ارشيف من :ترجمات ودراسات
نلسون مانديلا... خيانة بطل
بقلم هنريك باتريك
عن موقع overblog
14 كانون الأول / ديسمبر 2012
في أربع أقطار المعمورة، يحتل نلسون مانديلا موقع البطل الأسطوري الذي ناضل ضد العنصرية والفصل العنصري بكل قوته، الأمر الذي أدى به إلى قضاء ما يقل قليلاً عن 28 عاماً خلف القضبان لينتصر في النهاية مع إطلاق سراحه ومشاركته النشطة في إلغاء نظام الفصل العنصري، قبل أن يصبح أخيراً رئيس ذلك البلد الذي كان سجيناً فيه.
صورته هي صورة الرجل الشجاع والطيب والعنيد الذي تبخره جميع النخب (الغربية، خصوصاً) التي تنتمي إلى جميع التيارات الاجتماعية ـ الديموقراطية والجمهورية التي تؤسس سياستها الاقتصادية على الرأسمالية المعولمة والمضاربة والمتطرفة في الليبرالية... ومن هنا، على وجه التحديد، يجب أن يولد الشك. لماذا يجري تسليط كل هذه الأضواء على رجل كافح من أجل خير شعبه من قبل أولئك الذين يهيمنون على العالم ولا هدف لهم غير الإثراء عبر نهب فائض القيمة المستخلص من ثروات ذلك الشعب نفسه ؟ لماذا كل هذا الإجماع؟ هنالك أمر مريب عند ذلك الشخص المميز المحاط بحجاب من الأسرار. سنحاول أن نرى بوضوح أكبر في هذه المقالة.
بدايات مانديلا وتاريخه داخل حركة المقاومة في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي
ولد نلسون مانديلا في 18 تموز / يوليو 1918 في ترانسكي بإفريقيا الجنوبية. وهو ينتمي إلى الأسرة الملكية في قبيلة التيمبو. حصل على دبلوم في الحقوق عام 1942 والتحق، في الفترة نفسها، بصفوف المؤتمر الوطني الإفريقي، وهو حزب سياسي تم تأسيسه عام 1912 للدفاع عن مصالح الأكثرية السوداء في وجه الأقلية البيضاء. وقد أقام المؤتمر الوطني علاقات مع الحزب الشيوعي في جنوب إفريقيا اعتباراً من العام 1930. وفي العام 1944، قام كل من نلسون مانديلا ووالتر سيزولو وأوليفرتامبو بتأسيس رابطة الشبيبة داخل المؤتمر الوطني الإفريقي. وكانت الرابطة أكثر جذرية من المؤتمر الوطني لجهة طريقتها في التعبير، حيث كانت تحبذ المظاهرات الحاشدة الهادفة إلى فرض التراجع على السلطة السياسية التي يتمتع بها البيض. وفي العام 1948، العام الرهيب، جاءت المفاجأة مع فوز الحزب الوطني في الانتخابات التي كان يجريها البيض تحت شعارات الخوف من "الخطر الأسود" وبرنامجهم المعروف باسم "ليبق الزنجي في مكانه". وعلى الفور، شرع رئيس الوزراء، الدكتور دانيال مالان، وهو قس ينتمي إلى الكنيسة الهولندية البروتستانتية، يبني لبنة لبنة وقانوناً تلو قانون جدار "الفصل العنصري الكبير" بدلاً من "الفصل العنصري الهزيل" الذي كان سائداً حتى ذلك اليوم. كلمة آبارتهايد (فصل عنصري) مأخوذة من لغة الآفريكانز (لغة متفرعة عن اللغة الهولندية) وتعني "الفصل". المهم أن هذا النظام الذي ظل مطبقاً في إفريقيا الجنوبية حتى العام 1994 كان يقضي بالتمييز الذي يستهدف الملونين (السود، المهجنين، الهنود).
وعلى هذا الأساس استقر النظام العنصري في جنوب إفريقيا خلال الفترة الممتدة من العام 1948 إلى العام 1992. كانت جميع مناحي الحياة اليومية مقننة تماماً من خلال مجموعة من القوانين البالغة الدقة والخاصة بكل مجموعة سكانية وصولاً إلى البيض المقسمين بدورهم بحسب انتمائهم إلى هذه أو تلك من الجماعات العرقية.
