ارشيف من :أخبار لبنانية
ديبلوماسية ظريف من سان فرنسيسكو إلى جنيف
حبيب فياض - صحيفة السفير
كلفته حكومته في العام 1980 بإقفال قنصلية بلاده في سان فرانسيسكو الاميركية، لتنقطع بذلك شعرة معاوية التي كانت تربط بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة. ثم كلفته حكومته مجدداً في العام 2013 بوضع العلاقات بين الجانبين على سكة التقارب، فأنجز المهمة المطلوبة منه على أكمل وجه في إطار تفاهم جنيف النووي.
إنه محمد جواد ظريف رئيس الديبلوماسية الإيرانية، الذي تتمحور رؤيته السياسية على ضرورة إزالة العقبات من طريق الانفتاح بين بلاده والغرب. يرى فيه بعض الايرانيين أنه نمط ينحصر في فرد ولا يشبه أحداً من أقرانه في أدائه السياسي والديبلوماسي، فيما يرى البعض الآخر أنه «خلطة» مركبة من براغماتية رفسنجاني ومدنية خاتمي ووسطية حسن روحاني ووطنية محمد مصدق. وبمعزل عن كل ذلك، فهو معروف عنه حرصه على المصالح الايرانية، لكن على طريقته الموغلة في الإقدام والقفز فوق الحواجز، لا من أجل التنازل، بل من أجل الحصول على الحد الأقصى من المكاسب والمنجزات. لقد نجح الرجل في اخراج التفاوض بين بلاده والغرب من حلقة مفرغة الى خارطة طريق تفضي الى حل المشاكل بينهما. وبفضل جهوده الديبلوماسية انتقل الايرانيون من القدرة على مواجهة العقوبات الى القدرة على المطالبة برفعها وإزالتها، ومن الإصرار على نووية ايران إلى الإقرار بنوويتها. ومن التمسك بالقوة للوقوف بوجه العالم الى قوة المصالحة تمهيداً للشراكة مع المجتمع الدولي.
طوال الفترة النجادية ظل غائباً عن الواجهة ولم يسجل له حضور لافت. غير أنه خلال فترة قصيرة في الحكومة الروحانية استطاع أن يرسم لنفسه مساراً خارج السائد والمألوف بين السياسيين الإيرانيين. فقد كسر النمطية المعهودة للديبلوماسية الإيرانية بابتسامة لا تفارقه بديلاً من التجهم الذي صاحب أسلافه من ولايتي الى خرازي الى متكي. يحظى بإعجاب جيل الشباب نظراً لاهتمامه بمظهره وحيويته الزائدة، ولنشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي حيث يتابع صفحته على «الفايسبوك» أكثر من نصف مليون معجب، برغم الحظر الرسمي لهذا الموقع في ايران. كما يحظى بتأييد المثقفين نظراً لجمعه بين الثقافتين الإسلامية والغربية. وهو، في كل الأحوال، ابن الثورة وينتمي الى عائلة دينية معروفة، ومرضيّ عنه في وسط رجال الدين، لما يُعرف به على مستوى الالتزام الديني. ولقد منحته مؤخراً الحوزة الدينية في مدينة قم، وسام «خادم شرف للسيدة المعصومة» تقديراً لجهوده في حل الأزمة النووية. بينما تربطه بقائد الثورة علاقة وطيدة منذ أن كان هذا الأخير في رئاسة الجمهورية ويرافقه في زياراته الى الأمم المتحدة، حيث ينقل ناطق نوري، رئيس مجلس الشورى السابق، عن السيد الخامنئي قوله «إن السيد ظريف الذي تشاهدونه متديّن ملتزم بعمق».
جاء محمد جواد ظريف إلى وزارة الخارجية من مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لمجلس تشخيص مصلحة النظام. كثيرون لم يتوقعوا أن يقع اختيار الرئيس الايراني على جواد ظريف لرئاسة الديبلوماسية الايرانية، باعتبار ان الأخير من اصحاب النزعة الإفراطية في الانفتاح على الغرب. فكان المتوقع أن يستبعد الرئيس روحاني - بوصفه يمثل الوسطية والاعتدال - من فريق عمله وحكومته، المفرطين في الانفتاح، كما المفرطين في التشدد. وكثيرون أيضاً توقعوا أن لا يحوز السيد ظريف ثقة مجلس الشورى ذي الغالبية المحافظة في جلسة منح الثقة للحكومة الايرانية. وذلك على خلفية اتهامه بالاندفاع نحو الغرب. علماً أنه خضع مؤخراً وخلال فترة وجيزة لأكثر من استجواب تحت قبة البرلمان. الأمر وصل لدى بعض النواب الى اتهامه بخيانة مصالح ايران في خضم المفاوضات النووية، فيما حمّله البعض الآخر مسؤولية ترتيب الاتصال الهاتفي بين اوباما وروحاني. غير أن الوزير «المدلل»، كما يحلو لبعض الايرانيين تسميته، يحظى بدعم غير محدود من قبل الرئيس روحاني الذي، كما يقول العارفون، يعتبر جواد ظريف في كفة وبقية وزرائه في كفة أخرى.
