ارشيف من :أخبار لبنانية

العراق وظلال الاتفاق الإيراني الغربي

العراق وظلال الاتفاق الإيراني الغربي
باسل محمد - صحيفة الصباح العراقية

لا شك أن  اتفاق التسوية الأولي بين ايران و الدول الغربية يمثل مصلحةً ستراتيجية للعراق ولذلك كل المؤشرات تفيد ان الحكومة العراقية لعبت دوراً مهماً باتجاه ابرام التفاهمات حول البرنامج النووي الايراني في جنيف.

بمنطق الحقائق وضع اجتماع ايران مع مجموعة خمسة زائد واحد في بغداد في ايار من العام 2012،  الحجر الاساس للجهود الدولية والاقليمية نحو ايجاد حل للمشكلة النووية الايرانية مع الغرب بناء على قناعة المسؤولين العراقيين بأن القيادة الايرانية يجب ان تخطو خطوات جدية لبناء الثقة بأن برنامجها النووي سلمي وبأنه لن يتحول الى برنامج عسكري ولذلك فان القيادات العراقية التي تربطها صلات قوية مع طهران نصحت هذه الاخيرة بأن عليها تقديم تنازلات بشأن عمليات تخصيب اليورانيوم فوق 20 في المئة،  كما أن المعلومات تؤكد ان رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في حينها حذر المسؤولين الايرانيين وجهاً لوجه وبصراحة من أن عدم التعامل بشفافية واتخاذ مواقف متشددة ربما يقود المنطقة الى مواجهة عسكرية يكون العراق ساحةً لها بغير ارادته.

ابعد من ذلك،  فأن وجود علاقات طبيعية ومفيدة بين العراق وبين الدول الغربية اقنع وشجع جهات صاحبة قرار في ايران بأن الغرب ليس عدواً وبالتالي يمكن التفاهم معه وتطبيع العلاقات الايرانية الغربية ولذلك من دون أدنى شك،  فأن القادة الايرانيين سمعوا من نظرائهم العراقيين وجهات نظر معتدلة حول الموقف من الغرب والولايات المتحدة بشكل خاص.

تكمن مصلحة العراق في اي تقارب ايراني غربي حول الملف النووي وغيره من الملفات العالقة بين الطرفين في ان مثل هذه الاتفاقات ستقوض فرص توجيه ضربة عسكرية جوية اسرائيلية ضد ايران ستكون حتماً عبر الاراضي والاجواء العراقية،  كما ان وقوع هذا الاحتمال يعني أن القيادة الايرانية سترد على الضربة الاسرائيلية وهذا معناه اندلاع حرب ايرانية اسرائيلية ستفضي الى حرب اوسع بين ايران والولايات المتحدة  بعض الدول الغربية، ولأن الوضع العراقي لايزال يواجه تحديات أمنية خطيرة، فمن المؤكد ان العراقيين سيدفعون اثماناً باهظة اذا وقعت هذه الحروب.

وفي بعض القراءات السياسية المهمة،  فأن بقاء الملف النووي الايراني موضع صراع مع الغرب معناه أن الحكومة العراقية التي تربطها صلات قوية بطهران ستتعرض الى ضغوط من المجتمع الدولي في حال تصاعد هذا الصراع وبقي الموقف السياسي الايراني متشدداً رافضاً التعاطي مع التسويات الممكنة لأنه على اقل تقدير ستطلب الحكومات الغربية من بغداد الانضمام الى نظام العقوبات الدولية ضد ايران نووية ولذلك الاتفاق الايراني الغربي الاخير جنب العراق كل هذه السيناريوهات الصعبة عليه والتي كانت ستصعب وضـعه الداخلي.

لجهة الجماعات الارهابية، فأن استمرار الصراع النووي الايراني الغربي سيساعد هذه الجماعات على التحرك بحرية أكبر في حال اتجه الغرب الى الخيار العسكري في التعامل مع القيادة الايرانية وقد تصل الاوضاع الأمنية العراقية الى مرحلة خطيرة لأن اية حرب في المنطقة بحجم المواجهة بين ايران من جهة واسرائيل والولايات المتحدة من جهة ثانية ستكون مكلفة وستؤدي الى اشاعة الفوضى التي غالباً ما تكون بيئة مناسبة لتصعيد عمل القوى الارهابية ما يتسبب في ظهور تحديات أمنية اكبر بكثير من التحديات الحالية التي تهدد أمن وسلامة العراق.

ولا يغيب عن القادة العراقيين، بأن اية تسوية وان كانت اولية بين ايران والغرب بشأن الموضوع النووي ستسهم في ظهور مناخات افضل لتسوية الصراع الدموي في سورية والذي يشكل احد مصادر التهديد الكبرى على الوضعين السياسي والأمني العراقيين وهذا أمر حيوي كي تكون القيادة الايرانية التي تدعم نظام بشار الاسد بقوة  جاهزة لابداء مرونة تتعلق بترك هذا الاصطفاف المفرط الى جانب النظام السوري وبالتالي مساندة انتقال سلس للسلطة الى حكومة سورية وطنية موسعة تؤمن بتظام حكم تعددي حر.

غير أن كل هذه الفوائد التي يمكن أن يحصل عليها العراق من اتفاق اولي ايراني غربي بجنيف مؤخرا ربما تكون عرضة للزوال و بالتالي العودة الى نقطة الانطلاق مجدداً لأنه على ايران والغرب وبعد ستة أشهر ان يتوصلا الى اتفاق نهائي وشامل لحل الموضوع النووي وعلى الحكومة العراقية المقبلة ان تضع في حساباتها دعم ابرام هذا الاتفاق وتشجيع القيادة الايرانية على انجازه لأن الوضع العراقي سيكون محتاجا بشدة الى استقرار المنطقة و خلوها من التوترات.
2013-12-03