وكان على كل مواطن أن يحمل بطاقة هوية تحدد انتماءه العرقي. وقد استندت هذه السياسة أيضاً إلى مسألة مكافحة الشيوعية (تم منع الحزب الشيوعي عام 1950 والتحق أعضاؤه بالمؤتمر الوطني الإفريقي ليحصلوا بذلك على الشرعية من الناحية الإيديولوجية في نظر العالم).
من هنا أصبح تحرك المؤتمر الوطني الإفريقي أشد زخماً؛ وفي العام 1949، تمكن الشباب الأكثر حماسة الذين شكلوا " رابطة شبيبة المؤتمر الوطني الإفريقي"، تمكنوا من السيطرة على المراكز القيادية في المؤتمر الوطني الإفريقي. وشيئاً فشيئاً، أصبحت الحركة أكثر قوة في صفوف السكان. وفي العام 1952، حققت حملة التحدي الي اتخذت لنفسها اسم "لا لاحترام قوانين الفصل العنصري" والتي استمرت لبضعة أشهر، حققت نجاحاً كبيراً جداً، إلى درجة أن الشرطة قامت باعتقال نلسون مانديلا في 30 تموز / يوليو 1952. وحكم عليه مع آخرين من الرفاق بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة تسعة أشهر، ولكن هذا الحكم بقي دون تنفيذ خلال عامين. ربما لأن نلسون مانديلا يشكل خطراً في نظر السلطة. وفي الفترة نفسها، كانت النواة القيادية في المؤتمر الوطني الإفريقي تهيئ نفسها لاحتمال منعها ودخولها، تبعاً لذلك، في العمل السري لا في النضال المسلح وإن كان منديلا قد بدأ بالتفكير بذلك في مقابلة حكم البيض الذي كان يتحول نحو المزيد والمزيد من العنف. كان البيض يفكرون يومها بتدمير صوفيا تاون، ذلك الحي المتمرد في ضاحية جوبورغ. وفي مقابل هذا الخطر، لم يلبث مانديلا أن أكد أن عصر المقاومة السلبية قد انتهى وأن اللاعنف هو استراتيجية عقيمة ولا يمكنها أبداً أن تسقط حكم الأقلية.
ولم يكن مانديلا مخطئاً في ذلك لأن صوفيا تاون تم محوها عن الخارطة في 9 شباط / فبراير 1955 رغم المقاومة التي أبداها السكان. لكن هؤلاء السكان حملوا انتفاضتهم معهم إلى مدينتهم الجديدة التي أطلقوا عليها اسماً بحسب موقعها الجغرافي : مدينة الجنوب الغربي، أي سوويتو.

نلسون مانديلا ..
وفي هذه الأجواء، أقر المؤتمر الوطني الإفريقي في 25 و26 حزيران / يونيو 1955 "إعلان الحرية" الذي جاء بمثابة بيان سياسي حقيقي على المدى البعيد. فللمرة الأولى، لم يكتف المؤتمر الوطني الإفريقي بتوجيه الانتقاد لقوانين الفصل العنصري، بل اقترح إقامة إفريقيا جنوبية ديموقراطية وغير عنصرية. وهنا، صدر عن السلطة رد فعل جديد. كان ذلك تجاوزاً للحدود بالنسبة لسلطة حاكمة عمدت إلى ممارسة العنف بأشكال متزايدة الشدة.
من هنا، حدث في 5 كانون الأول / ديسمبر 1955، أن وجهت تهمة الخيانة العظمى في سوويتو إلى مانديلا و95 عضواً آخر في المؤتمر الوطني الإفريقي. وهكذا، وجد هؤلاء أنفسهم عرضة لأن تنفذ بحقهم أحكام بالإعدام. وفي العام نفسه، أقيمت الدعوى المسماة "دعوى الخيانة" التي استمرت طيلة خمس سنوات حتى 29 آذار / مارس 1961. وفي هذه الأثناء، وقع حدث كبير سيكون من شأنه تغيير وجه إفريقيا الجنوبية على المستوين الداخلي والخارجي.
