ارشيف من :أخبار لبنانية
آية الله فضل الله: أميركا تتغيّر وتحاول نسج تحرّك يُعيد إنتاج مشروعها في المنطقة
أبدى العلامة آية الله السيد محمد حسين فضل الله، خشيته من أن تكون الإدارة الأميركية قد أوكلت إلى بعض الدول العربية مهمة ترويض الفلسطينيين بحجة أن ابتعادهم عن التسوية الجديدة سيجعلهم يدفعون أثماناً مضاعفة.
وأكد أن أمريكا ـ الإدارة لا تعيش في داخلها أية حالة عطف تجاه الفلسطينيين ولكنها تحاول تلمّس طريق تدخل من خلاله إلى المشاعر العربية والوجدان الإسلامي، ولكي تنسج تحركاً سياسياً يعيد إنتاج مشروعها في المنطقة.
وأشار إلى عدم وجود أفق يحمل تبدلات وتحولات عميقة في السياسة الأميركية حيث لا تزال التزاماتها لإسرائيل على حالها في الوقت الذي تتلو المزيد من الأشعار على الآذان العربية المستمعة والأيدي المصفقة والأفواه الهاتفة.
أدلى سماحته بتصريح تناول فيه الحديث عن تسويةٍ قادمةٍ في المرحلة القادمة، وجاء في تصريحه:
يتصاعد الحديث في هذه الأيّام عن خطة أميركية للحل، وعن مؤتمر دولي قادم على غرار مؤتمر مدريد... وينشغل العالم العربي أكثر من غيره فيما يعتبره البعض تحولاً درامياً في السياسة الأميركية، فيما يذرف البعض شيئاً من الدموع على حكومة العدو، زاعماً أنها باتت أمام امتحان صعب، لأن الضغوط الأميركية عليها جعلت الهامش الزمني والسياسي أمامها ضيقاً وصعباً.
وفي أجواء هذا التصفيق العربي، وربما الإسلامي، الذي لم ينتهِ فصولاً منذ إلقاء الرئيس الأميركي "أوباما" خطابه في جامعة القاهرة، وفي ظل الحركة المكوكية لمبعوثه إلى المنطقة، ندعو العرب والمسلمين على مستوى الشعوب إلى عدم الاستغراق كثيراً في التفاؤل، وإلى الحذر الشديد، حتى لا نلدغ من الجحر الأميركي مجدداً، فالإدارة الأميركية الجديدة لم تقدم إلى شعوبنا، وخصوصاً الشعب الفلسطيني، أي شيء، باستثناء الخطابات التي برز فيها الرئيس الأميركي كنجم لامع في العالم العربي والإسلامي، كما كان نجماً في خطاباته الأميركية الداخلية في مرحلة ما قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية وما بعدها.
إننا نعتقد أن الولايات المتحدة الأميركية لا تزال تعيش في مأزق كبير على مستوى المنطقة، لأنها ترى أن الطريق قد سُدّ أمامها فيما يتّصل بطموحاتها الإمبراطورية، ولذلك، فهي في الوقت الذي تحاول الدخول إلى قلوب العرب والمسلمين تفتش عمّا يُعيد سمعتها ودورها وحركتها، بعدما أرهقت سياسة بوش وأفكاره هذه الحركة وهذا الدور، وجعلته ينكمش على المستوى الاقتصادي والسياسي وغيره في الداخل والخارج.
إن جل ما تطمح إليه الإدارة الأميركية هو كسب المزيد من الوقت، حتى تستطيع أن تتماسك في حركتها الاقتصادية الداخلية، فتعيد الاعتبار إلى دورها السياسي العالمي الذي يحتاج إلى انطلاقة جديدة من قلب المنطقة العربية والإسلامية، ولا حاجة بعدها إلى كثير من الجهد على المستوى الأوروبي لأن دول الاتحاد الأوروبي ظهرت ـ حتى في عز الأزمة الاقتصادية التي كادت أن تطيح بالنظام الأميركي وبكثير من أسسه ـ أنها لا تزال تبحث عن نفسها، وأنها تهرول خلف الولايات المتحدة الأميركية حيثما ذهبت، ولا ترى لنفسها وحركتها استقلالاً عن الحركة الأميركية، وخصوصاً في المسائل الكبرى التي تتصل بقضايا الشعوب في العالم، وعلى رأسها قضيّة الشعب الفلسطيني، وملف الشرق الأوسط بتراكماته المتعددة التي تصل إلى الملفّ النوويّ الإيراني السلمي وما يجاوره.
