ارشيف من :أخبار عالمية

معالي وزير الداخلية... لا تؤاخذني

معالي وزير الداخلية... لا تؤاخذني

علي محسن الورقاء - صحيفة الوسط البحرينية


عفواً معالي وزير الداخلية... مع الاحترام والتقدير، تقبل مني خطابي هذا بصفتي مواطناً ألزمته وطنيته أن يقف هذا الموقف، وأن لا تحمله على أنه خطاب تقريع، فمقامك أكبر من هذا. إنّما هو خطاب يحمل قولاً خارجاً من فؤاد جرحته خطوب القدر، وعتت عليه لواقح ضير الحاضر، وغاضه افتئات رجال (هم رجالُك) كنا نعدهم موئلاً نتفيأ تحت ظلالهم وحمايتهم فإذا هم لا أكنِّة عندهم.

خطابي هذا حملني إليه قولك بالأمس القريب حيث قلت يا معالي الوزير: «إننا مسئولون عن حماية المجتمع وإننا نعمل وفق القانون».

هذا القول المُعبِّر حمل جملةً مفيدةً وفقاً لأصول اللغة، إنما الجُمَل - كما تعلم - عندما تأتي على صورة قول صادر من مسئول فهي عادة تحمل مدلولاً وثِقْلاً وقيماً (أي مبدأً).

و«ثِقْل الجُمَل» في مثل هذه الحالة لا يوزن بالمكيال وإنّما بصدق القول وشرف الكلمة، وهكذا أيضاً «قَـيَم الجُمَل» لا تُقاس بالحساب المادي (لأننا لا نعني هنا القِيمة الحسابية) وإنّما بما تحمله من مبادئ، أي بالحساب المعنوي أو الأدبي.

وحيث انتهينا إلى ما تقدم وجب علينا أن نبحث ثقل وقَيم قولك السابق بحسب المفاهيم السابقة. ولكن علينا بدايةً أن نتأمل إلى تلك «الجملة المفيدة» لنتعرف على مدلولها، وهي لا تحتاج إلى عمق نظر. فأنها تحمل مدلولين فقط، الأول «حماية المجتمع»، والثاني «العمل وفق القانون». ولهذا يفترض منا أن نجزّئ هذه الجملة المفيدة إلى جزئين طبقاً للمدلولين السابقين. إنما يمكن دمج هذين المدلولين في عبارة واحدة لتصبح الجملة أقصر، وهي «حماية المجتمع وفق القانون». وعليه فإنه بمقتضى هذه الجملة «القصيرة» نستخلص منها «أنكم مسئولون عن حماية المجتمع وفق القانون».

ولكن عذراً – معالي الوزير – لم أفهم، ماذا تقصد بحماية المجتمع؟ هل المقصود بـ «المجتمع» هو «الأمة»؟ فإن كان هو كذلك فالأمة لا تعني فئةً من فئاتها فقط، إنما كل فئاتها وأفرادها دون استثناء، فإن استثُنيت فئةٌ من الحماية فلا تَقُلْ حماية مجتمع إنما قُلْ حماية فئة. وإنْ استُبيحت حرمةُ فئةٍ من فئات المجتمع أو عَزَف «الحُماة» عن حمايتها فلا مقام للقول بحماية المجتمع.

كما أن «الأمة» لا تُختزل بالأشخاص (كأفراد) وحسب، وإنّما بعقائدها وبمبادئها، ودينها وناموسها، وكل ما يمس كرامتها وعزتها وشرفها. فإن انتُهكت واحدةٌ من هذه فلا محل للقول بحماية المجتمع. ولا أعتقد – يا معالي الوزير - أنك تخالفني الرأي في ذلك.

فإذا كان الأمر ذلك؛ ألتمسك عذراً أن أزن وأُقيَّم ما قلته من «أنكم مسئولون عن حماية المجتمع وفق القانون».

وحيث أنه إذا ما تقرّر وزن وتقييم ما يصدر عن المسئولين من قول أو تصريح لا يكون ذلك إلاّ بتطابق هذا القول أو التصريح مع ظروف الحال والواقع الملموس، وإلا يصبح هذا القول قولاً أجرد. وهذا ما يجعلني ملزماً بأن أبحث الواقع، أو جملة من الوقائع، كي يكون الوزن والتقييم سليماً.

