ارشيف من :أخبار لبنانية
طهران نحو الاعتدال.. والرياض إلى التشدد!
عماد مرمل-"السفير"
قبل فترة، انتهى احد السياسيين من قراءة كتاب بعنوان «السياسة في بلاد العجائب». وما ان فرغ منه، حتى حضر في ذهنه انطباع وحيد: «نحن نعيش في عصر سياسة العجائب، او ..عجائب السياسة».
في اعتقاد هذه الشخصة السياسية ان ما شهدته المنطقة، خلال الاعوام القليلة الماضية، يحتاج، في المعدلات العادية لسرعة التاريخ، الى عشرات او ربما مئات السنين. لكن ما حصل، ان التطورات النوعية والمتلاحقة منذ بدء الحراك في الشارع العربي، افضت الى نوع من «تكثيف الزمن»، فسُجلت في وقت قصير تحولات جذرية لا تتم عادة إلا ببطء شديد.
واللافت للانتباه ان الدول التي شهدت هذه التحولات هي دول «راسخة»، من الوزن الثقيل، بحيث ان النقلات الكبرى في مسارها تقاس عادة بسرعة القرون لا الشهور.
ومن علامات العجائب السياسية، وفق الشخصية ذاتها، يمكن تعداد الآتي:
ــ السقوط السريع والمدوي لـ«الاخوان المسلمين»، الذين وصلوا الى الحكم في مصر بعد انتظار 80 عاما، لكنهم خسروه خلال سنة واحدة، لتنتقل رموزهم من السلطة الى السجن، علما ان أشد المتشائمين كانوا يتوقعون ان يصمد «الاخوان» ولاية رئاسية كاملة على الأقل، يليها السقوط، وبالتالي فان ما حصل بين سنة وضحاها يشكل قفزة تاريخية هائلة.
ــ تحول تركيا الدراماتيكي من موقع الحاضنة للحراك الشعبي في العالم العربي، عندما كان يناسب مصالحها، الى موقع الخصومة الحادة لواحدة من أهم الثورات، والتي كانت تحظى بالرعاية التركية في أيام «الإخوان»، هي الثورة المصرية. وليس طرد السفير التركي من القاهرة سوى أحد الادلة الدامغة على انتقال أنقرة خلال وقت قصير جدا، من ضفة الى أخرى. كما ان تركيا أردوغان، التي كانت تقدم نفسها على اساس انها رأس الحربة في مشروع اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، باتت تعاني من أزمات داخلية ومن ارتدادات ارهاب المجموعات المتشددة، الى حد انها باتت مضطرة الى مساعدة من صديق للخروج من المأزق السوري، أو اقله للتخفيف من اعبائه عليها.
ــ انتقال الاعداء من مرحلة المواجهة الى مرحلة الحوار وصولا الى الاتفاق، وفق «السيناريو النووي» الاميركي- الايراني الذي دارت وقائعه في جنيف، وهذه انعطافة في السياسة الدولية لا تحدث إلا كل مئة عام، لاسيما إذا كانت الدولة المعنية بها هي من عيار إيران والولايات المتحدة الاميركية.
ويرى المواكبون لهذه المتغيرات ان الادوار تكاد تنقلب في المنطقة، بحيث ان من كانوا مصنفين بانهم في محور التشدد باتوا عمليا يمثلون محور الاعتدال، إذ ان طهران هي اليوم من دعاة الحوار والتفاهم ومد اليد واحتواء الازمات، ليس فقط مع واشنطن، وإنما أيضا مع دول الخليج، وفي طليعتها السعودية. ويقول من تسنى لهم لقاء الرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني مؤخرا انه أكد حرص بلاده على الاستقرار والحوار في المنطقة، وبالتالي فهم خرجوا باستنتاج مفاده ان معادلة «صفر مشكلات» التي طرحتها تركيا قبل سنوات، باتت شعار طهران الآن.
