ارشيف من :أخبار لبنانية
لا حكومة قبل الرئاسة والأميركيون ينتقدون الحلفاء
غسان جواد - صحيفة الجمهورية
المشهد الغائم الذي جلَبته العاصفة «ألكسا» معها الى لبنان، لم يحجب الرؤية السياسية حول مستقبل الاستحقاقات الداخلية، واستفادتها من بعض المناخات الدولية الايجابية التي طرأت في الشهرين الاخيرين.
ثمّة "يقينيات" بدأت تتأكد شيئاً فشيئاً، ويترتَّب عليها تصوّر "واقعي" لما ستحمله الايام المقبلة على الصعيد الداخلي، والكلام هنا عن مساعي "تأليف الحكومة" وعن انطلاق السباق الى قصر بعبدا، لكي يكون 25 أيار 2014، موعد تسلم وتسليم بين الرئيس المنتخب "أياً يكن اسمه"، وبين الرئيس العماد ميشال سليمان.
اول هذه اليقينيات، أنّ "تأليف الحكومة" ارتبَط مباشرة بالاستحقاق الرئاسي. وأصبحت أيّ ولادة حكومية متّصلة بصفقة كاملة متكاملة حول اسم الرئيس المقبل ومواصفاته، ورئيس الحكومة في "العهد الجديد"، وشكل الحكومة وبيان سياساتها. الرئيس المكلف تمام سلام يعرف ذلك وبدأ يُدركه، والمطلوب منه حالياً عدم رفع "صيغة" حكومية الى رئيس الجمهورية يتوافق عليها الجميع، وعدم الاعتذار.
الجهة "الاقليمية" التي تقف وراء هذه المعادلة تريد الإفادة من تكليف سلام حتى اللحظة الاخيرة، بحيث يتم التلويح بحكومة "امر واقع" تستلم الحكم بعد مغادرة سليمان قصر بعبدا، في سياق التفاوض حول الرئاسة وحصّة كل طرف بالرئيس العتيد، وملامح المرحلة المقبلة التي لا تزال غامضة على المستوى الاقليمي.
يعرف "حزب الله" وفريق "8 اذار" أنّ السعودية لا تريد تأليف حكومة، ويتصرَّف على هذا الاساس. لكنّ ما استجد اليوم من وجهة نظر قيادات في هذا الفريق، أنّ المملكة ستبدأ برفع السقف السياسي والتلويح بحكومة "من لون واحد" للضغط في اكثر من اتجاه محلياً وعلى صعيد الازمة السورية ومساعي الحل السياسي في "جنيف 2".
قد يكون رئيس الجمهورية جاهزاً لخطوة من هذا النوع، وهذا ما تدل عليه مواقفه في الآونة الاخيرة. لكنّ الرياض نفسها غير جاهزة وتدرك الخطورة التي تترتب على خطوة من هذا النوع. القفز نحو "الغلبة" والاستئثار وضرب البعد الميثاقي للصيغة اللبنانية، سيؤدي الى إعلان وفاة "اتفاق الطائف" رسمياً، ويعيد خلط الاوراق في لبنان على ايقاع التحولات الكبرى في المنطقة. آخر ما تريده المملكة خسارة من هذا النوع في لبنان تضاف الى جملة خسائرها في العراق وسوريا.
وما يجعل المناخات حول الانتخابات الرئاسية المقبلة ايجابياً اليوم، هو جملة التفاهمات الدولية والتحولات التي حصلت في الاقليم. معوقات تأليف الحكومة لن تنسحب على انتخابات الرئاسة ايضاً. فتَرك البلد للفراغ الرئاسي بحكومة تصريف اعمل يحمل المخاطر نفسها التي تحملها "حكومة امر واقع". ومن مصلحة الجميع وفي مقدمتهم السعودية "التفاهم" على رئيس جديد يبدأ عهده بجملة توافقات ترعى الوضع الداخلي اللبناني وتحمي الصيغة اللبنانية في ظل ما نشهده من "تفكك" وانهيار لأغلب دول المشرق العربي.
الاميركيون الذين ينتقد سفيرهم في لبنان، سلوك فريق "14 اذا" الرافض صيغة "9+9+6"، يرسلون اشارات حول ضرورة اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها، ولا يوفّرون تشدد المملكة في لبنان من انتقاداتهم الحادة.
موقفهم هذا اعطى زخماً دولياً وآخر اقليمياً للشروع في فتح "الملف الرئاسي" ولو بخفر ومن دون ضجيج. وهذا ما دفع برموز "الوسطية" المعروفين الى البدء في عمليات الاستكشاف وجس النبض وطرح اسماء قابلة لأن يتوافق عليها الطرفان.
الخلاصة التي يمكن الخروج بها الان هي على الشكل الآتي: لا حكومة قبل الانتخابات الرئاسية الجديدة، ولا رئاسة من دون توافق. واذا كان "اتفاق الدوحة" في العام 2008، قد أنقذ النظام اللبناني وانعشه لست سنوات، فإن شبه "الاجماع" على انتخاب رئيس جديد في الموعد الدستوري سيكون مفتتحاً لمرحلة جديدة، واستنقاذاً للصيغة اللبنانية المهددة والمعرضة لاقسى انواع الاختبارات على ايقاع ما يجري في الاقليم..
كل هذا لا ينفي اننا نعيش في لبنان، وان الاحتمالات كلّها تظل قائمة، بما فيها الوقوع في فراغ مدمّر في حال الاصرار على ربط مصير الاستحقاقات اللبنانية بمصير الاستحقاقات السورية والاشتباك الاقليمي المستعر.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018