ارشيف من :أخبار عالمية

متغيرات أثرت على أجندات المنطقة

متغيرات أثرت على أجندات المنطقة
منصور الجمري - صحيفة الوسط البحرينية

مؤتمر الأمن الإقليمي التاسع «حوار المنامة» انعقد بشكل مميز هذا العام (6-8 ديسمبر/ كانون الأول 2013)، وربما سيقال عنه لاحقاً بأنه جلب أكبر عدد من كبار المسئولين في دول العالم بعد «ركود» ملحوظ لمثل هذه الزيارات منذ اندلاع الأحداث في مطلع 2011. ولقد ركزت كثير من مداخلات مسئولي الدول الكبرى (مثل أميركا وبريطانيا) على «طمأنة» دول الخليج بأن المتغيرات الأخيرة لا تعني تقليل اهتمامهم ووجودهم في المنطقة، وأن حماية دول الخليج تبقى أولوية في الوقت الحالي وفي المستقبل المنظور.

غير أن تحديات الأمن الإقليمي مستمرة ومتصاعدة، وهي تتمثل حالياً في قضايا كبيرة مثل منع انتشار أسلحة الدمار الشامل (النووي والكيماوي والبيولوجي وما شابه)، مكافحة الإرهاب، حماية الحلفاء من الصواريخ الباليستية التي تملكها إيران، حماية الفضاء الإلكتروني (سايبر) لما قد يمثله من تهديد للأمن القومي (كالهجوم على الشبكات الإلكترونية للمنشآت الحيوية)، مكافحة القرصنة، ضمان حرية حركة ناقلات النفط عبر مضيق هرمز، حماية أمن منشآت الطاقة وخطوط الإمداد، وغيرها من القضايا الكبرى التي يمكن أن تحصل على اتفاقات وتكون رؤى مشتركة بين أميركا وحلفائها التقليديين في المنطقة. وللتأكيد على قوة العلاقة بين أميركا وحلفائها، أشار وزير الدفاع الأميركي تشاك هيغل إلى أن أميركا باعت دول الخليج أسلحة بقيمة 75 مليار دولار منذ 2007، وأن التزام أميركا نحو الخليج قائم ولن يتغير، واقترح هيغل أيضاً عقد اجتماع مع وزراء دفاع التعاون خلال ستة أشهر، كما اقترح عقد صفقات - لأول مرة - مع دول التعاون مجتمعة، وذلك بدلاً من كل واحدة على حدة، وأن ذلك سيساعد دول الخليج على تنسيق عملية تشغيل وإدارة مشتركة لشبكة درع صاروخية لحمايتها من الصواريخ الباليستية.

لكن الحديث بالطريقة أعلاه يطرح سؤالاً: لماذا الخشية إذا كانت التطمينات المقدمة لدول الخليج بهذا الحجم والقوة؟

الإجابات ليست سهلة، فهناك ربما أسباب نفسية في المقام الأول، ولكن هناك أيضاً متغيرات أثرت على أجندات المنطقة. فالمنطقة حالياً تشتعل بصراعات طائفية - إثنية، وإن هذه الصراعات قد تعتبر أولوية - وربما مقدسة - بالنسبة لعدد من الدول والقوى في المنطقة، ولكنها ليست أولوية وليست مقدسة بالنسبة لأميركا أو بريطانيا أو أي دول كبرى أخرى، والتوجه الدولي الجديد لا يعطي غطاء للصراع الطائفي - الإثني الدائر في منطقتنا، وهذا يفسر جانباً من الاختلافات الماثلة أمامنا حالياً. هناك متغيرات أخرى تتمثل في الاكتشافات الجديدة للنفط والغاز في أميركا، وازدياد أهمية شرق آسيا مقارنة مع منطقة الشرق الأوسط، وهناك الحاجة الملحّة إلى خفض النفقات بسبب زيادة الديون الحكومية... وهو ما يعني حاجة أميركا إلى «إعادة توازن» بالنسبة لموضع ارتكاز التواجد الأميركي بين منطقة الشرق الأوسط وأوروبا ومنطقة شرق آسيا، ولاسيما أن الأخيرة ستزداد أهميتها أكثر خلال العقود المقبلة.

ولذا فإن الاختلاف بين أميركا وحلفائها في المنطقة بدا واضحاً عندما تحركت الدول الكبرى نحو تهدئة الأجواء المحمومة مع إيران بشأن ملفها النووي، وبعد تغيير الموقف تجاه سورية بعدم توجيه ضربة عسكرية والتحرك نحو عقد مؤتمر «جنيف - 2». أملنا أن نعي حقيقة ثابتة، وهي أن شعوب المنطقة عاشت مع بعضها آلاف السنين، وستبقى مع بعضها زمناً طويلاً جداً، ولا يوجد أفضل من أن نقتبس ما فعلته الأمم القريبة من بعضها البعض، وهو أن نقبل التنوع وأن نعيش مع بعضنا البعض بسلام وأمان، وأن نصلح أوضاعنا عبر العدالة، وبذلك نضمن أمننا من دون الحاجة إلى مزيد من العسكرة الباهظة الثمن ومن دون الحاجة لمزيد من القبضات الأمنية التي لا توفر أمناً واستقراراً حقيقياً لأي طرف كان.
2013-12-09