ارشيف من :أخبار لبنانية

هكذا يقرأ حـزب اللّه الانتخابات

هكذا يقرأ حـزب اللّه الانتخابات

صحيفة "الاخبار" - ابراهيم الأمين

«خسارة نفسية ومعنوية، لكن الانتخابات لم تفرز وقائع جديدة يمكنها أن تغيّر من الوقائع السياسية الداخلية». هذا ما يخلص إليه مرجع بارز في حزب الله في معرض تقويمه لنتائج الانتخابات. وفي الحزب من استعان بدعاء يتلوه المؤمن لمخاطبة ربه قائلاً: «ولعلّ الذي أبطأ عني هو خيرٌ لي لعلمك بعاقبة الأمور»


منذ تكوّن المعارضة وحدةًَ سياسية إثر استقالة وزراء حركة «أمل» وحزب الله من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة الأولى، بدا حزب الله قريباً جداً من التيار الوطني الحر. كان الحزب قد انتهى من تقويم غير عادي لموقف اللبنانيين وأحزابهم من العدوان الإسرائيلي عام 2006، ولم يكن أحد بحاجة إلى أن يسمع موقف الحزب إزاء تصرف التيار الوطني وقائده العماد ميشال عون، إذ تقرر بأسرع ما يمكن في مجلس شورى الحزب ـــــ وهو أعلى هيئة قيادية ـــــ تبنّي ترشيح عون لمنصب رئاسة الجمهورية، وأدّى الحزب دوراً في إقناع آخرين بهذا الترشيح، علماً بأن الكل كانوا يتصرفون على أساس أن وصول عون إلى قصر بعبدا دونه صعوبات كثيرة.

ومع وصول البلاد إلى الحائط المسدود، فالانفجار الجزئي في 5 أيار من العام الماضي، ما جعل الأمور تتطور بين السابع والحادي عشر من الشهر نفسه في بيروت وجبل لبنان، كان اتفاق الدوحة ومحصلته أساس التفاهم السياسي الجديد بين قوى المعارضة. دافع حزب الله بقوة عن مطلب العماد عون إقرار قانون القضاء، ودفع مقابل ذلك تعهداً لرئيس المجلس النيابي نبيه بري بأن يحتفظ بكتلته النيابية كما هي، ولو على حساب حصة الحزب. ومن يوم تأليف الحكومة الجديدة، انطلق حزب الله والحلفاء في معركة الانتخابات كما هي حال فريق 14 آذار.

■ أسئلة المقدّمات: هل نسعى إلى الغالبية؟

إلى جانب كل المناقشات التي ظلت مستمرة بين الحزب وقيادات قوى المعارضة الأخرى بشأن الانتخابات وآلياتها ونتائجها وما لها وما بعدها، كانت قيادة حزب الله تناقش الهدف الفعلي للحزب من هذا الاستحقاق، وقد عرضت آراءً عدة، بينها التمهل وعدم الذهاب بعيداً في معركة قد تؤدّي إلى انهيار الاستقرار في لبنان، ومنها ما دعا إلى عدم المبالغة في الأهداف. فقد لا تكون مصلحة المقاومة، التي تظل في رأس أولويات الحزب، في أن تفوز المعارضة في الانتخابات. ومنها أيضاً، تقدير ردة الفعل العربية والدولية على فوز المعارضة واحتمال حصول انعكاسات سلبية على البلاد عموماً. لكن كان لا بد من قرار. وبعدما جرت تقويمات لمختلف الأمور، كانت قيادة حزب الله تضع أمامها العنوان الكيدي الذي يستخدمه خصوم الحزب والمعارضة في الحملة، وهو أن فوز المعارضة يعني تحكم حزب الله في البلاد، ويعني أن لبنان مقبل على تجربة شبيهة لتجربة غزة.

كانت الآراء حيال هذه المقاربة متقاربة بشدة، إذ إن لبنان ليس مثل قطاع غزة، وإن الائتلاف الذي يجمع المعارضة يضم تلاوين سياسية وطائفية ومذهبية مختلفة. كذلك فإن البرامج الإصلاحية المفترضة تحاكي مصالح غالبية اللبنانيين، إضافة إلى أن موقف الخارج ليس كما صوّره فريق 14 آذار، بل حُصل على أجوبة مبدئية قائمة على احتمال فوز المعارضة بالأغلبية النيابية، وكانت الأصداء جميعها تقريباً إيجابية، حتى الجانب الأميركي لم يكن لديه التحفظ الذي صوره الآخرون، وربما هذا ما سبّب الضجة الإسرائيلية، وحتى اعتراضاً ظل مكتوماً على المستوى الرسمي، لكنه خرج إعلامياً من جانب بعض الدول العربية.