ويلاحظ أصحاب نظرية «تبادل الأدوار» ان الدول التي كانت مصنفة ضمن محور الاعتدال تبدو اليوم في سلوكها وكـأنها هي التي ترمز الى محور التشدد. وهذا ما يتضح من مواقف الرياض المتحسسة من التقارب الاميركي- الايراني، والرافضة لتسوية سياسية في سوريا، والمصرة على إسقاط الرئيس الاسد ودعم المعارضة بالمال والسلاح، وغير المتحمسة لتشكيل حكومة في لبنان تضم «حزب الله».
وأكثر من ذلك، يعتبر هواة التقاط المفارقات ان فريق «14آذار» أصبح المتطرف سياسيا في الداخل برغم محاولته ترويج انطباع بانه تيار معتدل ومدني، في حين ان فريق «8 آذار» بات يرمز الى الاعتدال والواقعية برغم كل ما يقال عن استخدامه فائض القوة لدى «حزب الله» لفرض شروطه.
ويعتمد هؤلاء في مقاربتهم على الفوارق بين خطابي الطرفين، لافتين الانتباه الى ان قوى «8 آذار» تدعو الى تشكيل حكومة وحدة وطنية تمنح طرفيها الاساسيين «الثلث الضامن»، والى استئناف الحوار الوطني من دون شروط، والى حصر المواجهة حول الملف السوري في سوريا بدل خوضها في لبنان على حساب أمنه واستقراره. اما قوى «14 آذار»، فانها ترفض تأليف حكومة جامعة ومنح الطرف الآخر «الثلث الضامن» وتطالب بتشكيلة حيادية، وتعارض العودة الى الحوار قبل تشكيل الحكومة، وتصرّ على استخدام الساحة الداخلية لتصفية الحسابات مع «حزب الله» على خلفية مشاركته في القتال في سوريا.
ويخلص ناسجو هذه المعادلة الى القول: أهلا وسهلا بالسعودية و«14 آذار» في محور الممانعة السياسية، وأهلا وسهلا بإيران و«8 آذار» في محور الاعتدال والواقعية.
قبل فترة، انتهى احد السياسيين من قراءة كتاب بعنوان «السياسة في بلاد العجائب». وما ان فرغ منه، حتى حضر في ذهنه انطباع وحيد: «نحن نعيش في عصر سياسة العجائب، او ..عجائب السياسة».
في اعتقاد هذه الشخصة السياسية ان ما شهدته المنطقة، خلال الاعوام القليلة الماضية، يحتاج، في المعدلات العادية لسرعة التاريخ، الى عشرات او ربما مئات السنين. لكن ما حصل، ان التطورات النوعية والمتلاحقة منذ بدء الحراك في الشارع العربي، افضت الى نوع من «تكثيف الزمن»، فسُجلت في وقت قصير تحولات جذرية لا تتم عادة إلا ببطء شديد.
واللافت للانتباه ان الدول التي شهدت هذه التحولات هي دول «راسخة»، من الوزن الثقيل، بحيث ان النقلات الكبرى في مسارها تقاس عادة بسرعة القرون لا الشهور.
ومن علامات العجائب السياسية، وفق الشخصية ذاتها، يمكن تعداد الآتي:
ــ السقوط السريع والمدوي لـ«الاخوان المسلمين»، الذين وصلوا الى الحكم في مصر بعد انتظار 80 عاما، لكنهم خسروه خلال سنة واحدة، لتنتقل رموزهم من السلطة الى السجن، علما ان أشد المتشائمين كانوا يتوقعون ان يصمد «الاخوان» ولاية رئاسية كاملة على الأقل، يليها السقوط، وبالتالي فان ما حصل بين سنة وضحاها يشكل قفزة تاريخية هائلة.
