ارشيف من :أخبار لبنانية
دعوا الطرابلسيين يتقاتلون: هذا خيارهم!
السياسيون والأمنيون وقادة المحاور، من الجهتين في طرابلس، هم خيار أبناء المدينة، والممثّلون الفعليون لها. فلا يعكّرنّ أحد مزاج الطرابلسيين، ولا يوحينّ أحد بأن الممثلين الشرعيين لعاصمة الشمال يغصبون المدينة على أمر لا تريده.
يضيق الصالون بخطواته مع كل ذهاب وإياب إضافيين فيه. يسحب المطر من تحت قدميه الشرفة التي كان يهرب من الصالون إليها. يزدحم في رأسه التحليل. يقضم دخان سيجارته بقايا الأوكسجين النظيف. يقترب مجدداً من النافذة المطلة على ساحة الرئيس عبد الحميد كرامي. يرى أصدقاءه أطفالاً يهتفون «جميلة جميلة، الجزائر حرة حرة». لن يغامر بقيادة سيارته، «المسنّة» على غراره، صوب بيروت لمتابعة تكريم أيقونة مراهقته والعودة تحت جنح الظلام. أين هم أصدقاء تلك المراهقة؟ كيف تخلّوا عن أحلام جميلة بوحيرد ووعودها لهم؟ يزيد المطر كآبة المدينة: يقتطع منها شاطئها وطيور النورس وأصوات الصيادين وعربات الباعة المتجولين. تقف عيناه فوق إحدى الصحف على طاولة بعيدة، فيما قدماه تقتربان منها. مرّ عليها عامان هنا ويصلح عنوانها لصحيفة اليوم. يخرج بتوتّر من زنزانته إلى غرفة زوجته، متسائلاً كيف يضيّعان هكذا عامين من حياتهما. تطل شرفة غرفتها هي أيضاً على الساحة نفسها. لا تزحزح نظرها عن المشهد الفارغ، مجيبة بهدوء: ضاع العمر، لا عامان فقط.
ليسا وحيدين هنا. خلف نوافذ الشقة المقابلة خيال شخصين آخرين، وخلفها وفوقها وعلى امتداد شوارع المدينة مستسلمون ومستسلمات يتفرجون على الجرافات تعبث بمدينتهم. ما يحصل في طرابلس ليس «حرب غرباء» كما قيل كثيراً عن الحرب اللبنانية، ولا رماداً تعبث به أياد أجنبية، بل هو حرب أهلية أكثر مما يتخيل كثيرون، وغالبية السلاح المستخدم فيها صناعة وطنية.
هؤلاء الذين يخوضون تلك الحرب بأسماء وهمية وحركية، ككل المقاتلين، حظوا في الانتخابات النيابية الأخيرة بتأييد شعبي منقطع النظير: محمد كبارة الذي يطعم المقاتلين ويشربهم ويخرجهم من السجون حين يقعون فيها هو نائب طرابلسيّ رمى خمسة وخمسون ألفاً وخمسمئة وعشرة مقترعين اسمه في صندوق الاقتراع في الانتخابات الأخيرة، ولم يرتفع منذ عامين صوت واحد من الأصوات التي انتخبته ينادي بنزع التفويض الشعبي منه. «الشعب فوّضه». الرئيس نجيب ميقاتي، ومدينته أكثر من يعرفه، حل ثانياً في تلك الانتخابات خلف وزير ماله محمد الصفدي بأكثر من خمسة وستين ألف صوت. لا تعاتبوا ميقاتي والصفدي أو تسألوهما لماذا لا يفعلان شيئاً لوقف حمام الدم. مدينتهما التي انتخبتهما كانت تعرف أنهما لن يفعلا شيئاً. وهي المدينة نفسها التي زحفت إلى أقلام الاقتراع لتكليف الكتائبيّ البترونيّ سامر جورج سعادة بتمثيلها في المجلس النيابي. هذا خيار طرابلس الذي ما زالت تدافع عنه وستكرّسه في حال حصول الانتخابات اليوم أو غداً. لم يسأل فقراء المدينة الذين يتنطح كثيرون للنطق باسمهم المرشحين عن برامجهم الانتخابية أو مشاريعهم الإنمائية أو غيرها، بل انتخبوا، بكامل وعيهم، مجوّعيهم. لا يعتقدنّ أحد أنه أفهم أو أكثر «حداقة» سياسية من بائع الكعك الطرابلسي أو بائع القهوة أو الطبيب، فيتفسلف عن انخداع الطرابلسيين: هم أدرى الناس بمن ينتخبون ولا شيء ــــ ولا حتى دليل صغير صغير ـــ يوحي بأنهم ينوون تغيير خياراتهم.