تمثل ذلك الحدث بمجزرة شاربفيل التي وقعت في 21 آذار / مارس 1960. ففي تلك المدينة الصغيرة الواقعة على بعد 50 كيلومتراً إلى الجنوب من جوهانسبرغ، فتح رجال الشرطة النار على المتظاهرين وسقط 69 قتيلاً. وقد أدانت الأسرة الدولية هذا التصرف، وأقر عدد من الدول عقوبات بحق جنوب إفريقيا. وفي العام 1960 نفسه، تم في أعقاب مجزرة شاربفيل حظر المؤتمر الوطني الإفرقي وغيره من تنظيمات السود.
وفي هذه الأثناء، تحولت "دعوى الخيانة" إلى مناسبة لبروز المتهمين. وأصبحت محكمة بريتوريا نوعاً من منبر دائم للمؤتمر الوطني الإفريقي. وأكثر من مرة، تمكن محامو الدفاع من وضع هيئة المحكمة في أوضاع مثيرة للسخرية. وترددت أصداء ذلك كله في الصحافة العالمية. وهكذا، فضلت السلطة الحاكمة وضع حد لهذا النزيف عندما أصدر القاضي رومبف حكمه ببراءة المتهمين وإخلاء سبيلهم. وخرج نلسون مانديلا من المحكمة متمتعاً بكامل حريته، لكن دخل مباشرة في العمل السري.
وفي حزيران / يونيو 1961، عقد المؤتمر الوطني الإفريقي اجتماعاً سرياً كان واحداً من أهم الاجتماعات التي عقدها في تاريخه. فبناءً على اقتراح قدمه مانديلا، وبعد ساعات من النقاشات الصاخبة، قررت الحركة المضادة للفصل العنصري خوض النضال المسلح وأقرت إنشاء تنظيم عسكري. وقد أطلق على ذلك التنظيم الذي تزعمه مانديلا اسم "رأس حربة الأمة". وكان مقره في مزرعة ليليسليف في ريفونيا، وهي ضاحية ريفية تقع إلى الشمال من جوهانسبورغ.
وفي تلك المزرعة، قرأ مانديلا كتاب "حول الحرب" لمؤلفه فون كلاوسفيتس، وكتاب "ثورة إسرائيل" لمؤلفه مناحيم بيغين. وقام بجمع الوثائق حول جيوش حرب العصابات في كينيا والجزائر والكامرون، قبل أن ينتقل إلى العمل الميداني عام 1962، حيث قام بتصنيع متفجرات وبدأ بقيادة العمليات العسكرية الأولى.
وفي 5 آب / أغسطس 1963، تم اعتقال مانديلا بوشاية من جيرانه. كان يومها في الأربعين من عمره. وخلال محاكمته في قاعة يلفها الصقيع والصمت، أطلق مانديلا تصريحاً مدوياً. "طيلة حياتي، كرست نفسي بشكل كامل للنضال من أجل الشعب الإفريقي. ناضلت ضد هيمنة البيض كما ناضلت ضد هيمنة السود. مثالي الأعلى والأغلى كان الوصول إلى مجتمع حر وديموقراطي يمكن فيه للجميع أن يعيشوا بانسجام وأن يتمتعوا بحظوظ متكافئة. آمل أن أعيش بما يكفي لتحقيق هذا الهدف. ذلكم أمر ضروري. إنه مثال أنا مستعد للموت في سبيله".
حكم عليه يومها بالسجن لمدى الحياة، وأمضى في السجن أقل قليلاً من 28 عاماً. أما المؤتمر الوطني الإفريقي فقد تم تدميره بشكل كامل.
سنوات السجن والمفاوضات في الخفاء وإطلاق سراح مانديلا
سعى مانديلا خلال السنوات الـ 28 التي قضاها في السجن إلى مواصلة النضال إيديولوجياً من خلال النقاشات السياسية مع السجناء. كما سعى خصوصاً إلى الاستمرار في إقامة الاتصال مع الخارج بمساعدة قدمها له سجين من سجناء الحق العام يحمل لقباً هو "عزيزي جو". وكان هذا السجين يهرب رسائل من السجن وإليه. وخلال تلك الفترة، كانت حكومة جنوب إفريقيا تركز على مكافحة الخطر الشيوعي وتستفيد من لامبالاة الأسرة الدولية بل حتى من دعم الولايات المتحدة و"إسرائيل" ودول أخرى. وكانت حكومة جنوب إفريقيا قد استفادت من هذا المناخ اعتباراً من العام 1959 في تعزيز سياستها الخاصة بالبانبوستانات الهادفة إلى اقتلاع السكان السود الذين كانوا يعيشون بغالبيتهم في المدن لإلقائهم من ثم بحسب توزعهم العرقي في أراض أطلق عليها اسم "بانبوستانات".