إنّنا نريد للعرب والمسلمين أن يستفيدوا من تجاربهم السّابقة ومن تجارب الآخرين، وخصوصاً الإدارات الأميركية التي شهدنا في السابق تلويحاً من بعضها بقطع المساعدات عن كيان العدو، ثم تجميداً لهذه المساعدات في عهد بوش الأب، ولكن ما لبثت أمريكا أن عادت إلى إسرائيل، فأفرجت عن المساعدات وزادتها، ونزلت عند رأي العدو وشروطه المستجدة، فأخضعت عملية التسوية في الشكل والمضمون لشروط العدو الذي عرف كيف يستفيد من الوقت لمحاصرة الانتفاضة الفلسطينية في الداخل، وتكثيف حركة الاستيطان بما قطّع أوصال الضفة، وجعل الفلسطينيين يعيشون وسط جحيم لا يطاق... ونحن عندما نستمع في هذه الأيام إلى كلمات تتحدث عن تجميد الاستيطان، ندعو الفلسطينيين والعرب والمسلمين إلى عدم تفريغ ذاكرتهم من كل ما جرى عليهم في العشرين سنة الماضية، وخصوصاً أن المبعوث الأميركي إلى المنطقة يتحدث بلغة حاسمة بأن الخلافات التي تحصل بين إدارته وكيان العدو إنما هي خلافات بين حلفاء.
إننا نحذّر من أن الإدارة الأميركية قد وزّعت المهامّ على بعض الجهات العربية، لتنطلق بعض الدول العربية في مهمّةٍ جديدة تبدأ بترويض الفلسطينيين بحجّة أنّ ابتعادهم عن خطوط التسوية الجديدة سيجعلهم يدفعون الأثمان مضاعفةً، ولتنطلق عجلة التفاهمات الداخلية تحت وابل من الضغوط التي بدأت ترسم منذ الآن سقف الوضع الفلسطيني، وسقف التوقعات التي يمكن أن يحصلوا عليها، ومن الواضح أن ثمة من يريد للفلسطينيين أن يتوحدوا في سياق الاستعداد لمصالحة العدو، لا لاستجماع قوتهم واستعادة تماسكهم وبناء مشروعهم السياسي المتكامل.
إن علينا أن نعرف أن أميركا الإدارة لا تعيش في داخلها أية حالة عطف تجاه الفلسطينيين، ولا تستشعر مأساتهم وأوضاعهم الصعبة والمعقدة، ولكنها تلتمس طريقاً تدخل عبره مجدداً إلى المشاعر العربية والوجدان الإسلامي، لكي تنسج من خلاله تحركاً سياسياً يعيد إنتاج مشروعها في المنطقة، ويمكّنها من استعادة بريقها العالمي، ولذلك فإن شيئاً ما على مستوى العمق السياسي لم يتغير في الولايات المتحدة الأميركية فيما يخص القضايا العربية والإسلامية، أما على مستوى الأسلوب والشكل، فقد استطاعت هذه الإدارة بأنّ تبدد الصورة الكريهة لأمريكا في المنطقة. ولكن ما تطلبه شعوبنا العربية والإسلامية من أوباما يتجاوز التغيير في الشكل أو تبديل الصورة والقناع بصورة أخرى وقناع آخر، لأننا لا نشعر أن ثمة أفقاً يحمل تبدّلات وتحولات في السياسة الأميركية في المنطقة، حيث لا تزال التزاماتها تجاه إسرائيل حيث هي في الوقت الذي تتلو المزيد من الأشعار الدبلوماسية على الآذن العربية المستمعة وأمام الأيدي المصفقة والأفواه الهاتفة.
إن علينا أن نراقب حجم الحركة الأميركية، والمدى الذي ستبلغه فيما يُتحدّث عنه من الضغط على إسرائيل، لأننا نخشى أن تكون مهمة أوباما هي تلميع صورة أمريكا، لا أن تتبدّل وتتغيّر على مستوى سياستها الخارجية، وعلى مستوى تعاطيها مع قضايانا وشعوبنا.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018