ارشيف من :أخبار لبنانية

الاستحقاق الرئاسي وسط «رمال الإرهاب» المتحرّكة

الاستحقاق الرئاسي وسط «رمال الإرهاب» المتحرّكة
ملاك عقيل-"السفير"

ثمة مفارقة تحكم المسار الرئاسي الذي قُصّ شريط مُهَلِه على وقع جمود تأليف الحكومة، وانفجار السيارات المفخخة ودخول زمن «الانتحاريين».

الجميع تقريبا يؤكّد، اقلّه في العلن، ضرورة اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. هذا «الجميع» نفسه هو من يرفع، بكل ثقة وفي السرّ، راية تأجيل الاستحقاق حتى تقضي «التسوية» امرا كان مفعولا!.


هنا يصبح نصاب الجلسة، والجدل حوله، امرا ثانويا. تغيير النائب سليمان فرنجية رأيه عبر دعمه، خلافا لموقفه السابق، انتخاب رئيس الجمهورية بالنصف زائدا واحدا، ليس العامل الحاسم في امكانية توجّه فريق «8 آذار» لفرض مرشّحه الرئاسي على اخصامه.

مقابل مفاجأة بنشعي، يقف رئيس مجلس النواب نبيه بري بالمرصاد امام كل «العابثين» بالنصاب. باكرا جداً حدّد خياراته، والارجح، ايضا خيارات حليفه «حزب الله»: «رئيس الجمهورية سيكون توافقيا، ونصاب الانعقاد والانتخاب بالثلثين فقط، وكفانا مزاحا».

في الاشهر القليلة الفاصلة عن بدء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس في 25 آذار المقبل، تحفل الديوانيات والصالونات السياسية وموائد النخبة بسيناريوهات رئاسية، اقل ما يمكن ان يقال فيها انها تقارب التنظير، طالما ان «داتا» المنطقة غير متوافرة حتى الساعة.

بكافة المعايير لا تشبه نهاية حقبة إميل لحود بشيء نهاية عهد ميشال سليمان، لا في السخونة السياسية ولا في سخونة الأرض، بفعل احتدام الصراع، وحصول كباش دولي غير مسبوق قد يغيّر وجه المنطقة برمّتها.

اذا ما وُضع جانبا الاحتمال الجدّي الذي يروّج له البعض بأن عدم تأليف الحكومة قد يقود الى التمديد للرئيس ميشال سليمان من ضمن سلّة «التمديد للفراغ»، فان كلاً من فريقي «8 و14 آذار» لم يحسم «مجتمعاً» حتى الساعة خياراته الرئاسية، لا في الاتفاق على اسم مرشحه، ولا في قبول التمديد، ولا في حسم مسألة النصاب، ولا في تأجيل الاستحقاق.

مجرد وشوشات في الوقت الضائع. اصلا، «الكوما» الرئاسية حاضرة بقوة، على بعد اشهر قليلة من فتح صندوق «الفخامة».

وبعد كل هذا المشهد الدموي، الذي تسلّل الانتحاريون الى خشبته، يصبح الحديث عن الالتزام بالاستحقاقات الدستورية، حكومية كانت ام رئاسية، مجرد دعابة. واقع لا يمنع تعداد السيناريوهات المحتملة من جانب فريقي الصراع.

في مقلب «14 آذار»، لا يرقص حلفاء رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع فرحاً على وقع نظرية «الحكيم» بأن النواب لن يخافوا من الذهاب الى جلسة تصويت لانتخاب رئيس للجمهورية «كما يشاؤون»، بغضّ النظر عن تسويات وتفاهمات «كانت تحصل في الغرف المغلقة وولّت ايامها»، كما يجزم جعجع. فوسط هذا الفريق هواجس فعلية من الآتي، وكلما ارتفع منسوب التحدي السياسي مع «حزب الله»، كلّما زادت المخاوف.