وقد تمتعت هذه الأراضي فيما بعد باستقلالية متزايدة. وكان ذلك وسيلة لتقليص بعض ما كان السود في إفريقيا الجنوبية ما زالوا يتمتعون به من حقوق. واعتباراً من العام 1970، قررت السلطة سحب الجنسية الجنوب إفريقية من جميع الأشخاص الذين يعيشون في البانبوستانات. وكان الهدف من وراء ذلك واضحاً تماماً : يجب ألا يبقى شخص أسود واحد في إفريقيا الجنوبية.
ثم تفجرت الانتفاضة في سوويتو عام 1976. وكانت هذه الانتفاضة عبارة عن مظاهرة نظمها فتيان سود في إفريقيا الجنوبية في 16 حزيران / يونيو احتجاجاً على إلزامية التعليم الحصري بلغة الآفريكانز. وقد خرجت عن كونها مجرد مظاهرة عندما قوبلت بإطلاق النار من قبل الشرطة. كانت الحصيلة الرسمية 23 قتيلاً و 220 جريحا. لكن الحصيلة الفعلية بقيت غير معروفة. وهناك من يتحدث عن قتلى بالمئات، حيث ذكر الرقم 575 قتيلاً منهم 570 من السود!.

عناوين الصحف تنعى مانديلا
وبذلك سنحت الفرصة لأواخر أعضاء المؤتمر الوطني الإفريقي المنفيين إلى الخارج، فأخذوا يرسلون ناشطين لدعم حركة الاحتجاج ضد نظام البيض، ما سمح لأعضاء جدد بالانخراط في العمل المسلح. واعتباراً من العام 1977، تكاثرت أعمال التخريب التي قام بها هؤلاء وكان بعض هذه الأعمال دموياً. ثم عمت الانتفاضات في جميع المناطق التي يسكنها السود وكان من تداعيات ذلك على مستوى الرأي العام العالمي أنه أجبر الأمم المتحدة على فرض حظر على تصدير السلاح إلى إفريقيا الجنوبية. وبالمقابل، اشتدت وتيرة القمع من قبل الحكومة، ورافق ذلك العديد من حملات الاعتقال.
وخلال الثمانينيات، استمر اللهيب بالتوسع كما استمرت الاحتجاجات على الصعيد الدولي ما أدى إلى الدعوة إلى مقاطعة إفريقيا الجنوبية على غرار ما تفعله الآن حركة BDS (مقاطعة، لا استثمار، عقوبات) إزاء "إسرائيل". فوق ذلك، ومع الانهيار الذي كان قد أصبح يقينياً للاتحاد السوفياتي، لم يكن بمقدور حكومة جنوب إفريقيا أن تستمر إلى ما لا نهاية باستخدام الفزاعة الشيوعية لشرعنة سياستها العنصرية.
ثم إن انطلاق النظام العالمي الجديد على نمط الديموقراطية الليبرالية وضع المسؤولين في إفريقيا الجنوبية أمام خيار السعي من أجل البقاء... كانت حكومة البيض قد أصبحت منهكة ومعزولة على الصعيد الدولي، وكان كل همها قمع التجمعات المناهضة للنظام في المناطق التي يقطنها السود. لكن التاريخ يسير إلى الأمام ولا بد من إيجاد حل لتأمين خروج آمن.
