ارشيف من :أخبار لبنانية

«زعران السلاح» في بذلة الدولة؟


«زعران السلاح» في بذلة الدولة؟

محمد نزال - صحيفة الاخبار


اقتراح خطير لاستيعاب العصابات في أجهزة الأمن

يبدو أن حملة السلاح في طرابلس، بعدما أرهبوا الآمنين، وقتلوا ودمّروا وخرّبوا، سيصبحون رجال أمن رسمياً داخل مؤسسات الدولة. الرئيس نجيب ميقاتي صاحب الطرح، ووزير الداخلية يقف محتاراً، وضبّاط السلك يشعرون بالأسف والجرح، فيما المسلحون «يتدلعون» ويعدون بالتفكير في الأمر! إنها دولة «الترقيع» مرّة أخرى، يريد بعض من فيها إصلاح الخطأ بالخطأ، ليكون الناس على موعد جديد، بل شكل جديد، من «الزعرنة» بلباس الأمن.

هل سنرى زياد علّوكي، قائد إحدى العصابات المسلحة في طرابلس، رئيساً لأحد مخافر قوى الأمن الداخلي رسمياً؟ هل على اللبنانيين اليوم أن يتحضّروا نفسياً لخبر كهذا؟ في هذه البلاد «كل شيء وارد». وكل شيء، هنا، تعني إمكانية تكليف أشخاص مطلوبين للعدالة، في جرائم ليس ترهيب الآمنين أفظعها، مهمة حفظ الأمن وحماية الناس! قبل نحو شهرين، وفي دردشة علنية له مع صحافيين، قال رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي: «لقد بحثت مع وزير الداخلية مروان شربل إمكانية انخراط هؤلاء (قادة وأفراد العصابات) ضمن قوى الأمن الداخلي، على غرار ما حصل مع عدد من الميليشيات بعد الحرب الأهلية، ولا سيما أن هناك دورة قريبة لتطويع 2000 عنصر». وأضاف ميقاتي، الذي يضع بعض أولئك المسلحين صوره في مكاتبهم علناً، إنه «على استعداد لمساعدة هؤلاء الشباب في إيجاد فرص عمل، إذا كانوا فعلاً مقتنعين بالتزام سقف الدولة ومرجعيتها». مرّ تصريح ميقاتي هذا عادياً، على عكس ما كان يتوقع البعض، ما يُكرس الاعتقاد حقاً بأن كل أمر «شاذ» في هذه البلاد أصبح «عادياً».

شربل غير متحمّس

وزير الداخلية مروان شربل لم يبدُ متحمّساً لهذا الطرح. لكنه، في المقابل، لم ينف إمكانية حصوله «من حيث المبدأ». في النهاية هو ابن سلك الأمن سابقاً، يحمل رتبة عميد، وبالتالي يعزّ عليه «أن يُهان أو يُستخف بهذا السلك». يقول في حديث مع «الأخبار» إن طرح ميقاتي «لا يزال مجرّد طرح، فكرة للنقاش والتداول، ولكن ما يمكنني أنا أجزم به هو أن القانون يشترط، على كل من يتقدم للتطوع في القوى الأمنية، أن يكون سجلّه العدلي نظيفاً، أي لا سوابق جرمية في حقه، وبالتالي قطعاً لا يمكنني السير بتطويع المطلوبين للعدالة أو أصحاب السوابق، وسوى ذلك لا مشكلة». يؤكد شربل أن ثمّة دورة لتطويع نحو 2000 شرطي، وذلك «لكون قوى الأمن الداخلي لا يزال عديدها ناقصاً بحسب الملاك الأصلي، ومن يريد الانضمام فلينظف سجله العدلي أولاً ثم يأتي». بالتأكيد، لا يحتاج اللبنانيون الى من يخبرهم أن الدولة، متى أرادت، تسحب مذكرات التوقيف، بل يمكنها تنظيف أي سجل عدلي مهما كان موغلاً في السواد.