ترك جواد ظريف بصماته واضحة في معظم المحطات التفاوضية بين ايران والغرب. لم يغب منذ اواخر الثمانينيات حتى العام 2005 عن أهم مفاوضات بلاده مع الخارج. شارك في مفاوضات ايران مع العراق برعاية الامم المتحدة العام 1988 لتنفيذ القرار 598 الذي أنهى حرب الخليج الأولى. ويشيع بين الإيرانيين أن إليه يعود الفضل في تعديل القرار وتضمينه فقرة هامة حملت العراق مسؤولية الحرب وطالبته بدفع تعويضات لإيران بقيمة 97 مليار دولار. وشارك أيضاً أواخر الثمانينيات في مفاوضات ايرانية غربية للمساعدة على إنهاء أزمة الرهائن الغربيين في لبنان. كما نسب اليه في العام 2002 النجاح في تقليص الهوة بين طهران وواشنطن إزاء الأزمة الأفغانية وتقريب الرؤية بينهما حول «طالبان»، وذلك خلال مفاوضات في ميونيخ ضمن مؤتمر دولي حول افغانستان بمشاركة الولايات المتحدة. ثم كان حاضراً الى جانب الشيخ روحاني الذي كان كبير المفاوضين الايرانيين مع الترويكا الأوروبية حول ملف بلاده النووي. وحالياً، انتهى به الأمر ليصبح كبير المفاوضين الايرانيين مع السداسية الدولية، حيث تم للمرة الاولى التوصل الى تفاهم مبدئي حول هذا الملف.
ويرى كثير من الايرانيين أن جواد ظريف استطاع بحرفية مشهودة، ان يجسد مقولة «ليونة الأبطال» التي حددها قائد الثورة الاسلامية كإطار عام لحل مشكلة ايران النووية. فهو قد تحول في الداخل الإيراني الى بطل استطاع أن يربح معركة في أصعب حروب ايران الديبلوماسية. كما بات الغرب ينظر اليه بوصفه ممثلاً للاعتدال والعقلانية في السياسة الأيرانية. على أن أهمية الدور الذي لعبه الرجل في تفاهم جنيف الأخير تتعدّى المنجز النووي الى فتح الباب أمام مسار طبيعي من العلاقات، في مختلف المجالات، بين إيران والغرب.
ويذهب مراقبون ايرانيون إلى القول إن وجود ظريف في مفاوضات جنيف النووية هو بحد ذاته عامل أساسي ساعد في الوصول الى اتفاق حول مشكلة ايران النووية. وذلك الى جانب عوامل أخرى ولدت رغبة متبادلة بين الجانبين الإيراني والغربي لحل هذه المشكلة. فالرجل عاش أكثر من نصف حياته في الولايات المتحدة، حيث تعلّم وعمل ديبلوماسياً وخبر طريقة تفكير الإدارات الأميركية المتعاقبة، الى حد يمكن القول معه إن لدى الوزير ظريف القدرة على مقاربة المصالح الايرانية بعقلية أميركية، بمعنى انه قادر على تقديم رؤية بلاده بطريقة يتفهمها الأميركي ويتقبلها.
ومع أن تفاهم جنيف النووي لم يكن خارج سياق مسار طويل من المفاوضات السابقة، وحيث لا يمكن إنكار أن تشدد المفاوضين الايرانيين السابقين قد ساعد طهران في الحصول على حقوقها ولعبة شراء الوقت، فإن ديبلوماسية ظريف قد حصدت النجاح، حيث لم يكن ليتوقع أحد أن تنجح هذه الديبلوماسية في وضع أزمة بلاده النووية على سكة الحل في ثلاث جولات من المفاوضات، خلال ثلاثة أشهر، بعد عشرات الجولات التفاوضية على مدى أكثر من عشر سنوات.