وفي ظل هذا الوضع تم نقل نلسون مانديلا إلى سجن بولسمور حيث استفاد من "معاملة تفضيلية". كانت استراتيجية الحكومة قد أصبحت واضحة في 31 كانون الثاني / يناير 1985. ففي ذلك اليوم، اقترح رئيس الوزراء ب. بوغا إطلاق سراح السجين السياسي صاحب أطول فترة سجن في العالم بشرط أن ينبذ "العنف السياسي بشكل كامل". لكن مانديلا رفض ذلك من غير أن يحول ذلك دون الشروع في مفاوضات ظلت سرية ولا نعلم حتى اليوم ما الذي جرى التفاوض عليه فيها ( على ما كان يقوله غباغبو). تستثنى من ذلك بعض التفاصيل كرفض مانديلا لفكرة تمتع الأقلية البيضاء بحث الفيتو في المؤسسات المستقبلية. وبين العامين 1988 و1989، تسارعت وتيرة المفاوضات، وتنحى بوتا ليخلفه فريدريك دو لوكليرك في آب / أغسطس 1989 في منصب رئاسة دولة إفريقيا الجنوبية. وفي تلك الفترة سقط جدار برلين، ولم يعد بمقدور حكومة الفصل العنصري الزعم بأنها تحارب المؤتمر الوطني الإفريقي بهدف الحيلولة دون توسع النفوذ السوفياتي نحو إفريقيا الجنوبية. وبذلك، باتت إفريقيا الجنوبية في الجانب السيئ من التاريخ، وصار عليها أن تتصرف بسرعة.
وفي هذه الأجواء، أعلن فريدريك دو لوكليرك، بتاريخ 2 شباط / فبراير 1990، إطلاق سراح مانديلا وإنهاء الحظر على المؤتمر الوطني الإفريقي. وفي 11 شباط / فبراير، قطع مانديلاً سيراً على قدميه الأمتار الأخيرة في مسيرته "الطويلة نحو الحرية".
نهاية نظام الفصل العنصري والمجد للرئيس
بدأت المفاوضات الدستورية حول مستقبل إفريقيا الجنوبية بين المؤتمر الوطني والحكومة والحزب الوطني والتنظيمات الأخرى التابعة للسود أو المحافظة. وحل مانديلا محل تامبو في قيادة المؤتمر الوطني عام 1991. وخاض المفاوضات المفتوحة مع الحزب الوطني الذي يقوده دولوكليرك من أجل الخروج من نظام الفصل العنصري. وتم إلغاء هذا النظام في حزيران / يونيو 1991. وتمت المصادقة النهائية من قبل على إلغائه في آذار / مارس 1992، وكذلك على جميع الإصلاحات الدستورية التي تم التفاوض بشأنها.
وفي كانون الأول / ديسمبر 1993، منحت جائزة نوبل إلى كل من فريدريك دو لوكليرك ونلسون مانديلا.

مانديلا يؤدي اليمين الدستورية بعد فوزه في الانتخبات الرئاسية
وفي 27 نيسان / أبريل 1994، جرت أول انتخابات متعددة الأعراق في تاريخ البلاد وسجل المؤتمر الوطني الإفريقي فوزاً ساحقاً فيها (65 بالمئة من الأصوات). وانتخب رئيس المؤتمر، نلسون مانديلا، رئيساً للجمهورية من قبل البرلمان الجديد بعد أن فاز المؤتمر الوطني في سبع مقاطعات من أصل تسع. واحتفظ مانديلا بمنصب الرئاسة حتى العام 1999، ولم يرشح نفسه لولاية ثانية.
ولكن... لماذا اخترنا هذا العنوان : "خيانة بطل"؟
بالنظر إلى سيرة مانديلا، كل شيء يبعث على الظن بأنه يستحق صفته كبطل، وهذا ما لا أنفيه أبدأً.
فمانديلا كان رجلاً عظيماً ناضل من أجل قضية سامية. لكن يكفي أن نلاحظ ما آلت إليه حال إفريقيا الجنوبية اليوم لنفهم خيانته.
فما نلاحظه اليوم هو أن إفريقيا الجنوبية قد تحولت، بعد 16 عاماً من الديموقراطية، إلى رائدة على الصعيد العالمي لعدم المساواة : السكان السود الذين يشكلون 80 بالمئة من مجموع السكان لا يمتلكون غير 5 بالمئة من الثروات. قسم ضئيل جداً من الأراضي الزراعية (3 بالمئة) التي يمتلكها أصحاب المزارع البيض تم تسليمها إلى السود منذ العام 1994. هذا يظهر أننا بعيدون عن الوعود بالمساواة.
