ارشيف من :أخبار لبنانية

سان كلو 2، الآن في باريس؟ من أين يأتي السنيورة وحمادة واللبنانيّون بتخيّلاتهم؟

سان كلو 2، الآن في باريس؟ من أين يأتي السنيورة وحمادة واللبنانيّون بتخيّلاتهم؟

صحيفة الاخبار - جان عزيز 

     

مؤتمر سان كلو 2، منعقد الآن في باريس؟ من أين يأتي اللبنانيون بكل تخيّلاتهم تلك؟ هكذا هو رد الفعل الأول للفرنسيين، كما للبنانيي باريس العارفين بخفاياها وحقائقها، حيال الخبر الشائع.

من أين نبدأ؟ من قصة «المثالثة» الشهيرة؟ حقيقتها الكاملة أن السفير الفرنسي في حينه جان كلود كوسران زار طهران، في إطار جولاته التمهيدية للمقاربة الفرنسية للأزمة اللبنانية.

كانت جلسة حواره مع المسؤولين الإيرانيين طويلة، نحو أربع ساعات من التداول في الأوضاع الاقليمية، وفي شبكة العلائق والمواقف الأميركية السعودية، والفرنسية السورية، والخليجية الإيرانية. قبل الختام، سأله مسؤول إيراني: ما هو موقفكم في باريس من اتفاق الطائف؟ أجاب كوسران بهدوئه المعروف وبصوته الخافت: تعرفون أنه حين أقرّ اتفاق الطائف، لم نكن متحمسين له.

أما اليوم، وبعدما أثبت هذا الاتفاق قدرته على الحياة، فنحن معه. ومع ذلك، نرى أن مصيره ومضمونه عائدان إلى اللبنانيين. أومأ الإيرانيون برؤوسهم موافقين، قبل أن يردف السائل منهم: ونحن معكم في ذلك، ونعتقد أن الطائف يجب أن يطبّق على الجماعات اللبنانية كافة، ليضمن توازنه.

انتهى لقاء كوسران في طهران. عاد إلى بيروت. جال على اللبنانيين، وبينهم وليد جنبلاط، وكان معه مروان حمادة. سأل جنبلاط كوسران عن أجواء طهران، فعرض له ما حصل حرفياً. فقفز حمادة: أما قلنا لكم؟ يريدون تعديل الطائف وإقرار مثالثة بين السنّة والشيعة والمسيحيين... صدم كوسران من استنتاج حمادة، حاول تصحيح الصورة، من دون جدوى.

بعد أشهر، سمع كوسران من باريس إصرار حمادة على تأويله للموقف الإيراني. وسمع خصوصاً حماده يزج باسمه في الرواية المختلقة. صحّح له الأمر، ثم صحّحه علناً، بعدها كرر التصحيح لحمادة وللعلن.

بعد الانتخابات، لم يكن الوضع أفضل، ولم تتوقف محاولات التخيّل والاختراع وزجّ الفرنسيين في أوهام بعض اللبنانيين المدروسة.

في اليوم التالي للعملية الانتخابية، خرج من ينسب إلى باريس موقفاً معارضاً لمسألة الثلث الضامن داخل الحكومة الجديدة. بسرعة قياسية، راح المستفيدون ينسجون على نوله ومنواله. فوجئ الفرنسيون بالخبر. أجروا سلسلة اتصالات في ما بين مسؤوليهم، قبل أن يكتشفوا طابعه الملفّق.

مضت ساعات من البلبلة هنا، حتى بدا ضرورياً أن يخرج الناطق باسم الخارجية الفرنسية في كي دورسيه بتكذيب الأمر، وبتأكيد أن باريس لا علاقة لها بهذه المسائل، ولا موقف لها من مسألة إعطاء الثلث الضامن أو عدمه.

في اليوم التالي، بدا أن الاختراع الحكومي قد احترق سريعاً، ولم يوفّر الخدمة المطلوبة، فصدرت تسريبة جديدة: أوساط فرنسية مهتمة بتعزيز صلاحيات الرئاسة! التوريطة أكبر هنا. فالمسألة تلامس العلاقات الفرنسية العربية، وحال النقاهة السائدة حالياً في «الحالة» الفرنسية السعودية.

من قال إن باريس مهتمة بصلاحيات الرئيس؟ لا أحد. من أوحى أن الإدارة الفرنسية تفكر في إحداث تغييرات أو تعديلات على النظام اللبناني؟ لا أحد. هل يصدر تكذيب جديد؟ ماذا لو فسّر ذلك باعتباره إساءة إلى الرئيس اللبناني؟ ماذا لو استغله البعض ليوحي أن باريس عادت عن أدائها السابق بدعم ميشال سليمان؟ مشكلة... يصير الصمت واجباً، ولو حيال شائعة.

آخر أمثلة «الحقيقة» على الطريقة اللبنانية يقدمه أحد المراقبين للانتخابات اللبنانية ضمن البعثة الأوروبية، العائد للتوّ من بيروت. جالت البعثة على المسؤولين اللبنانيين. فؤاد السنيورة حاول إبهارها بوضعية الضحية التي يقع فيها فريقه.

قال السنيورة للبعثة الأوروبية: ليست مصادفة ربما أن تكونوا هنا عشية الانتخابات النيابية، ونحن نستعيد ذكرى عدد كبير من شهدائنا: سمير قصير، جورج حاوي، الرئيس رشيد كرامي، ذكرى استشهادهم كلّهم في الأسبوع نفسه، وهم سقطوا على الأيدي «المجهولة» نفسها...

فقاطعه أحد المراقبين الدوليين مستهجناً: لكن حضرة الوزير الأول، رشيد كرامي معروف من قتله، والقضاء العائد إلى سلطة أنت جزء منها أصدر حكماً مبرماً في هذا الشأن... افتضح السنيورة، لم يتوقع أن يكون بينهم عارف إلى هذا الحد في الشأن اللبناني.

ينتهي الحديث عن تخيّلات اللبنانيين. يعود السؤال: ماذا في باريس الآن؟ مجرد لقاء غير رسمي، وغير شكلي، ومن دون أجندة ولا برنامج عمل ولا مقدمات ولا توصيات. الدعوة من الأكاديمية الدبلوماسية الفرنسية، ممثّلة بأمينها العام جان كلود كوسران، السفير السابق والمتقاعد حالياً، مع ثلاثة خطوط تحت الكلمات الثلاث الأخيرة من لقب كوسران: السابق والمتقاعد حالياً.

المشاركون ثماني شخصيات فكرية أكاديمية، لا علاقة مباشرة لهم بالقوى السياسية في لبنان: روجيه ديب، بسام برغوت، د. أحمد بيضون، كمال حمدان، عباس الحلبي، بول سالم، طلال عتريسي، وكاتب هذه السطور.

أما موضوعات البحث، فمروحة فوضوية من الأسئلة، بدءاً من: «هل أراد حزب الله قصداً خسارة الانتخابات؟»، وصولاً إلى: «من يحب البطريرك صفير أكثر اليوم: سنّة الحريري، أم موارنة عون؟».



2009-06-13