يبدو أن هذه الأسباب وغيرها، إضافة إلى تقدير للأبعاد غير الداخلية لفوز المعارضة، شجع حزب الله على المضي في معركة واضحة العنوان: الفوز بالغالبية النيابية. وأرفق هذا الهدف بسيل من التوضيحات أو الرسائل إلى الطرف الآخر عن إصرار على مشاركته في إدارة البلاد في مرحلة ما بعد الانتخابات. أما قواعد هذه المشاركة، فهي بالنسبة إلى حزب الله على وجه الخصوص، نفسها التي أُقرت في اتفاق الدوحة.

لم يقتصر الأمر على هذا التقدير أو الموقف النظري، إذ إن الحزب مضى عملياً في سلسلة من الإجراءات التي تؤدي إلى نتيجة وفق برنامج عمل مقسم إلى دوائر:

الدائرة الأولى، تأخذ في الاعتبار تثبيت وحدة المعارضة، مع ما يقتضيه ذلك من توافق على اللوائح والحصص والمرشحين، وهو أمر كان سهلاً في بعض الأقضية وصعباً في أقضية أخرى ومستحيلاً في مكان وحيد، هو جزين.

الدائرة الثانية، تأخذ في الاعتبار التعاون والتكامل بين الماكينات الانتخابية، وقرر الحزب في هذا المجال عدم الاندماج بالمعنى الذي يصبح فيه مضطراً لأن يدير المعركة عن الآخرين، حيث يفترض بهم أن يعرفوا الأرض أكثر، ويتابعوا واقع الناخبين بصورة أدق، لكن الحزب ظل مستنفراً لتقديم ما يلزم من برامج عمل وإمكانات لوجستية لها كلفتها الكبيرة جداً، وحتى المساعدة في اتصالات سياسية جرت بين عدد من القوى والمرشحين، والمساعدة على حسم بعض نقاط الخلاف هنا أو هناك.

الدائرة الثالثة، تتصل بالواقع الشيعي وبالعمل المركزي لماكينة حزب الله، وقد وجد الحزب نفسه أمام اختبارين: الأول يتصل بدوائر لن تشهد منافسة، فقرر دعوة الناخبين إلى استفتاء لمصلحة المقاومة. والثاني يتصل بدوائر تشهد معارك حامية، فدعا الناخبين إلى التصويت السياسي الواضح وغير الملتبس مع آلية مختلفة للحشد. في الجانب الأول، لم تكن ماكينة الحزب تعمل وفق البرنامج التقليدي للمرشحين الذي يشمل زيارات ولقاءات ووعوداً وكلاماً من هنا وهناك، بل كان العمل عاماً، والخاص فيه هو توفير المساعدة المطلوبة لكي يصل الناخبون إلى صناديق الاقتراع، وكان الكل يأخذون في الاعتبار المفعول الإيجابي لخطب السيد حسن نصر الله، وخصوصاً تاكيده مبدأ الاستفتاء. أما في الباب الثاني، فكان العمل يستهلك الوقت كله والجهد كله والإمكانات في معظمها.

يوم الاقتراع... ماذا تغيّر؟

وإذا كان الحزب يملك سجلاً من الملاحظات على الأداء العملاني له وللحلفاء في المعركة الانتخابية، فهو لا يسقط احتمال تأثير بعض المواقف السياسية، لكنه يدعو إلى عدم رمي المسؤولية على الخطاب السياسي، لأن من يريد أن يقوم بذلك إنما يخدم فكرة الطرف الآخر، الذي يريد للناس أن يقتنعوا بأن التحالف السياسي الذي يجمع المعارضة هو سبب خسارة من خسر. ويرفض المعنيون في الحزب حتى توجيه انتقادات إلى الحلفاء أو إلى آلية عمل الماكينات لديهم. ويلفت هؤلاء إلى أن كل الضجيج الذي قام إثر إعلان النتائج لن يخفي آثار الحرب غير المسبوقة التي شُنّت على المعارضة وعلى العماد ميشال عون على وجه الخصوص، لتحطيمه وكسره انتخابياً بأي ثمن. وبهذا المعنى، هناك من يلفت الانتباه إلى أن المزاج العام مسيحياً يفترض أن يتأثر بالحملة السياسية على موقف العماد عون، وإن صح ما قاله أركان 14 آذار، فهل مَن يفسر عدم تأثر مسيحيّي جزين أو عكار بالحملة، فيما اقتصر التأثير على المسيحيين في الدوائر التي خيضت فيها معارك قاسية من الكورة والبترون إلى جبل لبنان وزحلة؟