المنحى العام يتّجه صوب الاقرار بصعوبة تحقّق الاحلام الوردية. اجراء الاستحقاق في موعده سيكون معجزة حقيقية. المعجزة الاكبر فرض رئيس من لون «14 آذار». حاجز الثلثين يفرض نفسه، وهو العائق نفسه الذي يصطدم به فريق «8 آذار».
سبق لجعجع ان حدّد مواصفات الرئيس القوي الذي «سيعيد للجمهورية قوتها»، جازما بـ«استحالة القبول بعد اليوم بان يأتي ثمرة صفقة اقليمية يكون المسيحي فيها مجرد لاعب عادي».

عمليا، كان رئيس حزب «القوات» اول من دشّن «لائحة مطالب» الالتزام بتوقيت الاستحقاق و«شروطه»، لكن حتى الساعة لم يقل «المستقبل» كلمته في الانتخابات الرئاسية.

مبدئيا، يصنّف فريق «14 آذار» أولويات المرحلة كالآتي: تشكيل حكومة، انتخابات رئاسية، ثم انتخابات نيابية أولى مهامها اقرار قانون جديد للانتخابات، في حال تعذّر ذلك قبل فتح صناديق الاقتراع. مسار طبيعي لوضع غير طبيعي، لا بل استثنائي.

لكن تدريجا بدأ هذا الفريق يخفّض من زخم طموحاته. بعد خطابات عاشوراء للسيّد حسن نصرالله، والتشدّد من جانب «حزب الله» في الارتباط «الجيني» بمعارك سوريا، ودخول الانتحاريين الى خط الازمة الداخلية، تبعثرت الاوراق والاولويات.

ثمة في قوى «14 آذار» من بات يجزم باستحالة التوصّل الى حلّ وسط في تشكيل الحكومة، وحتى ان رئيس الجمهورية والرئيس المكلّف «لن يفعلاها»، قاصدين بذلك عدم قدرتهما على «رمي» تشكيلة الحد الادنى في ربع الساعة الاخير من انتهاء الولاية.

اذا، التأجيل حتميّ. فرضية الرئيس التوافقي واردة بقوة، وهي المرجّحة، لكن ثمة استحالة بتحقّقها قبل ان يهدأ البركان السوري، او يرسو اقلّه على مشهد يقنع المتحمّسين بالتواضع قليلا، وتقديم التنازلات.

وكما لدى الرئيس سعد الحريري وحلفائه، كذلك لدى «حزب الله» وحلفائه: لا حسم لـ «استراتيجية» فرض الشروط على الآخر، ولا توافق على اسم داخل البيت الواحد.

من يجلس مع مرجعيات معنية في «حزب الله» يفهم الآتي: لا امكانية في ظل الظروف الراهنة لاي فريق بأن يفرض مرشّحه الذي يحتاج الى ثلثيّ اعضاء مجلس النواب، مع قناعة ضمنية بانه «لو كان باستطاعتنا ايصال ميشال عون لفعلنا ذلك من دون تردّد». يبقى المرشّحون التوافقيون. من دون ذكر الاسماء، يُظهِر «حزب الله» ميلا واضحا الى اسم من الاسماء الثلاثة المتداولة «كوننا خبرناه».

هذا في المبدأ، لكن مع تطوّرات الداخل المخيفة، قد تتبدّل الخيارات بين يوم وآخر.

ماذا عن وليد جنبلاط، «واسطة العقد»، كما وصفه نبيه بري؟ «البيك» معارض اول، بخلاف موقفه ما قبل «الدوحة»، لانتخاب الرئيس بالنصف زائدا واحدا، ورافض للتمديد لميشال سليمان.

هو الآخر يرفض، كما الرئيس بري و«حزب الله»، الانجرار الى سجال عقيم، حول معركة الرئاسة، لا يقدّم ولا يؤخّر في طبخة ستحدَّد مكوناتها في الخارج.
2013-11-28