الأسواق في المدينة مقفلة منذ ثلاث سنوات فعلياً، سوق الخضر ينزح كل بضعة أسابيع إلى منطقة، «الأسعار نار»، العمالة السورية النازحة تأكل الأخضر وكل اليابس، المدارس والمعاهد والجامعات تدرس أيام عطل المقاتلين، لا الكهرباء تأتي، ولا مياه الشفة ولا صيانة المجارير تنتهي، ولا الطرقات تزفت (…). لكن رغم طول قائمة «النق» التقليدية التي حفظها الجميع، لا تزال المدينة تصفّق للمسؤولين عنها: يهتف أحد أحيائها لعلي عيد والأحياء الأخرى لأبو رياض وأبو العبد وسعد الحريري وداعي الإسلام الشهال وخالد ضاهر، وربما غداً «ياسر زنزلخت». هؤلاء هم خيارها. هي اختارت هؤلاء السياسيين وتتمسك بهم. النائب السابق مصباح الأحدب الذي لا يفعل شيئاً سوى السهر في بيروت حصد في المدينة 18459 صوتاً. لا يقولنّ أحد إن المقاتلين لا يمثلون أحداً في المدينة وإنهم يتجنّون على أهلها. هم يسرحون في الأحياء التي تربوا فيها ويمرحون باللعبة التي تربوا عليها، يملأون دراجاتهم بالوقود من محطاتها ويشترون الخبز من أفرانها.
يمكن الجميزة والحمرا وسوق جونية العتيق ومار مخايل وغيرها من شوارع السهر أن تكمل حياتها والزحمة البيروتية على نحو طبيعي. لا يخجلنّ أحد. على من تزايدون؟ ها هو الصفدي، الأول من حيث التمثيل الشعبي الطرابلسي، يكتفي بالقول من مكان ما في العالم يصعب تحديده إن «الأمل كبير في حقن الجيش للدماء البريئة رأفة بطرابلس وأهلها»، فيما النائب المستقبلي سمير الجسر يناقش حزب الكتائب، بكل أعصاب باردة، في تعديل البند المتعلق بحياد لبنان في مقدمة الدستور، أما القامة الطرابلسية العالية، الرئيس نجيب ميقاتي، فعرض أمس خدماته على رئيس أساقفة قبرص للموارنة المطران يوسف سويد في ما يخص أزمة الموارنة في الشمال القبرصي الخاضع للسيطرة التركية. أعصاب اللواء أشرف ريفي الذي تمتلئ شوارع المدينة بصوره هادئة، هو الآخر: يبدأ الحل برأيه في تشكيل حكومة جديدة، على الطرابلسيين انتظار مشاوراتها وجزرها ومدّها. ها هو داعي الإسلام الشهال يقول إنه سيسقط قرار إعلان طرابلس منطقة عسكرية بإمرة الجيش لمدة ستة أشهر، ولا يخرج طرابلسيان ليسدّا عليه بابي منزله والشبابيك الثلاثة فيعيدانه إلى حجمه الأصلي.
أهل طرابلس أدرى بشعابها. يتذمرون هنا وهناك قليلاً. «ينقّون». لكنهم لا يفعلون شيئاً لتغيير واقعهم. هؤلاء المقاتلون، على الجبهتين، يحظون بغطاء شعبي ليس الغطاء السياسي إلا واحداً من ألحفته الكثيرة. لا تغير المواقف الافتراضية والاتصالات الإذاعية والمسرحيات التلفزيونية وسمّات البدن المنزلية شيئاً في المشهد السياسي: من أوكل إلى هذا الطقم السياسي والأمني تمثيله، في مختلف أحياء المدينة، لم ولن (كما يبدو) يسحب تفويضه لهم.
جالساً في كرسيه القديم، كانت الأفكار تضغطه من شتى الاتجاهات. ما كان يفترض بالأمور أن تبلغ حد البؤس الذي بلغته. لا يمكنه الآن أن يفعل شيئاً. يتذكر الطريق إلى المسرح والملعب والسينما. تارة تغطي تظاهرة ناصرية الطريق بين نافذته وساحة عبد الحميد كرامي، وطوراً تظاهرة فلسطينية، فاحتفال عارم بهزم المقاومة لإسرائيل. ومضات. التظاهرات المطلبية ومسيرات الإنصاف الإنمائي ومضات هي الأخرى. الناس الآن في مكان آخر، لا يشبهه، لكنه موجود، يطغى على كل ما عداه؛ إنه المدينة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018