والنتيجة لا تقبل المراجعة: لم يوجه الاتهام مطلقاً إلى النظام الاقتصادي، وتوجيه الاتهام إلى النظام العرقي لم يسمح إلا لأقلية سوداء بالتبرجز وبالالتحاق بكبار البورجوازيين البيض لجهة الدفاع عن مصالحهم الاجتماعية.
أما مانديلا، فقد أصبح بطل النخب الرأسمالية في أنحاء العالم (من هنا يأتي الإجماع على بطولته التي فرضتها وسائل الإعلام التي تسيطر عليها تلك النخب). فمانديلا لم يمد يده إلى ثروات الرأسماليين وترك إفريقيا الجنوبية تواصل هروبها إلى الأمام نحو الرأسمالية المعولمة الأشد عنفاً بحق الشعب الفقير.
وإذا كان مانديلا لم يعلن عن تفاصيل المفاوضات التي سبقت إطلاق سراحه، فإن ذلك يعود بالتأكيد إلى كونه قد قبل بيع نضاله (عن رضى أو عن عدم دراية) وبيع شرعيته وشعبه لأسوأ الحيتان من الرأسماليين والمتمولين في مقابل إلغاء النظام العنصري. إنه من غير الممكن، في إطار مجتمع يعتمد النموذج الرأسمالي، محو عقود من اللامساواة الاجتماعية المستندة إلى التباينات العرقية. ذلك أمر لا معنى له على الإطلاق بالنظر إلى كون الرأسمالية تولد المزيد والمزيد من اللامساواة. كان من الضروري فرض مجتمع اشتراكي وعادل يتمتع فيه الشعب بالخيرات المتحصلة من القيمة المضافة كي يكون من الممكن لشعب إفريقيا الجنوبية أن يستفيد من خيرات بلاده بالشكل الذي نشهده في فنزويلا هيغو شافيز (الذي يشيطنه الغرب لأنه يمس المواضع التي تحدث ألماً).
لنكن واضحين، فمانديلا ليس في النهاية لا لومومبا ولا سانكارا اللذين تم قتلهما بسبب سياستهما المنحازة إلى الشعب الذي انتخبهما بالرغم مما تفرضه مصالح الحيتان الرأسماليين والإمبرياليين. إفريقيا الجنوبية التي جاء بها مانديلا أصبحت أناساً من السود يطلقون النار على أناس من السود. أناس من السود يعيشون في بؤس اشد مما كان عايه زمن الفصل العنصري لدرجة أنهم يتحسرون على ذلك الزمن. وأصحاب مزارع من البيض المتخمين. إلغاء نظام الفصل العنصري هو عملية نصب سقط ضحيتها شعب إفريقيا الجنوبية.
عن موقع overblog
14 كانون الأول / ديسمبر 2012
في أربع أقطار المعمورة، يحتل نلسون مانديلا موقع البطل الأسطوري الذي ناضل ضد العنصرية والفصل العنصري بكل قوته، الأمر الذي أدى به إلى قضاء ما يقل قليلاً عن 28 عاماً خلف القضبان لينتصر في النهاية مع إطلاق سراحه ومشاركته النشطة في إلغاء نظام الفصل العنصري، قبل أن يصبح أخيراً رئيس ذلك البلد الذي كان سجيناً فيه.
صورته هي صورة الرجل الشجاع والطيب والعنيد الذي تبخره جميع النخب (الغربية، خصوصاً) التي تنتمي إلى جميع التيارات الاجتماعية ـ الديموقراطية والجمهورية التي تؤسس سياستها الاقتصادية على الرأسمالية المعولمة والمضاربة والمتطرفة في الليبرالية... ومن هنا، على وجه التحديد، يجب أن يولد الشك. لماذا يجري تسليط كل هذه الأضواء على رجل كافح من أجل خير شعبه من قبل أولئك الذين يهيمنون على العالم ولا هدف لهم غير الإثراء عبر نهب فائض القيمة المستخلص من ثروات ذلك الشعب نفسه ؟ لماذا كل هذا الإجماع؟ هنالك أمر مريب عند ذلك الشخص المميز المحاط بحجاب من الأسرار. سنحاول أن نرى بوضوح أكبر في هذه المقالة.