وفي هذا السياق، يبدو أن في حزب الله من يدرس تفاصيل كثيرة تخص اليوم الانتخابي الطويل، وثمة معلومات قيد التجميع من كثيرين، عن تفاصيل جلب عشرات آلاف اللبنانيين المقيمين في الخارج، من دون أن ينفي الحزب أن المعارضة ساعدت أيضاً على مجيء عدد غير قليل من المغتربين. لكن هناك في الخارج، في أوروبا وأميركا وأوستراليا، من حصل بسرعة فائقة على قوائم بكل أفراد الجالية اللبنانية وطريقة التواصل معهم، ووجد فريق 14 آذار من يساعده لوجستياً على القيام بكثير من الأمور التي تحتاج إلى عشرات الملايين من الدولارات. كذلك تشير المعلومات إلى أن جهاز «الأف. بي. آي» الأميركي عمد إلى توقيف عدد من اللبنانيين المسافرين قبل الانتخابات، وسؤالهم عن وجهة تصويتهم. كذلك نصحت دول خليجية لبنانيين معروفي الانتماء المذهبي أو السياسي المؤيد للمعارضة بعدم الذهاب إلى لبنان، حتى إنّ بعض هؤلاء اتصلوا بعائلاتهم وبمفاتيح انتخابية معتذرين عن المجيء حتى لا يخسروا وظائفهم. أضف إلى ذلك السرّ أو اللغز الذي يحتاج إلى تفكيك، المعلق بوجهة التصويت الفعلية لنحو خمسة آلاف ناخب أتوا من سوريا، إذ يشكو عبد الرحيم مراد من أن نصف الذين ساعدهم على المجيء إلى لبنان صوّتوا للائحة 14 آذار، وأن بعضهم تلقوا أموالاً عند دخوله إلى لبنان، فيما يحار إيلي سكاف في مسألة، هي أنه نال أصواتاً من السنّة تخالف ما هو طبيعي لو أن الذين أتوا من سوريا قد صوّتوا له بالكامل. هذا فضلاً عن التقديرات التي لا تزال محل متابعة، والتي تفيد بأنه في بر الياس وسعدنايل جرى «شراء المندوبين التابعين للوائح المعارضة أو طُردوا حتى حصلت عمليات اقتراع وفرز من دون حضورهم، وهو أمر يفتح الباب أمام أسئلة عن حقيقة التصويت ونسبة المشاركين في الانتخابات».

لكن ذلك لا يجعل حزب الله محرجاً إزاء حجم التزامه الانتخابي تجاه حلفائه ونوعيته، إذ نجحت ماكينته في تجيير أكثر من تسعين بالمئة من الناخبين الشيعة في كل الدوائر المنتمين إليها التي شهدت معارك انتخابية، من بيروت إلى البقاع إلى جبل لبنان وصيدا. وهو أمر دُقِّق به في صناديق الاقتراع، فيما يعرب حزب الله عن سعادته باستجابة الجمهور لدعوة أمينه العام إلى المشاركة في الاستفتاء، وذلك من خلال نسب الأصوات التي حصلت عليها اللوائح المدعومة من حزب الله في كل لبنان، وخصوصاً في الجنوب والبقاع الشمالي، حيث لم تكن هناك منافسة مع أحد.

الحلفاء وحالة عون تحديداً

يبدو أن لدى حزب الله معلومات كثيرة عمّا قام به فريق 14 آذار عموماً، وعلى الساحة المسيحية خصوصاً. ومن هذه المعلومات أن قادة هذا الفريق كانوا يأملون الحصول على تسعين مقعداً نيابياً في هذه الانتخابات، وهم كانوا يحسبون أن الفوز سيحالفهم في دوائر كسروان وجبيل والمتن الشمالي (16 نائباً) مع خرق كبير في دائرة بعبدا. ويؤكد مطلعون أن هذا الكلام قيل في أكثر من مكان، وأن ما أُعد للمعركة في جبل لبنان لم يكن عادياً، ووُظِّفت إمكانات هائلة فيه. فإلى جانب المال والاغتراب واللعب على تناقضات سياسية مع رئيس الجمهورية أو مع البطريرك الماروني نصر الله صفير، فإن في فريق 14 آذار من أجاد لعبة الإعلام، إذ أُثيرت مواضيع مثل المثالثة وتقصير ولاية الرئيس ميشال سليمان، وعنوان ولاية الفقيه وسلاح حزب الله وخلافه، بطريقة جعلت المعارضة تتراجع إلى الموقع الدفاعي، وهو أمر لم يكن في مصلحة جمهور المعارضة. وعندما تبيّنت كذبة المثالثة وتقصير الولاية، نقل «المخبرون» كلاماً واضحاً لقيادات بارزة في 14 آذار مفاده أنّ «علينا إعداد موجة جديدة من الشعارات، لأن من المفيد أن تبقى المعارضة مشغولة بالرد علينا»، وهو الأمر الذي تطلب أكبر قدر من التعبئة التي تتجاوز البعد السياسي والشخصي إلى أكثر الشعارات عنصرية، وأبرزها نزع الديانة المسيحية عن الناخبين الأرمن بعد نزع المواطنة عنهم وعدّهم جالية أجنبية... وأشياء كثيرة أخرى.

لكنّ حزب الله الذي خبر التجارب الأشد قساوة، ينظر بارتياح إجمالي، ويعتقد أنه لم يكن هدفاً مباشر، لأنه لم يكن بمقدور الآخرين الوصول إليه، وبالتالي فإن العنوان الأبرز لهؤلاء كان العماد عون.


2009-06-13