ارشيف من :أخبار لبنانية

الطريق إلى «جنيف - 2» ... المتشدِّدون يتقدَّمون

الطريق إلى «جنيف - 2» ... المتشدِّدون يتقدَّمون

غسان جواد - صحيفة "الجمهورية"

في الطريق الى مؤتمر الحل السياسي لسوريا في «جنيف ـ 2»، تظهر جملة من الاشارات التي لا بدّ من وضعها في سياقاتها السياسية، للإستنتاج أنّ المجتمع الدولي والقوى المعنية بالملف السوري باتت اقرب الى التسليم ببقاء الرئيس السوري بشار الاسد على رأس الدولة السورية في المرحلة المقبلة، لأنّ كلّ السيناريوهات الأُخرى ستؤدي الى افتتاح مسارات سياسية وعسكرية خطيرة.

وفي هذا الاطار يأتي كلام المدير السابق لوكالة المخابرات المركزية الأميركية (سي. آي. إيه) مايكل هايدن، الذي حذّر من تفتت الدولة السورية، معتبراً أنّ انتصار الأسد سيكون الحلّ الأنسب والأقل ضرراً بين ثلاثة سيناريوهات "مرعبة جداً جداً" لن تحقق المعارضة فيها أيّ انتصار.

والأخطر في كلام هايدن، قوله "إنّ الاتجاه العام للوضع في سوريا يسير نحو تفتت البلاد بين فصائل متخاصمة، وهذا يعني أيضاً نهاية سايكس- بيكو"، في إشارة إلى تأثير ذلك في كل دول المنطقة المجاورة ولا سيما منها لبنان والأردن والعراق".

اهمية هذا الكلام الاميركي الآن، تكمن في كونه يصدر عن مسؤول اميركي أمني سابق، وخبير في شؤون المنطقة. والتحذير الذي اطلقه يأتي رغم كل المحاولات التي بذلها بعض الدول العربية والاقليمية لطمأنة الاميركيين والمجتمع الدولي الى مستقبل سوريا بعد الاسد.

في حين انّ الوقائع الميدانية، والعمل الدؤوب الذي تقوم به الجماعات المسلحة، يفضي الى ما استنتجه المسؤول الاميركي من أنّ سوريا معرضة لخطر التقسيم والفرز المذهبي الذي سيعكس نفسه تلقائياً على دول الجوار. والاخطر من كل ذلك استمرار الحرب بنحو عبثي ونجاح بعض الدول الاقليمية، ومنها السعودية وإسرائيل، في تحويلها حرباً مذهبية تزيد التشدد وتسقط أيّ شكل من أشكال الإعتدال في المنطقة.

ليس تفصيلاً أن تتقدم القوى الإسلامية المعارضة والمتشددة في شمال سوريا. سقوط "الجيش الحر" بما يرمز اليه من ابعاد سوريّة داخلية امام ضربات التكفيريين، يعني أنّ ثمّة من يعمل على "تقويض" التسوية السياسية، وضرب الطرف السوري المعارض القادر أو الراغب في انجازها.

وفي حين أنّ الاجهاز على النظام وإسقاطه قد فشل من خلال السيناريو الذي شهدته سوريا في السنوات الثلاث الماضية، تتجه الدول الراعية لـ"الثورة" الى تمكين المتشددين على الأرض وانهاء المعتدلين نسبياً واضعافهم، حتى تصبح المعادلات مختلفة بكاملها من الآن وحتى كانون الثاني المقبل على ابواب انعقاد مؤتمر "جنيف ـ 2".

من البديهي أن يفشل "جنيف ـ 2" أو أن يؤجل في ظل الوقائع التي تُرسم اليوم على الارض. صحيح أنّ النظام قلب موازين القوى العسكرية على الارض لمصلحته، لكنه يواجه الآن عصابات من النوع الذي لا يقاتل بهدف السياسة او تحسين الشروط التفاوضية، بمقدار ما يقاتل عبثياً.

وقد ينعقد هذا المؤتمر شكلاً، لكنه لن ينجح في انهاء النزاع السوري، والفشل هنا سيتخذ اشكالاً عنفية غير مسبوقة، ويعيد الأزمة بنحو اقسى الى الميدان، ويفتتح مرحلة دموية جديدة كالتي بدأت تصدر عن الجماعات المسلحة، وكان آخرها مجزرة مذهبية موصوفة في منطقة "عدرا" في ريف دمشق.

ربما الوضع أمام فرصة أخيرة للقوى المتضررة من مناخات التسوية، ولكنّ ترك الأرض لاحتمالات التشدد والتطرف وإرضاء المتضررين الاقليميين، يعيد الى كلام هايدن عن "الخيارات الصعبة" والخطيرة امام المجتمع الدولي في سوريا.

التقسيم والتفتيت ليس قدراً، والجيش السوري الذي يقاتل التقسيم منذ ثلاث سنوات حتى الآن سيستكمل المعركة مع الحلفاء، ولن يسلّم بهذا السيناريو. لكنّ استمرار الحرب يعني مزيداً من الدمار والدماء ووضع المشرق العربي امام اختبار لا قدرة لدوله وشعوبه على استيعابه اليوم.
2013-12-14