ارشيف من :أخبار عالمية

الارتهان للخارج وقصر النظر في الداخل

الارتهان للخارج وقصر النظر في الداخل
علي محمد فخرو-"الوسط"
 
يحار الإنسان في تفسير العديد من مواقف دول مجلس التعاون الخليجي السياسية، مع تفاوتها طبعاً في الشدّة والإتساع. وتبدو تلك المواقف أحياناً وكأنها ممارسات عبثية في السياسة لا يمكن أن تخدم المصلحة الوطنية لدول المجلس منفردةً أو مجتمعةً، ولا مصلحة الأمة العربية القومية.


ويسأل الإنسان نفسه المرَّة تلو المرّة، عن الأسباب المعقولة الكامنة وراء هذا الموقف أو ذاك، فلا يحصل مع الأسف، إلا على واحد من التفسيرين التاليين: الإرتهان لإملاءات القوى الخارجية، إما خوفاً أو طمعاً، أو مواجهة الأحداث بسوء فهم وقصر نظر، يؤدّيان لسوء تقدير للمخاطر والتّبعات التي يقود إليها ذلك الفهم.

كلا التفسيرين يعطيان انطباعاً سلبياً عن كيفية اتخاذ القرارات في دول المجلس، بل وعن من يتخّذها. دعنا نأخذ أمثلة لتوضيح ما نقول.

أن تتعاطف دول المجلس، مجتمعةً أو منفردةً، مع هذه الثورة الربيعية العربية أو تلك، مع ذلك الحراك أو تلك المطالب، حتى ولو كان ذلك التعاطف فيه الكثير من الانتقائية، وأحياناً الكثير من التناقض، فهذا تعاطف ترحّب به الغالبية السّاحقة من شعوب دول المجلس. ذلك أن مبدأ مساندة شعوب الأمة العربية لبعضها البعض ضدّ الاستبداد والظلم هو شعور عفوي في الفرد العربي، وهو مبدأ قومي عروبي مقدّس تبنّته وحاربت من أجل ترسيخه أجيال عربية في كل أرجاء الوطن العربي الكبير. فمصير شعوب الأمة العربية، في صعودها وتألّقها، وفي هبوطها ومصائبها، هو مصيرٌ واحدٌ أثبتته أحداث التاريخ المشترك الممتدّ، ويتطلًبه واقع الأمة المتردّي حالياً.

أن يتمّ ذلك التعاطف من خلال المواقف السياسية والإعلامية، ومن خلال الدّعم المالي لكل قطر متضّرر أو للملايين من الهاربين من جحيم الصّراعات العنيفة، فهذا أيضاً معقول، إن أحسنت الممارسة وتمّت بنزاهة عواطف الأخوّة والإنسانية. لكن أن تقحم بعض الجهات، في بعض دول المجلس، نفسها كطرف في الصّراع الميداني المعقّد المتشابك، فهذا أمرٌ عصيّ على المنطق والفهم، وبالتالي يضطرّ الكثيرون لتفسيره بأحد التفسيرين السابقين: الإرتهان أو قصر النّظر السياسي.

مثلاً، إن تسهيل تجنيد وتدريب وتجهيز وانتقال الألوف من شباب الجهاد الطائفي العنفي، غير المؤمنين أصلاً بأهداف الثورات والحراكات الديمقراطية، القائمة أنشطتهم على فهم خاطئ مبتور لعقيدة الجهاد الإسلامي، وبالتالي لديهم قابلية لارتكاب الحماقات والخطايا التي تدمّر نسيج المجتمعات العربية، وقد توصل في النهاية إلى تفكُّك وزوال الدول... إن الدخول في هذه اللعبة هو لعب بالنار التي ستحرق الجميع. ويعجب الإنسان كيف نسيت تلك الجهات فواجع وكوارث أفغانستان وباكستان، وكيف عمِيَت عمّا يحدث في العراق وليبيا والصومال وتونس وسورية واليمن، بل في واقع الأمر في كل أرض العرب، من جنون وخزي وحقارات تدمي القلوب.

وتزداد قتامة المشهد عندما يتحمّس البعض بصورة هستيرية لإقحام مجلس التعاون في صراعات مصالح الدول الكبرى في الأرض العربية، فينادي البعض بدخول جيوش الناتو في هذا البلد العربي أو قصف المنشئات الرسمية في ذاك البلد.

ويقف الإنسان مشدوهاَ أمام المشاركة في سوق نخاسة بيع وشراء هذه الجماعة المعارضة أو تلك، فيقحمون مجلس التعاون في صراعات محلية يعرف القاصي والداني أن الجهة الوحيدة التي ستحسمها هي شعوب تلك البلدان، التي ستعرف في النهاية أين تقع مصلحتها الوطنية العليا ومن هم أعداء تلك المصلحة.

هنا نحتاج إلى طرح هذا السؤال المحوري: ما هو الدور الأساسي الذي يجب أن يلعبه مجلس التعاون في هذه الفترة الحرجة من ثورات وحراكات الربيع العربي؟

في اعتقادي أن الجواب يكمن في الاستعمال الحصيف العاقل لبعض من فوائض الثروة البترولية الهائلة إبَان الفترات الإنتقالية للثورات والحراكات. إن الفترات الإنتقالية تواجه دائماً مصاعب مؤقتة في حقول المال والاقتصاد والخدمات العامة، وفي شحّ الاستثمارات الخارجية. إنها مصاعب تؤجّجها قوى الثورات المضادة وقوى التئآمر الخارجية.

إذا كان المجلس يحرص على دعم الشعوب العربية الثائرة على الاستبداد والظلم، فليقم بهذه الخدمة دون شروط ودون انحياز لهذه الجهة الداخلية أو تلك. وإلاّ فإن الدخول في لعبة الصراعات المحلية إبان الفترة الانتقالية سيجعل من كل مساعدة نوعاً من الرشوة أو الابتزاز أو حتى نوعاً من مضاددة الثورات والتغييرات الكبرى.

وفي جميع الأحوال، فإنه يكفي أن يحمل شباب ثورات وحراكات الربيع العربي عبء مقارعة مؤامرات قوى الخارج، وقوى الثورات المضادّة في الداخل، حتى نضيف من جهتنا أعباء تدخلاتنا غير المدروسة وغير المفيدة، تدخلاتنا المرتكبة في كثير من صورها.
2013-12-06