ارشيف من :أخبار لبنانية

إسرائيل.. فلسطين مقابل إيران

إسرائيل.. فلسطين مقابل إيران

سميح صعب - صحيفة الصباح العراقية


   يمارس  رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو ضغوطاً هائلة على الولايات المتحدة في ما يتعلق بالاتفاق النووي مع إيران، لكن عينه على المفاوضات مع الفلسطينيين. ما فات إسرائيل في إيران تريد تعويضاً عنه في فلسطين. ولأن ادارة الرئيس الاميركي باراك اوباما تدرك ذلك حمل وزير الخارجية جون كيري في زيارته الثامنة لإسرائيل منذ توليه منصبه في شباط الماضي، خطة أمنية تندرج في سياق تسهيل مفاوضات السلام وتلبي طموحات اسرائيل الى إيلاء الموضوع الامني اهتماماً اكبر من الموضوع السياسي، ولذلك حلق كيري على متن مروحية فوق أغوار الاردن التي تريد الحكومة الإسرائيلية الاحتفاظ بوجود عسكري فيها ضمن أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين.      

   ويرى نتنياهو أن في زمن التحولات الكبرى الجارية في المنطقة، فإنه قد لا يكون في وسعه رفض السعي الاميركي الى إيجاد تسوية للصراع الفلسطيني- الاسرائيلي. وانطلاقاً من رؤيته هذه يسعى الى تحسين حصة اسرائيل في هذه التسوية وجعلها متوائمة مع اكبر قدر مع مصالح الدولة العبرية. وبقدر ما يحاول المسؤولون الاميركيون التأكيد للمسؤولين الاسرائيليين ان الاتفاق النووي مع ايران يصب في مصلحة الامن الستراتيجي لاسرائيل من حيث انه يمنع ايران من تطوير سلاح نووي في المستقبل، ويضع كافة المنشآت النووية الايرانية تحت اشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن نتنياهو يغالي في مطالبه كي يحصل على مقابل في الموضوع الفلسطيني. وكانت البداية بإقناع ادارة اوباما بأن تعطي الاولوية للترتيبات الامنية في أي اتفاق سلام مع الفلسطينيين وقبل الاعتراف بالحقوق السياسية لهؤلاء المتمثلة في انتزاع اعتراف اسرائيلي بحدود دولتهم العتيدة. وهذا ما لم يحصل حتى الآن.    

   إذن ليست اسرائيل وحدها من يربط الملفات الساخنة في المنطقة بعضها بالبعض الآخر، فواشنطن تبدو مستعدة كي تتفادى الضغط الاسرائيلي على الجبهة الايرانية، لمسايرة نتنياهو في الملف الفلسطيني، من غض الطرف عن الاجراءات الاحادية الاسرائيلية المتمثلة في بناء آلاف الوحدات الاستيطانية في مستوطنات الضفة الغربية وأحياء القدس الشرقية، الى اعادة ترتيب اولويات عملية تسوية الموضوع السياسي الى الموضوع الامني، الى الضغط على الرئيس الفلسطيني محمود عباس كي لا ينسحب من المفاوضات بسبب استمرار الاستيطان وعدم احراز أي تقدم يذكر في المفاوضات التي استؤنفت في تموز الماضي.   

   ولذلك حاول كيري ان يعطي انطباعاً في زيارته الاخيرة الى اسرائيل والاراضي الفلسطينية، بأن المفاوضات على عكس ما يوحي بها الجانب الفلسطيني، تحقق تقدماً وان السلام لم يكن في يوم من الايام اقرب الى التحقق مما هو عليه الآن. والمناخ التفاؤلي الذي يبثه كيري هدفه قطع الطريق على اية محاولة فلسطينية للانسحاب من المفاوضات التي يهم اوباما ان تستمر على الاقل حتى الموعد المحدد لها في نيسان. ويخشى الاميركيون ان يسفر انسحاب الفلسطينيين من المفاوضات عن زيادة مناخ الاحباط في الضفة الغربية ويوفر كل العوامل التي تؤدي الى انتفاضة ثالثة او عودة السلطة الفلسطينية الى سلوك طريق الامم المتحدة من اجل الحصول على دولتهم الموعودة، بما يعنيه ذلك من احراج للولايات المتحدة على غرار ما حصل مع تصويت الجمعية العامة  للامم المتحدة قبل اكثر من سنة ، على منح فلسطين وضعية دولة غير مكتملة العضوية في المنظمة الدولية، بما يماثل الوضعية التي تتمتع بها دولة الفاتيكان.   

   وبعدما حدد اوباما في خطابه امام الدورة العادية للجمعية العامة للامم المتحدة في ايلول الماضي، اولويتين لسياسته حيال الشرق الاوسط تتمثلان في ايجاد حل للملف النووي الايراني وفي العمل من اجل تسوية للصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، بدأ نتنياهو العمل في المقابل اولاً على عرقلة التوصل الى اتفاق بين الغرب وايران واستخدم الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند من اجل تحقيق هذه الغاية، لكن هولاند عاد وانتظم في السياق الغربي العام الذي يرى ان الديبلوماسية هي الطريق الافضل للتوصل الى تسوية للأزمة النووية مع طهران، لذلك بقي نتنياهو وحيداً في رفض الاتفاق مع ايران، إذا ما اخذنا في الاعتبار ان منطلقات الحذر السعودي من الاتفاق مع ايران مغايرة تماماً للمنطلقات الاسرائيلية.    

   وبالانتقال الى الملف الفلسطيني، كان المضي في الاستيطان هو احد العوامل الرئيسة التي لجأ اليها نتنياهو لاحراج الفلسطينيين لاخراجهم من المفاوضات. وفعلاً حكي ان رئيس الوفد الفلسطيني صائب عريقات قد وضع استقالته في تصرف الرئيس الفلسطيني وذلك تعبيراً عن اليأس من امكان احراز تقدم نحو السلام في غضون الاشهر التسعة التي حددتها الاطراف عند استئناف المفاوضات في تموز. لكن واشنطن التي لم تمنعها المعارضة الاسرائيلية دون التوصل الى اتفاق مع طهران، تحاول ان تتغلب على العراقيل الاسرائيلية في وجه التوصل الى تسوية للقضية الفلسطينية.   

   وعلى رغم جرعة التفاؤل التي بثها كيري في زيارته الاخيرة للمنطقة حيال امكان التوصل الى اتفاق سلام بين الفلسطينيين واسرائيل في وقت قريب، فإن ليس من المضمون ان تنجح الولايات المتحدة في فلسطين كما نجحت في ايران، علماً ان عواقب الفشل هذه المرة تهدد بانفجار كبير في الاراضي الفلسطينية.
2013-12-11