بدايات مانديلا وتاريخه داخل حركة المقاومة في حزب المؤتمر الوطني الإفريقي
ولد نلسون مانديلا في 18 تموز / يوليو 1918 في ترانسكي بإفريقيا الجنوبية. وهو ينتمي إلى الأسرة الملكية في قبيلة التيمبو. حصل على دبلوم في الحقوق عام 1942 والتحق، في الفترة نفسها، بصفوف المؤتمر الوطني الإفريقي، وهو حزب سياسي تم تأسيسه عام 1912 للدفاع عن مصالح الأكثرية السوداء في وجه الأقلية البيضاء. وقد أقام المؤتمر الوطني علاقات مع الحزب الشيوعي في جنوب إفريقيا اعتباراً من العام 1930. وفي العام 1944، قام كل من نلسون مانديلا ووالتر سيزولو وأوليفرتامبو بتأسيس رابطة الشبيبة داخل المؤتمر الوطني الإفريقي. وكانت الرابطة أكثر جذرية من المؤتمر الوطني لجهة طريقتها في التعبير، حيث كانت تحبذ المظاهرات الحاشدة الهادفة إلى فرض التراجع على السلطة السياسية التي يتمتع بها البيض. وفي العام 1948، العام الرهيب، جاءت المفاجأة مع فوز الحزب الوطني في الانتخابات التي كان يجريها البيض تحت شعارات الخوف من "الخطر الأسود" وبرنامجهم المعروف باسم "ليبق الزنجي في مكانه". وعلى الفور، شرع رئيس الوزراء، الدكتور دانيال مالان، وهو قس ينتمي إلى الكنيسة الهولندية البروتستانتية، يبني لبنة لبنة وقانوناً تلو قانون جدار "الفصل العنصري الكبير" بدلاً من "الفصل العنصري الهزيل" الذي كان سائداً حتى ذلك اليوم. كلمة آبارتهايد (فصل عنصري) مأخوذة من لغة الآفريكانز (لغة متفرعة عن اللغة الهولندية) وتعني "الفصل". المهم أن هذا النظام الذي ظل مطبقاً في إفريقيا الجنوبية حتى العام 1994 كان يقضي بالتمييز الذي يستهدف الملونين (السود، المهجنين، الهنود).
وعلى هذا الأساس استقر النظام العنصري في جنوب إفريقيا خلال الفترة الممتدة من العام 1948 إلى العام 1992. كانت جميع مناحي الحياة اليومية مقننة تماماً من خلال مجموعة من القوانين البالغة الدقة والخاصة بكل مجموعة سكانية وصولاً إلى البيض المقسمين بدورهم بحسب انتمائهم إلى هذه أو تلك من الجماعات العرقية.
وكان على كل مواطن أن يحمل بطاقة هوية تحدد انتماءه العرقي. وقد استندت هذه السياسة أيضاً إلى مسألة مكافحة الشيوعية (تم منع الحزب الشيوعي عام 1950 والتحق أعضاؤه بالمؤتمر الوطني الإفريقي ليحصلوا بذلك على الشرعية من الناحية الإيديولوجية في نظر العالم).
من هنا أصبح تحرك المؤتمر الوطني الإفريقي أشد زخماً؛ وفي العام 1949، تمكن الشباب الأكثر حماسة الذين شكلوا " رابطة شبيبة المؤتمر الوطني الإفريقي"، تمكنوا من السيطرة على المراكز القيادية في المؤتمر الوطني الإفريقي. وشيئاً فشيئاً، أصبحت الحركة أكثر قوة في صفوف السكان. وفي العام 1952، حققت حملة التحدي الي اتخذت لنفسها اسم "لا لاحترام قوانين الفصل العنصري" والتي استمرت لبضعة أشهر، حققت نجاحاً كبيراً جداً، إلى درجة أن الشرطة قامت باعتقال نلسون مانديلا في 30 تموز / يوليو 1952. وحكم عليه مع آخرين من الرفاق بالسجن مع الأشغال الشاقة لمدة تسعة أشهر، ولكن هذا الحكم بقي دون تنفيذ خلال عامين. ربما لأن نلسون مانديلا يشكل خطراً في نظر السلطة. وفي الفترة نفسها، كانت النواة القيادية في المؤتمر الوطني الإفريقي تهيئ نفسها لاحتمال منعها ودخولها، تبعاً لذلك، في العمل السري لا في النضال المسلح وإن كان منديلا قد بدأ بالتفكير بذلك في مقابلة حكم البيض الذي كان يتحول نحو المزيد والمزيد من العنف. كان البيض يفكرون يومها بتدمير صوفيا تاون، ذلك الحي المتمرد في ضاحية جوبورغ. وفي مقابل هذا الخطر، لم يلبث مانديلا أن أكد أن عصر المقاومة السلبية قد انتهى وأن اللاعنف هو استراتيجية عقيمة ولا يمكنها أبداً أن تسقط حكم الأقلية.
