ارشيف من :أخبار لبنانية
طهران - الرياض: حتميّة التفاهم وثمن الصدام
غسان جواد - صحيفة الجمهورية
مثلما فتح الاتفاق الروسي - الاميركي على تدمير السلاح الكيماوي السوري الباب امام جملة تفاهمات دولية وإقليمية، فإنّ الاتفاق الايراني - الغربي على الملف النووي فتح أفاقاً جديدة امام مجمل الملفات العالقة في المنطقة، وفي مقدمها الملف السوري.
ليست المصادفة وحدها ما دفع الامين العام للأمم المتحدة بان كي مون الى تحديد موعد "آخر" لمؤتمر الحل السياسي في جنيف. فالخرق السياسي النووي بين ايران والقوى العالمية، ساهم بفعالية في "تحريك" عجلة الحل في سوريا بناء على موازين القوى القديمة المتجدّدة.
والقوى المتضررة من التفاهم الايراني ـ الغربي، تبدو هي نفسها القوى المتضررة من "حلّ سياسي" واقعي في سوريا. ومهلة الشهرين التي نالتها حتى 22 كانون الثاني المقبل هي فرصة جديدة لمحاولة كسر التوازنات القائمة، وتغيير بعض الوقائع على الارض لصرفها وترجمتها في مؤتمر "جنيف ـ 2" اذا انعقد.
نواقض "جنيف ـ 2" التي منعت انعقاده هذا الشهر، لا تزال قائمة، ومنها التشدد الاقليمي الذي ينعكس تشدداً لدى بعض قوى المعارضة. هذا التشدّد نقل المشكلة من مستواها الدولي الى مستوى اقليمي محفوف بمخاطر اطالة امد النزاع وتحويله نزاعاً مذهبياً على مساحة المنطقة. ومهلة الشهرين لا تبدو كافية لـ"القوى المتضررة" لكي تحاول تحسين اوضاعها العسكرية على الارض.
واذا اضيفت مفاعيل الاتفاق النووي بين طهران والغرب، الى حسابات التغير في المزاج الدولي العام حيال الأزمة السورية، يصبح صعباً التكهن بانعقاد "جنيف ـ 2" بالشروط والمطالب ذاتها التي تطرحها المعارضة السورية ومن خلفها الداعمون الاقليميون.
وهنا تكون الامور امام احتمالين:
التأجيل مجدداً واعادة القضية الى الميدان ليشتد النزاع ويحسم احد الطرفين وهذا مستبعد، وقد يطيل من عمر الحرب. او تقديم الاطراف المتشددة تنازلات سياسية واقعية للحفاظ على ما تبقى من مكاسبها، وعدم المساهمة في تفجير ما تبقى من المشرق العربي.
في وسع المعنيين البدء من مكان ما. مهلة الشهرين حتى إنعقاد "جنيف ـ 2" قد تشكّل فرصة لإعادة النظر في كل "الترسيمة الاقليمية" للوضع السوري. وهنا يمكن القول إنّ لبنان يشكل "نقطة تقاطع ذهبية"، لطرفَي النزاع بغية اختبار النيّات، وإعطاء "الحل السياسي" فرصة عبر الدفع بالوضع اللبناني الى التهدئة، ووقف التحريض، والتعاون لتأليف حكومة، وانعقاد طاولة حوار لبنانية تكون انعكاساً لقرار اقليمي بالتفاهم.
واهمية التفاهم في لبنان أنه ينعكس ايجاباً على قراءة القوى المتنازعة للواقع السوري حيث ترسخت معادلة لا جدال فيها منذ شهرين حتى الآن: "لا أحد قادر على إلغاء أحد".
خارج "الإقتناع الاقليمي" بأنّ ادوات التحليل وآليات اتخاذ القرار قد اختلفت بدءاً من 24 الشهر الحالي، لا يمكن الحديث عن حلول وتفاهمات. وفي هذا السياق ثمّة مساع لبنانية سيقوم بها على الارجح رئيس مجلس النواب نبيه بري، الذي قد يزور المملكة العربية السعودية عقب زيارته الأخيرة لإيران، وذلك لأجل التشاور مع القيادة السعودية في سبل تحقيق اختراق سياسي ما، يبدأ في لبنان وينعكس ايجاباً على العلاقات الايرانية ـ السعودية التي بدورها ستسهل انعقاد "جنيف ـ 2" وتضمن نجاحه اذا "حسنت النيّات".
المؤشرات التي خرجت من الرياض حتى الآن بدت متناقضة. والجميع ينتظر موقفاً سعودياً واضحاً حيال المواضيع الخلافية على المستوى اللبناني قد يصدر أو لا يصدر. اما الخرق الجدّي الذي قد يحدث في الايام والاسابيع المقبلة امكانية انعقاد لقاء ايراني ـ سعودي لتخفيف الاحتقان وترطيب الاجواء، وخلق مساحة حوار اقليمية تبعد عن المنطقة حربَ "داحس والغبراء" المذهبية.
في طهران ثمّة إقتناع بأنّ ما يجري من تفاهمات مع الغرب ينبغي أن تنعكس بنحو طيّب وايجابي على العلاقات بين دول الاقليم. اذا اعتبر البعض انّ ايّ نجاح تحققه الجمهورية الاسلامية الايرانية في المحافل الدولية موجهاً ضده، يعني أنّ الغرب نجح في رمي "كرة الفتنة" الى الاقليم، وليس من وظيفة دول المنطقة وشعوبها تقاذفها مشتعلة، بل تبريدها واخمادها.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018