من ويلات الطائف

كان ميقاتي واضحاً في طرحه. يريد استنساخ تجربة ما بعد «الطائف» في «دمج الميليشيات المسلحة» مع الأجهزة الأمنية، بما يعنيه هذا من محاولة لمعالجة النتيجة بدل معالجة السبب. مرّة أخرى هي تلك «العقلية اللبنانية» التقليدية في معالجة المشاكل. فبعد انتهاء الحرب الأهلية، وتوقيع اتفاق الطائف بين أمراء الحرب أنفسهم، أوردوا في وثيقة اتفاقهم المذكور: «الإعلان عن حل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، مع تعزيز قوى الأمن الداخلي من خلال فتح باب التطوّع لجميع اللبنانيين من دون استثناء، ثم توزيعهم على الوحدات في المحافظات مع إتباعهم لدورات تدريبية دورية ومنظمة». بالتأكيد كان أولئك العناصر يحتاجون إلى كل أنواع التدريبات، تحديداً الأخلاقية والسلوكية، باستثناء تدريبهم على حمل السلاح واستخدامه. كانوا من «أرباب» السلاح ومن أمهر الناس في طرق الفتك به. كان بإمكانهم هم أن يُدرّبوا الدولة، على السلاح بمختلف أنواعه، بدل أن تدربهم هي. أحد الضبّاط، رفض ذكر اسمه، يذكر كيف أدخل هؤلاء «سلوكياتهم الميليشيوية معهم إلى الأجهزة الأمنية الرسمية، فالذهنية لا يمكن أن تتبدل بين ليلة وضحاها، هذا إن سلمنا جدلاً أنها يمكن أن تتغير أصلاً بعد كل الدم الذي كان قد سُفك في الحرب». يقول إن بعضهم «أصبحوا الآن من الضبّاط، وأكثرهم برتبة رائد، ولكن مع مرور الوقت ذابوا في الجسم الأمني وما عاد يمكن تمييزهم». ترى، هل بات يصعب تمييزهم لكون المؤسسات باتت الآن مطبوعة، برمتها، بصفة «الميليشيات»؟
 آنذاك، أوكلت مهمة «الدمج» إلى الوزير سامي الخطيب، فتعثرت المهمة بداية وأخذت أكثر من وقتها المقرر، إلى أن تم أخيراً دمج نحو 1600 «ميليشيوي» في مختلف الأجهزة الأمنية، إضافة إلى الجيش اللبناني، فضلاً عن تطويع إضافي من خارج «الميليشيات»، ولكن وفق المحاصصة المتوافق عليها بين «أمراء الحرب». يقول العميد المتقاعد الياس فرحات (الجيش اللبناني): «آنذاك تطلب جمع عسكريين من مختلف المناطق والطوائف في وحدات متجانسة، كان قراراً صعباً، بعدما كانوا سابقاً في ألوية طائفية اعتادوا الخدمة فيها. وقفت السلطة السياسية مترددة في هذه المسألة، نظراً لاعتراض القوى الطائفية وللمخاوف التي طُرحت من خدمة عسكريين في مناطق لا ينتمون إليها».

إهانة وجرح للضبّاط

لا يجد قائد الدرك السابق، العميد جوزف الدويهي، ما يصف به مسألة دمج «العصابات المسلحة» في طرابلس بالأجهزة الأمنية إلا عبارة: «من العجب أن يقرر البعض تحليل الحرام». هكذا، الضابط المحال إلى التقاعد قبل نحو شهرين، يشعر بـ«إهانة شخصية في حصول ما يتحدثون عنه، فأنا ابن هذا السلك لسنوات طويلة، جُرحت ثلاث مرّات في عملي بمواجهة الخارجين عن القانون، واليوم يأتي هؤلاء ليحلوا مكاننا! هل يُعقل أن يُصبح النصّاب والحرامي خوري أو شيخاً؟ أن نُسلم الأمن للزعران فهذه مسألة تجرحني جداً». وفي حديثه مع «الأخبار» يضيف الدويهي: «أقولها علناً، نحن بحاجة إلى شباب نزيهين لتطويعهم، أو كما يقال ولاد بيوت، وسوى ذلك نكون نجني على أنفسنا».
بدوره، قائد الدرك الأسبق، العميد أنطوان شكور، لا يُرحب بالمسألة. برأيه في حال حصول ذلك «ستكون هذه المجموعات المسلحة قد اخترقت الأجهزة الأمنية بدل أن يحصل العكس. هؤلاء لا يتمتعون بالحد الأدنى من الأخلاقيات والنزاهة التي يُشترط، بحسب القانون، توفرها بمن سيصبح رجل أمن يحمي الناس من الزعران».

استفزاز ودلع!

اللافت أن العصابات المسلحة تلك، ومن يتزعمها، يرون أن هذه الخطوة «تحتاج إلى دراسة»! إذاً، هم من حيث المبدأ لا مشكلة لديهم بالانضمام إلى الأجهزة الأمنية، ولكنهم يمارسون «الدلع» أيضاً، ويحتاجون إلى التفكير في قبول أن يهبوا الدولة مواهبهم التي لا تُعوّض! هذا ما ينقله مقربون عن هؤلاء، في طرابلس، وهذا «الدلع» ربما يكون مفهوماً من هؤلاء، فمن يمكنه حمل السلاح متى شاء، وإطلاق النار به على من يشاء وكيفما شاء، هل يذهب برجليه إلى ما يقيّده؟ ربما تحتاج الدولة لاحقاً إلى أن «تتحشّم» على هؤلاء للدخول إلى أجهزتها الأمنية.
قبل أيام جلس زياد علّوكي على كرسي قائد منطقة الشمال في قوى الأمن الداخلي، العميد محمود عنان، وطلب من بعض رفاقه التقاط صورة له على المكتب قبل نشرها على مواقع التواصل الاجتماعي. كان هذا «جارحاً» للعميد، بحسب ما نقل عنه، وخاصة أن الصورة أرسلت بداية إلى الضباط، وإلى وزير الداخلية، في رسالة من قادة العصابات المسلحة تفيد بأنهم «الأقوى وأنهم أسياد القرار». استغرب الوزير يومها و«شعر بالغضب والاستفزاز». يبدو أن هؤلاء، بعد جلوس وزير الداخلية معهم في بعض الاجتماعات، زاد من غرورهم إلى حد باتوا يريدون الجلوس مكان ضبّاط قوى الأمن، ولن يكون مستغرباً إن خرج أحدهم قريباً وطلب الجلوس مكان وزير الداخلية نفسه.
2013-11-22