كلفته حكومته في العام 1980 بإقفال قنصلية بلاده في سان فرانسيسكو الاميركية، لتنقطع بذلك شعرة معاوية التي كانت تربط بين الجمهورية الإسلامية والولايات المتحدة. ثم كلفته حكومته مجدداً في العام 2013 بوضع العلاقات بين الجانبين على سكة التقارب، فأنجز المهمة المطلوبة منه على أكمل وجه في إطار تفاهم جنيف النووي.
إنه محمد جواد ظريف رئيس الديبلوماسية الإيرانية، الذي تتمحور رؤيته السياسية على ضرورة إزالة العقبات من طريق الانفتاح بين بلاده والغرب. يرى فيه بعض الايرانيين أنه نمط ينحصر في فرد ولا يشبه أحداً من أقرانه في أدائه السياسي والديبلوماسي، فيما يرى البعض الآخر أنه «خلطة» مركبة من براغماتية رفسنجاني ومدنية خاتمي ووسطية حسن روحاني ووطنية محمد مصدق. وبمعزل عن كل ذلك، فهو معروف عنه حرصه على المصالح الايرانية، لكن على طريقته الموغلة في الإقدام والقفز فوق الحواجز، لا من أجل التنازل، بل من أجل الحصول على الحد الأقصى من المكاسب والمنجزات. لقد نجح الرجل في اخراج التفاوض بين بلاده والغرب من حلقة مفرغة الى خارطة طريق تفضي الى حل المشاكل بينهما. وبفضل جهوده الديبلوماسية انتقل الايرانيون من القدرة على مواجهة العقوبات الى القدرة على المطالبة برفعها وإزالتها، ومن الإصرار على نووية ايران إلى الإقرار بنوويتها. ومن التمسك بالقوة للوقوف بوجه العالم الى قوة المصالحة تمهيداً للشراكة مع المجتمع الدولي.
طوال الفترة النجادية ظل غائباً عن الواجهة ولم يسجل له حضور لافت. غير أنه خلال فترة قصيرة في الحكومة الروحانية استطاع أن يرسم لنفسه مساراً خارج السائد والمألوف بين السياسيين الإيرانيين. فقد كسر النمطية المعهودة للديبلوماسية الإيرانية بابتسامة لا تفارقه بديلاً من التجهم الذي صاحب أسلافه من ولايتي الى خرازي الى متكي. يحظى بإعجاب جيل الشباب نظراً لاهتمامه بمظهره وحيويته الزائدة، ولنشاطه على مواقع التواصل الاجتماعي حيث يتابع صفحته على «الفايسبوك» أكثر من نصف مليون معجب، برغم الحظر الرسمي لهذا الموقع في ايران. كما يحظى بتأييد المثقفين نظراً لجمعه بين الثقافتين الإسلامية والغربية. وهو، في كل الأحوال، ابن الثورة وينتمي الى عائلة دينية معروفة، ومرضيّ عنه في وسط رجال الدين، لما يُعرف به على مستوى الالتزام الديني. ولقد منحته مؤخراً الحوزة الدينية في مدينة قم، وسام «خادم شرف للسيدة المعصومة» تقديراً لجهوده في حل الأزمة النووية. بينما تربطه بقائد الثورة علاقة وطيدة منذ أن كان هذا الأخير في رئاسة الجمهورية ويرافقه في زياراته الى الأمم المتحدة، حيث ينقل ناطق نوري، رئيس مجلس الشورى السابق، عن السيد الخامنئي قوله «إن السيد ظريف الذي تشاهدونه متديّن ملتزم بعمق».
جاء محمد جواد ظريف إلى وزارة الخارجية من مركز الدراسات الاستراتيجية التابع لمجلس تشخيص مصلحة النظام. كثيرون لم يتوقعوا أن يقع اختيار الرئيس الايراني على جواد ظريف لرئاسة الديبلوماسية الايرانية، باعتبار ان الأخير من اصحاب النزعة الإفراطية في الانفتاح على الغرب. فكان المتوقع أن يستبعد الرئيس روحاني - بوصفه يمثل الوسطية والاعتدال - من فريق عمله وحكومته، المفرطين في الانفتاح، كما المفرطين في التشدد. وكثيرون أيضاً توقعوا أن لا يحوز السيد ظريف ثقة مجلس الشورى ذي الغالبية المحافظة في جلسة منح الثقة للحكومة الايرانية. وذلك على خلفية اتهامه بالاندفاع نحو الغرب. علماً أنه خضع مؤخراً وخلال فترة وجيزة لأكثر من استجواب تحت قبة البرلمان. الأمر وصل لدى بعض النواب الى اتهامه بخيانة مصالح ايران في خضم المفاوضات النووية، فيما حمّله البعض الآخر مسؤولية ترتيب الاتصال الهاتفي بين اوباما وروحاني. غير أن الوزير «المدلل»، كما يحلو لبعض الايرانيين تسميته، يحظى بدعم غير محدود من قبل الرئيس روحاني الذي، كما يقول العارفون، يعتبر جواد ظريف في كفة وبقية وزرائه في كفة أخرى.