إنما... ولكي لا يطول بنا اليراع سأتجاهل البحث في الكثير من الوقائع:

- سأتجاهل واقع (أو وقائع) التعذيب في السجون التي يندى لها الجبين وتقشعر منها الأبدان، رغم أن هذه الوقائع لا تتلاءم مع أبناء آدم ولا يفعلها الآدميون من بني البشر، ولا يسوغها عقلٌ ولا ضميرٌ مهما كان جرم المُعذَّب، فضلاً عن مخالفتها القانون والمواثيق الدولية.

- وسأتجاهل واقع (أو وقائع) الاعتداء على المشيّعين وسط المقابر بالقنابل الحارقة والقنابل المسيلة للدموع، رغم أن هذا الواقع يُعتبر جريمةً إنسانيةً قبل أن يكون جريمة قانونية يحرّمها القانون بمقتضى المادتين رقمي (312 و315) من قانون العقوبات.

- وسأتجاهل أيضاً واقع (أو وقائع) ترويع الأهالي الآمنين في بيوتهم بمداهمتهم بغتةً ليلاً، والعبث في ممتلكاتهم والاعتداء عليهم بطريقةٍ بشعةٍ وساذجةٍ ولغير داعٍ لذلك، ومن دون إذنٍ من النيابة العامة، رغم أن هذا الواقع يعتبر أسوأ واقعٍ شهدته البحرين ولا يتفق مع عصر الحضارة والنمو والديمقراطية والعهد الدولي لحقوق الإنسان، فضلاً عن أنه عملٌ يخالف القانون طبقاً لنصوص المواد رقم (67 و69 و70 و90) من قانون العقوبات.

- وسأتجاهل أيضاً حبس «الأحداث» ومعاملتهم بقسوة كمعاملة الكبار، رغم أن هذا الواقع يُعتبر أشنع وأمرّ من سابقه، لما يحمله من مخاطر اجتماعية وآثار نفسية سيئة لا مجال للبحث فيها في هذا المقام، فضلاً عن مخالفته المادة رقم (24) من قانون الأحداث.

- وسأتجاهل أيضاً العديد من الوقائع المؤلمة التي حملها التاريخ في عُهدته وذاكرته.

ولكن عذراً معالي الوزير إنْ تجاهلت هذا وذاك، فلن أقوى على تجاهل واقع واحد هو: تعرُض النساء للضرب والمهانة، وسبب عدم القدرة على تجاهل هذا الواقع يعود إلى الواجب الوطني والديني والإنساني من جهة، وإلى كينونة المرأة من جهة أخرى.

فمن المقرر أن المرأةَ لها حُرمةٌ، وأن حرمتها تتجلّى في أنه لا يجوز لمسها والاختلاء بها إلا ببعلها طبقاً لمبادئ الدين الإسلامي الحنيف. وأن حُرمتها تعني صيانتها، وحمايتها، وحفظ أنوثتها، والغيرة عليها، والذود عنها من أي انتهاك مهما كان وضيعاً باعتبار ذلك واجباً دينياً وأخلاقياً وإنسانياً. ولهذا تسمّى المرأة في الإسلام «حُرمة»، أي حُرمة انتهاك جسدها وأعضائها وأنوثتها، وحُرمة التعدّي على مشاعرها وحقّها دون ذنب وبغير ما شرعه الله. ولذلك يقول الرسول الأعظم محمد بن عبد الله (ص): «من قَدَرَ على امرأة أو جارية فتركها مخافة اللهِ حرَّم اللهُ عليه النار وآمنه من الفزع الأكبر»، ويقول «طوبى لمن صان حُرمة المرأة».

فهل - يا معالي الوزير - ما حدث في هذا الشأن بالذات وشاهده الجميع وأقرَّته المنظمات الحقوقية الدولية بما في ذلك لجنة تقصي الحقائق، هل هو كذبٌ وافتراءٌ أم هو حقيقة؟.

فإن قلتم أن هذا افتراء كان لكم أن تكذّبوه بالوسائل القانونية إبراءً للذمة وصفاءً للنفوس. أما إذا رأيتم صحة ذلك فبما إذاً نزن قولك «بأنكم مسئولون عن حماية المجتمع وفقاً للقانون». أم أن لكم ميزاناً آخر يمكن أن نوزن به هذا القول؟

ذلك ما أراه يا معالي الوزير، ولا تؤاخذني على ما أرى.
2013-12-02