ارشيف من :أخبار لبنانية

خرائط جديدة وحروب مذهبيّة... طرابلس نموذجاً

خرائط جديدة وحروب مذهبيّة... طرابلس نموذجاً
غسان جواد ـ "الجمهورية"

تبدو مدينة طرابلس متروكة للعبث والفلتان والمجهول، في ظلّ «النأي بالنفس» الذي يعتمده مختلف الأفرقاء في المدينة عنواناً لصمتهم. وفيما يسقط عدد من الضحايا والجرحى يومياً، ليس في الأُفق ما يُنذِر بالحلّ أو عودة الأوضاع الى ما كانت عليه.

لن يتعب قادة المحاور، ولن تنفذ الذخيرة. واذا لم ينعقد مجلس الوزراء استثنائياً، لاتخاذ قرار جدّي في شأن طرابلس والشمال والوضع الامني في البلاد، قد تخرج الامور عن السيطرة نهائياً، ولن يظلّ النزاع محصوراً بطرابلس، لأنّ كل نقاط الاحتكاك في لبنان مرشّحة للاشتعال بقرار سياسي مثلما جرى تماماً مع "جبل محسن".

الجولة الجديدة من الاشتباكات وأعمال القنص والعنف، هي أخطر ممّا يتصوّر البعض، لأنها بلا عنوان سياسي أو جهة تتصدى للقتال ثم الهدنة والتهدئة والحل. "أولياء الدم" و"قادة المحاور" باتوا أصحاب القرار على الارض، والجيش عالِق بين النيران، والأجهزة تتخبّط، وبعضها يلعب من تحت الطاولة، وذلك لأسباب سياسية تارة، وربما لأسباب وطموحات شخصية عند بعض القيادات الامنية في الشمال طوراً.

نجح المسلحون في جرّ أبناء "جبل محسن" الى الرد على اعتداءاتهم. "الحزب العربي الديموقراطي" نأى بنفسه عمّا يجري، وانتقلت اللعبة الى الشارع، بما يعنيه ذلك من إمكانية أن تطول المعركة، ويجري استنزاف المدينة وشَلّها، وضرب الحركة والعمل والاقتصاد.

حالُ السكوت حيال الاعتداءات التي تعرّض لها مدنيون علويّون على أيدي المسلحين منذ ما بعد تفجيرَي مسجدَي "التقوى" و"السلام" مريبة. لو انّ عاقلاً واحداً تحرّك لمَنع الانفجار لَما وصل الوضع الى ما هو عليه اليوم. لكن يبدو انّ هناك قراراً إقليمياً - محلياً بإشعال طرابلس، واستخدامها للضغط وتحسين الشروط في النزاع السوري، وفي الضغط على إيران و"حزب الله" لمنعهما من التأثير في سوريا، ولإشغالهما في لبنان.

لا يختلف الاعتداء الانتحاري على السفارة الايرانية في بئر حسن، عن إطلاق النار على أقدام مواطنين مسالمين لا ذنب لهم سوى انتمائهم المذهبي. من انفجار "بئر العبد" الى "الرويس" الى "بئر حسن" الى "جبل محسن"، في المشهد الخلفي صورة جهات وقوى سياسية متضررة ممّا يجري على مستوى الاقليم، وبدأت تضرب "تحت الحزام" في لبنان. والاخطر في كل ذلك ربطها بمَسار الحل السياسي، وإعطاء أزمنة ومواقيت.

ربما ينعقد "جنيف ـ 2"، وقد لا ينعقد، وإذا التقى أفرقاء الأزمة السورية على طاولة الحلّ السياسي بعد شهرين، فمَن يضمن نجاحهم واتفاقهم؟ وهل تُترك البلاد لعدم الاستقرار والاستنزاف والتسليم كلّما لاح أُفق التسوية؟

ثمّة مسؤولون تورّطوا بالتسليم، وربما أكثر. فتسمعهم يتحدثون عن "شهرَين صعبين"، وعن أنّ البلد عرضة للمخاطر. وهنا يسأل المرء من هي السلطة السياسية؟ وأين هي؟ ولماذا الاستسلام للقرار الخارجي بالتفجير؟ السلطة اليوم تتصرّف بصفة "محلل سياسي" وليس بصفتها صاحبة قرار وقدرة على تحريك الجيش والاجهزة. الحسابات السياسية الصغيرة والإرتباطات والإصغاء في كل شيء للنصائح والايعازات الخارجية، كلّها أمور تستعجل المراحل وتحرقها.

أمّا البحث عن ذرائع وأسباب لِما يجري فلا يُعفي "القرار السياسي" من اتخاذ الموقف المناسب، وكلّ كلام سياسي آخر هو عبارة عن تعمية أو تغطية لِما يجري. ليس ثمّة ما يقف أمام اتخاذ ما ينبغي اتخاذه لإنقاذ طرابلس، وإطلاق يد الجيش، وتنظيم عمل الاجهزة، والضغط عليها بالنظام لكي لا تنصاع للقوى السياسية التي تمون عليها.

الجميع يعرف أن الاوضاع لم تعد تعالَج بالمراهم والأدوية المسكّنة، لكنّها لا تعالج بالحديد والنيران. المنطقة على مشرحة سياسية وعسكرية وأمنية كبيرة، ثمّة هجرات جماعية وحروب مذهبية وقبلية وجهوية، ثمّة إعادة رسم خرائط لدوَل وأوطان ومجتمعات. وما يُشاهَد اليوم في طرابلس يلامِس هذه المفردات ويشبِهُها. لذا، فهو خطير جداً ومصيري.
2013-12-02