ارشيف من :أخبار عالمية

«على نفقة الشعب»

«على نفقة الشعب»

هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية


الفضائح لا تقف في هذا البلد الصغير جداً، والذي يعدّ من الدول النفطية والغنية، وأحد أفراد المنظومة الخليجية ذات التنمية العالية والقدرات الراقية، وتميزنا عنه بكوننا البلد الوحيد في العالم الذي ينتهج ديمقراطية مختلفة عن ديمقراطية الآخرين.

نتميز في هذه المملكة الصغيرة بأن التنمية لدينا مختلفة، ففضلنا «شفط المياه» على إنشاء شبكات صرف مياه أمطار لدواعٍ «بالية»، وتذرعات خاوية بشحّ الموازنة وندرة الأمطار، حتى عرت ساعات بسيطة من تساقط الأمطار الجهات المعنية أمام الرأي العام.

السلطة في البحرين، تفضّل «شفط المياه»، حفاظاً على الموازنة الشحيحة، وكذلك «شفط المال العام» من قبل متنفذين ومسئولين كبار، ولذات السبب وهو الحفاظ على المال العام!

خلال شهر واحد، عرت فضيحتان من العيار الثقيل حقيقة الأجهزة الرسمية، فقد عجزت الدولة بإمكاناتها ووزرائها من إنهاء معاناة مياه الأمطار وشفطها، كما عرّت المحاكمة البريطانية السلطة في قضية أخرى وهي «شفط الأموال العامة» من قبل مسئولين كبار.

بين الشفطتين أو الفضيحتين، أصبح المواطن البحريني هو الضحية، ضحية ضياع المال العام في واحدة من أكبر قضية فساد مالي وهي سرقة ورشوة «فساد ألبا/ ألكوا» وما جرى من تسترٍ على المسئولين المتهمين، ورفض السلطة محاكمتهم واسترجاع الحق العام، وصمت النيابة العامة ورفضها التحرّك؛ وفضيحة «شفط مياه الأمطار» التي أعلنت وزارة الأشغال عن «عجزها» عن مواجهتها في ظل استمرار تساقطه، وهي التي رفضت أن تكون للبحرين بنى تحتية متطورة، بحجة أنها ليست «أولوية».

في كلتا الحالتين... المواطن البحريني، وقع ضحية التلاعب في المال العام، فإما مسروقة، وإما مهدورة في ما لا يستفيد منه.

ما هو أكبر من ذلك، هو إعلان جمع التبرعات من المواطنين لمساعدة المواطنين المتضرّرين من سقوط الأمطار، في مملكة خليجية نفطية تتبرع طوال العام للشرق والغرب بتقديم المساعدات بالملايين!

ما هو أكبر من ذلك أن يتحمّل المواطنون العاديون الذين رفضت السلطة زيادة أجورهم بحجة «عدم وجود موازنة»، أن تلجأ إليهم من أجل «ترقيع» فشل استراتيجياتها طوال السنوات الماضية في إيجاد بنى تحتية قوية قادرة على صدّ مثل هذا «النزر» القليل من المطر.

إعلان تدشين حملة وطنية تنظمها اللجنة الوطنية لمساعدة المتضررين من الأمطار بالتعاون مع تلفزيون البحرين لفتح باب المساهمة للجميع لمساعدة المتضررين جراء هطول الأمطار الأخيرة على المملكة، وذلك انطلاقاً من «مبدأ الشراكة المجتمعية الذي عُرف به المجتمع البحريني»، أصاب المواطنين بالدهشة والحيرة، وهو ما شاهدناه بوضوح على وسائل التواصل الاجتماعي.

وانطلاقاً من مبدأ المشاركة الاجتماعية المفروضة على الشعب البحريني، كان من الأولى لهذا الشعب أن يشارك هو في المال العام المنهوب، وأن يحظى بتوزيع عادل للثروات، وأن ينال حصته من الأملاك العامة التي أصبح جلها ملكاً خاصاً، أو تحت وصاية متنفذين، وأن لا تسرق خيرات أرضه وتوزّع على مجموعة ويحرم منها الباقون، بل يُمنّ عليه بعد ذلك بعنوان «على نفقة الدولة»، كما شهدنا تلفزيون البحرين في الأعوام الماضية وهو يمن على المواطنين بالخدمات الواجب على الدولة تقديمها للشعب من ثروات هذا الوطن.

عجزت السلطة منذ سنوات طويلة عن وضع حلول جذرية لأزمات تساقط «نزر قليل» من الأمطار، وما خلفته من «فضائح» حقيقة أصبحت واضحة للعيان، لا تعكس حقيقة المملكة الخليجية النفطية، وذلك نتيجة فساد مالي وإداري مستشرٍ، واستراتيجيات خاطئة ومستشارين «مهلكين» وغياب الإرادة الحقيقية لتطوير البلد، وتغلب الطمع والجشع على مصلحة البلاد والعباد.

63 مليون دولار سرقت من المال العام في قضية فساد «ألبا/ ألكوا» وملايين في مشاريع مختلفة، ومساحات شاسعة من أملاك الدولة المصادرة لفئات، ومقدرات لن نصفها بـ «الخيالية» بل هي أكثر من ذلك كانت كافية بأن تجعل من هذا الوطن والشعب عزيزاً وكريماً ويمتلك بنى تحتية متطورة، حتى لو تساقطت أمطار بنسب عالية وليست متدنية كما شهدناها خلال الأيام الماضية.

يحسدنا العالم على أننا بلد ضمن منظومة الخليج العربي الغني بالنفط، ويعتقد العالم أننا نسبح في برك من النفط والأموال، وليتهم يسمعون أننا غرقنا مع سقوط بعض قطيرات من الأمطار، وأن حكومتنا الرشيدة تمدّ اليد وتطلب من الشعب التبرع لمساعدتها في التخفيف من الأضرار، وأن تغضّ النظر عن مسئولين متهمين بسرقة المال العام.

شعبنا كريم ومعطاء، وعرف عنه الجود منذ القدم، ويده للخير ممدودة دائماً، وخير دليل على ذلك هو حجم الصناديق والجمعيات الخيرية المنتشرة في كل مكان، والتي قامت بدور كان من المفترض أن تقوم به السلطة.

ومع كل ذلك، فهذا الشعب ليس مسئولاً عن فساد وإخفاقات مسئولين في السلطة، وليس مسئولاً عن تعويض المتضررين عن مشاريع فاشلة وبنى تحتية متهالكة، وسيكون مسئولاً عندما يختار ذلك المسئول.
2013-11-27