في كلّ اتجاه

غسان جواد - صحيفة "الجمهورية"

لم يكن منسوب الدهشة كبيراً عند المطّلعين على «قرار» نقل المواجهة إلى لبنان. نجح الإرهابيون في إزهاق مزيد من الأرواح، وقتلِ عدد من المدنيّين والمارّة، وفشلوا في استهداف مبنى السفارة الإيرانية في بئر حسن وتدميره وإقفاله. وفي الحالين وصلت الرسالة إلى من يعنيهم الأمر.

سيظلّ لبنان لفترة مقبلة مقيماً تحت ظلال ما جرى أمس الأوّل. بيانات الاستنكار والإدانة لن تكون كافية لمنع التداعيات أو مزيد من الأعمال الإرهابية. يوم 11/19/ 2013 ليس كغيره من الايام. وسيذكره اللبنانيون جيّداً في المستقبل. أو سيعيشون ارتدادته سواءٌ عرفوا ذلك أم لم يعرفوا.
إنتحاريّان يحاولان اقتحام مبنى السفارة الايرانية. يتصدّى لهما الحرّاس، يرتكبان الجريمة على رصيف السفارة. والضحايا أبرياء مدنيّون من الأطفال والنساء.

هذا جزء من الخبر، وللخبر تتمّة قد تكون بالمقدار نفسه من البشاعة أو تزيد.البعض وقد أصبح معروفاً، قرّر دفع المواجهة الى حدودها القصوى، في لحظة اشتباك إقليميّ حادّ، وأرسل انتحاريّين إرهابيّين الى تخوم بيروت، في رسالة مزدوجة لكلّ من إيران وحزب الله. الامر الذي دفع بالمواجهة الى مستوى خطير، قد يتعدّى لبنان وسوريا ليعمّ كلّ نقاط الاحتكاك الايراني مع داعمي ومشغّلي "القاعدة" وما يسمّى "كتائب عبدالله عزام".

في المشهد صورة مبعثرة، إذا نجحنا في إعادة تركيبها بقواعد لعبة "البازل"، سنصل الى بعض الأفكار والاستنتاجات:

إنطلقت "معركة القلمون"، فنفّذ المستوى الاقليمي المنخرط في الحرب على سوريا تهديداته. ربط تأليف الحكومة اللبنانية بخروج الحزب من الميدان السوري. أعلن انّه سيربط "القلمون" ببيروت، وضع خريطة لأماكن التفجير، لوّح بالحرب الأهلية، وبدأ سلسلة "غزواته" بإرسال انتحاريّين اثنين ليقول إنّ لديه كثيراً ومزيداً. والمفارقة أنّ بيان الجهة المنفّذة كرّر المطلب نفسه ووضع الشروط نفسها لوقف هذا النوع من "الغزوات".

ليس التحوّل في الميدان السوري ومشاركة الحزب بفاعلية في إحباط الحرب على سوريا، ما جعل الفوارق تختفي بين وجه السياسة ووجه الإرهاب في سياسات هذا البعض. الانفراجات في الملفّ النووي الايراني، وبدء جولة جديدة من المفاوضات، ونجاح الديبلوماسية الايرانية في وضع قواعد محترمة للتفاوض، عوامل ساعدت في اختيار الزمان والمكان، وسرّعت قرار استخدام لبنان ساحة نزاع ومواجهة.

أراد الإرهابيّون ومُشغّلوهم المعروفون توجيه "رسالة" تتضمّن جملة من المواقف والاحتجاجات. ليس في اتجاه حزب الله وإيران وحسب، بل في إتجاه المجتمع الدولي والولايات المتحدة الاميركية خصوصاً.

لم تسمع واشنطن "صرير الأسنان" وأصوات الوهن والضعف والهزيمة في أنقرة والرياض والدوحة ودمشق وبغداد. ربّما تسمع في بيروت، ربّما يلفت انتباهها اكثر. لكنّ الجواب الذي جاء كان قاسياً بدوره: سفير بريطانيا في لبنان يتبرّع بالدم لضحايا التفجير، رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يتّصل بالرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني للمرّة الأولى منذ عقد من الزمن، ووزير الخارجية الاميركية جون كيري يعبّر عن "اشمئزازه" من هذا النوع من الأعمال.

طهران من ناحيتها تعرف جيّداً ما يجري. المنطقة في مخاض مؤلم، ثمّة نظام عالميّ - إقليميّ يجري بناؤه في سوريا. ثمّة متضرّرون يغرقون، وسنجدهم يلجأون الى كلّ الوسائل والأساليب لكي ينقذوا أنفسهم أو يجدوا لهم مكاناً في "المنطقة الجديدة". لم يكن مفاجئاً الإعلان عن تقارب بينهم وبين إسرائيل، "المصيبة تجمع"، وثمّة من يقول علناً: الخلاف بين إيران وواشنطن حول سوريا والملف النووي أصبح شكليّاً. المشكلة الجوهرية بينهما تتركّز حول مستقبل القضية الفلسطينية.

إسرائيل تعرف هذا جيّداً وتحاول تفادي الوصول الى نقاش جدّي حول هذا الملف من خلال الدفع بالمنطقة نحو حرب مذهبية، وهنالك من العرب من أصبح مصيره مرتبطاً بهذا السياق. المصالح تقاطعت عند حدود التخريب والتفجير ومذهبة النزاع، وإيران ومعها سوريا وحزب الله تنظر إلى الصورة انطلاقاً من القفز فوق الأدوات ومركزة النزاع والمواجهة مع الرأس المدبّر.
2013-11-21