ــ تحول تركيا الدراماتيكي من موقع الحاضنة للحراك الشعبي في العالم العربي، عندما كان يناسب مصالحها، الى موقع الخصومة الحادة لواحدة من أهم الثورات، والتي كانت تحظى بالرعاية التركية في أيام «الإخوان»، هي الثورة المصرية. وليس طرد السفير التركي من القاهرة سوى أحد الادلة الدامغة على انتقال أنقرة خلال وقت قصير جدا، من ضفة الى أخرى. كما ان تركيا أردوغان، التي كانت تقدم نفسها على اساس انها رأس الحربة في مشروع اسقاط نظام الرئيس بشار الاسد، باتت تعاني من أزمات داخلية ومن ارتدادات ارهاب المجموعات المتشددة، الى حد انها باتت مضطرة الى مساعدة من صديق للخروج من المأزق السوري، أو اقله للتخفيف من اعبائه عليها.
ــ انتقال الاعداء من مرحلة المواجهة الى مرحلة الحوار وصولا الى الاتفاق، وفق «السيناريو النووي» الاميركي- الايراني الذي دارت وقائعه في جنيف، وهذه انعطافة في السياسة الدولية لا تحدث إلا كل مئة عام، لاسيما إذا كانت الدولة المعنية بها هي من عيار إيران والولايات المتحدة الاميركية.
ويرى المواكبون لهذه المتغيرات ان الادوار تكاد تنقلب في المنطقة، بحيث ان من كانوا مصنفين بانهم في محور التشدد باتوا عمليا يمثلون محور الاعتدال، إذ ان طهران هي اليوم من دعاة الحوار والتفاهم ومد اليد واحتواء الازمات، ليس فقط مع واشنطن، وإنما أيضا مع دول الخليج، وفي طليعتها السعودية. ويقول من تسنى لهم لقاء الرئيس الايراني الشيخ حسن روحاني مؤخرا انه أكد حرص بلاده على الاستقرار والحوار في المنطقة، وبالتالي فهم خرجوا باستنتاج مفاده ان معادلة «صفر مشكلات» التي طرحتها تركيا قبل سنوات، باتت شعار طهران الآن.
ويلاحظ أصحاب نظرية «تبادل الأدوار» ان الدول التي كانت مصنفة ضمن محور الاعتدال تبدو اليوم في سلوكها وكـأنها هي التي ترمز الى محور التشدد. وهذا ما يتضح من مواقف الرياض المتحسسة من التقارب الاميركي- الايراني، والرافضة لتسوية سياسية في سوريا، والمصرة على إسقاط الرئيس الاسد ودعم المعارضة بالمال والسلاح، وغير المتحمسة لتشكيل حكومة في لبنان تضم «حزب الله».
وأكثر من ذلك، يعتبر هواة التقاط المفارقات ان فريق «14آذار» أصبح المتطرف سياسيا في الداخل برغم محاولته ترويج انطباع بانه تيار معتدل ومدني، في حين ان فريق «8 آذار» بات يرمز الى الاعتدال والواقعية برغم كل ما يقال عن استخدامه فائض القوة لدى «حزب الله» لفرض شروطه.
ويعتمد هؤلاء في مقاربتهم على الفوارق بين خطابي الطرفين، لافتين الانتباه الى ان قوى «8 آذار» تدعو الى تشكيل حكومة وحدة وطنية تمنح طرفيها الاساسيين «الثلث الضامن»، والى استئناف الحوار الوطني من دون شروط، والى حصر المواجهة حول الملف السوري في سوريا بدل خوضها في لبنان على حساب أمنه واستقراره. اما قوى «14 آذار»، فانها ترفض تأليف حكومة جامعة ومنح الطرف الآخر «الثلث الضامن» وتطالب بتشكيلة حيادية، وتعارض العودة الى الحوار قبل تشكيل الحكومة، وتصرّ على استخدام الساحة الداخلية لتصفية الحسابات مع «حزب الله» على خلفية مشاركته في القتال في سوريا.
ويخلص ناسجو هذه المعادلة الى القول: أهلا وسهلا بالسعودية و«14 آذار» في محور الممانعة السياسية، وأهلا وسهلا بإيران و«8 آذار» في محور الاعتدال والواقعية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018