ارشيف من :أخبار عالمية

أين أصبح الحوار في البحرين؟

أين أصبح الحوار في البحرين؟

هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية


يدور الحديث حاليّاً حول جدوى استمرار جلسات الحوار «التوافق» أو «التشاور» سمِّها ما شئت، فهي في النهاية لن توصل أحداً للهدف، ما لم تقم على أسس حقيقية وواضحة يرتضيها الجميع.

وفي ظل ضياع البوصلة، أو بشكل أكثر وضوحاً، الإصرار على إضاعتها، وعدم الرغبة الجدية في الوصول إليها، ستبقى كل تلك المسميات والمصطلحات لـ «الترويج الإعلامي» الخارجي لا غير.

قبل عام كامل، وفي مثل هذا اليوم (7 ديسمبر/ كانون الأول 2012) استمع/ فهم العالم دعوة سمو ولي العهد للحوار من خلال منتدى «حوار المنامة»، على أنها دعوة واضحة للمعارضة إلى الخروج من الأزمة الخانقة، إذ أن السلطة لا مشكلة لديها مع «الموالين»، وخلافها مع المعارضين، إلا أن لبعض الأطراف الرسمية نظرة مختلفة عبَّرت عنها بصراحة بعد دعوة ولي العهد للحوار «لقد فهمتم الدعوة للحوار بشكل مغلوط»!

وللتاريخ فقط، ولأننا في أيام «حوار المنامة 9»، لابد أن نُذكِّر بما قيل بعد دعوة ولي العهد في «حوار المنامة 8»، لنفهم حقيقة مجريات الأمور حاليّاً على طاولة الحوار.

شهد مجلس الشورى في (10 ديسمبر 2012) حملة شرسة من قبل عضو مجلس الشورى محمد المسلم، على دعوة الحوار التي أطلقها ولي العهد أمام «حوار المنامة 8». وفي يوم الثلثاء (11 ديسمبر 2012) وفي مجلس النواب، شنَّ نواب هجوماً أيضاً على دعوة ولي العهد للحوار، وقال وزير العدل إنه «لن يكون هناك حوار فوق الطاولة وآخر تحت الطاولة، وكل شيء معلن وشفّاف».

ولي العهد في منتدى «حوار المنامة 8»، دعا «القيادات السياسية، وكذلك المرجعيات الدينية، وعلى أعلى مستوياتها، إلى نبذ العنف»، مؤكداً أن الحوار هو الحل الأمثل لأي خلاف، كما دعا إلى تهيئة للبدء في حوار يضم مختلف الأطراف في البحرين.

المعارضة أول من رحَّب بدعوة ولي العهد للحوار، وأعلنت «استعدادها للمشاركة في هذا الحوار، الذي من المفترض أن يصادق الشعب على نتائجه؛ كونه مصدر السلطات جميعاً»، وفي ظل صمت رسمي مستغرب، ورفض القوى الموالية لها، والتي كانت دائماً تدعم «الحل الأمني» على السياسي.

بعد أسبوع كامل من دعوة ولي العهد إلى الحوار، اتهمت السلطة المعارضةَ بـ «الإساءة إلى دعوة الحوار، واستغلاله بشكل مغرض، وتسويقها إعلاميّااً بشكل مغلوط»، وهو الأمر الذي أثار استغراب الجميع؛ فكيف صمتت السلطة أسبوعاً كاملاً عن «الاستغلال السيّىء لحديث ولي العهد، وتسويقه بشكل مغلوط»!، ليس فقط من قِبل المعارضة، بل من قِبل جميع وكالات الأنباء العالمية والصحف العربية والأجنبية، وحتى الحكومات الغربية، التي عبّرت عن ترحيبها ودعمها لدعوة الحوار.

كما صدر بيان على لسان «مصدر مسئول» في ديوان ولي العهد في (14 ديسمبر 2012)، أكّد أن «ما جاء في كلمة ولي العهد في حفل افتتاح حوار المنامة 2012، أن أي حوار مستقبلي سيكون بين ممثلي مكونات المجتمع البحريني كافة».

دعوة ولي العهد للحوار قبل عام كامل فاجأت الجميع، وخلقت إرباكاً كبيراً لها في ظل ترحيب العالم والمعارضة بها، ورفض القوى الموالية، التي رأت في الدعوة «إقصاء» لوجودها، وبالخصوص من قِبل أعضاء مجلسي الشورى والنواب.

السلطة وجدت نفسها في موقف «المرتبك» مع الدعوة المفاجئة لولي العهد، خصوصاً إذا ما عرفنا أن مسئولين كانوا يؤكدون دوماً قبل دعوة ولي العهد، أن «المطالب لها مكانها وقنواتها الدستورية، وهي قبة البرلمان التي تحتضن كل الآراء والمطالبات باعتبارها ممثلاً لصوت الشعب»، وهي بذلك تؤكد رفض فكرة وجود حل خارج قبة البرلمان كالحوار مثلاً.

احتاجت السلطة 45 يوماً لتدارك ذلك «الإرباك»، فسارت إلى الإعلان في بيان مقتضب جدّاً من وزير العدل إلى دعوة ممثلي الجمعيات السياسية والمستقلين من مكونات المجتمع السياسي لاستكمال حوار التوافق الوطني في المحور السياسي. بعد 100 دقيقة من بيان وزير العدل، صدر بيان سريع من تجمع الوحدة (معارضة المعارضة) يرحّب بالحوار، حتى وإن كان مع من يسميهم بـ «قوى التأزيم»، والذي رفض مراراً الجلوس معهم على طاولة واحدة قبل تنفيذ شروطه بوقف العنف و «العمليات الإرهابية»، والاعتذار، على حد قوله.

فما الذي غيّر قناعته عن الحوار، على رغم أنه رفض وبشدة من قبل دعوة ولي العهد؟ لتخرج السلطة وتبرّر ذلك بأن جميع العالم «فهِمَ غلط» كلام ولي العهد.

ربما أن ما غيَّر تلك القناعات، هو «تشويه» فكرة الحوار التي طرحت أمام «حوار المنامة 8»، ولذلك لم يعلن عن حوار جديد، بل عن استكمال حوار التوافق (2011) في شقه السياسي، وهو الحوار الذي فشل بشكل واضح، ولذلك سعت السلطة عبر إعادة السيناريو ذاته وآلياته وأدواته لاستكمال ذلك الفشل.

العالم الذي رحَّب بدعوة ولي العهد للحوار، هو ذاته الذي يدعو الآن إلى حوار له مغزى، وهو ما يعيدنا للمربع الأول في (7 ديسمبر 2012)، وكأن «حوار السلطة» الموجود حاليّاً لم يكن.
2013-12-07