ترك جواد ظريف بصماته واضحة في معظم المحطات التفاوضية بين ايران والغرب. لم يغب منذ اواخر الثمانينيات حتى العام 2005 عن أهم مفاوضات بلاده مع الخارج. شارك في مفاوضات ايران مع العراق برعاية الامم المتحدة العام 1988 لتنفيذ القرار 598 الذي أنهى حرب الخليج الأولى. ويشيع بين الإيرانيين أن إليه يعود الفضل في تعديل القرار وتضمينه فقرة هامة حملت العراق مسؤولية الحرب وطالبته بدفع تعويضات لإيران بقيمة 97 مليار دولار. وشارك أيضاً أواخر الثمانينيات في مفاوضات ايرانية غربية للمساعدة على إنهاء أزمة الرهائن الغربيين في لبنان. كما نسب اليه في العام 2002 النجاح في تقليص الهوة بين طهران وواشنطن إزاء الأزمة الأفغانية وتقريب الرؤية بينهما حول «طالبان»، وذلك خلال مفاوضات في ميونيخ ضمن مؤتمر دولي حول افغانستان بمشاركة الولايات المتحدة. ثم كان حاضراً الى جانب الشيخ روحاني الذي كان كبير المفاوضين الايرانيين مع الترويكا الأوروبية حول ملف بلاده النووي. وحالياً، انتهى به الأمر ليصبح كبير المفاوضين الايرانيين مع السداسية الدولية، حيث تم للمرة الاولى التوصل الى تفاهم مبدئي حول هذا الملف.
ويرى كثير من الايرانيين أن جواد ظريف استطاع بحرفية مشهودة، ان يجسد مقولة «ليونة الأبطال» التي حددها قائد الثورة الاسلامية كإطار عام لحل مشكلة ايران النووية. فهو قد تحول في الداخل الإيراني الى بطل استطاع أن يربح معركة في أصعب حروب ايران الديبلوماسية. كما بات الغرب ينظر اليه بوصفه ممثلاً للاعتدال والعقلانية في السياسة الأيرانية. على أن أهمية الدور الذي لعبه الرجل في تفاهم جنيف الأخير تتعدّى المنجز النووي الى فتح الباب أمام مسار طبيعي من العلاقات، في مختلف المجالات، بين إيران والغرب.
ويذهب مراقبون ايرانيون إلى القول إن وجود ظريف في مفاوضات جنيف النووية هو بحد ذاته عامل أساسي ساعد في الوصول الى اتفاق حول مشكلة ايران النووية. وذلك الى جانب عوامل أخرى ولدت رغبة متبادلة بين الجانبين الإيراني والغربي لحل هذه المشكلة. فالرجل عاش أكثر من نصف حياته في الولايات المتحدة، حيث تعلّم وعمل ديبلوماسياً وخبر طريقة تفكير الإدارات الأميركية المتعاقبة، الى حد يمكن القول معه إن لدى الوزير ظريف القدرة على مقاربة المصالح الايرانية بعقلية أميركية، بمعنى انه قادر على تقديم رؤية بلاده بطريقة يتفهمها الأميركي ويتقبلها.
ومع أن تفاهم جنيف النووي لم يكن خارج سياق مسار طويل من المفاوضات السابقة، وحيث لا يمكن إنكار أن تشدد المفاوضين الايرانيين السابقين قد ساعد طهران في الحصول على حقوقها ولعبة شراء الوقت، فإن ديبلوماسية ظريف قد حصدت النجاح، حيث لم يكن ليتوقع أحد أن تنجح هذه الديبلوماسية في وضع أزمة بلاده النووية على سكة الحل في ثلاث جولات من المفاوضات، خلال ثلاثة أشهر، بعد عشرات الجولات التفاوضية على مدى أكثر من عشر سنوات.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018