ولم يكن مانديلا مخطئاً في ذلك لأن صوفيا تاون تم محوها عن الخارطة في 9 شباط / فبراير 1955 رغم المقاومة التي أبداها السكان. لكن هؤلاء السكان حملوا انتفاضتهم معهم إلى مدينتهم الجديدة التي أطلقوا عليها اسماً بحسب موقعها الجغرافي : مدينة الجنوب الغربي، أي سوويتو.

نلسون مانديلا ..
من هنا، حدث في 5 كانون الأول / ديسمبر 1955، أن وجهت تهمة الخيانة العظمى في سوويتو إلى مانديلا و95 عضواً آخر في المؤتمر الوطني الإفريقي. وهكذا، وجد هؤلاء أنفسهم عرضة لأن تنفذ بحقهم أحكام بالإعدام. وفي العام نفسه، أقيمت الدعوى المسماة "دعوى الخيانة" التي استمرت طيلة خمس سنوات حتى 29 آذار / مارس 1961. وفي هذه الأثناء، وقع حدث كبير سيكون من شأنه تغيير وجه إفريقيا الجنوبية على المستوين الداخلي والخارجي.
تمثل ذلك الحدث بمجزرة شاربفيل التي وقعت في 21 آذار / مارس 1960. ففي تلك المدينة الصغيرة الواقعة على بعد 50 كيلومتراً إلى الجنوب من جوهانسبرغ، فتح رجال الشرطة النار على المتظاهرين وسقط 69 قتيلاً. وقد أدانت الأسرة الدولية هذا التصرف، وأقر عدد من الدول عقوبات بحق جنوب إفريقيا. وفي العام 1960 نفسه، تم في أعقاب مجزرة شاربفيل حظر المؤتمر الوطني الإفرقي وغيره من تنظيمات السود.
وفي هذه الأثناء، تحولت "دعوى الخيانة" إلى مناسبة لبروز المتهمين. وأصبحت محكمة بريتوريا نوعاً من منبر دائم للمؤتمر الوطني الإفريقي. وأكثر من مرة، تمكن محامو الدفاع من وضع هيئة المحكمة في أوضاع مثيرة للسخرية. وترددت أصداء ذلك كله في الصحافة العالمية. وهكذا، فضلت السلطة الحاكمة وضع حد لهذا النزيف عندما أصدر القاضي رومبف حكمه ببراءة المتهمين وإخلاء سبيلهم. وخرج نلسون مانديلا من المحكمة متمتعاً بكامل حريته، لكن دخل مباشرة في العمل السري.
وفي حزيران / يونيو 1961، عقد المؤتمر الوطني الإفريقي اجتماعاً سرياً كان واحداً من أهم الاجتماعات التي عقدها في تاريخه. فبناءً على اقتراح قدمه مانديلا، وبعد ساعات من النقاشات الصاخبة، قررت الحركة المضادة للفصل العنصري خوض النضال المسلح وأقرت إنشاء تنظيم عسكري. وقد أطلق على ذلك التنظيم الذي تزعمه مانديلا اسم "رأس حربة الأمة". وكان مقره في مزرعة ليليسليف في ريفونيا، وهي ضاحية ريفية تقع إلى الشمال من جوهانسبورغ.
وفي تلك المزرعة، قرأ مانديلا كتاب "حول الحرب" لمؤلفه فون كلاوسفيتس، وكتاب "ثورة إسرائيل" لمؤلفه مناحيم بيغين. وقام بجمع الوثائق حول جيوش حرب العصابات في كينيا والجزائر والكامرون، قبل أن ينتقل إلى العمل الميداني عام 1962، حيث قام بتصنيع متفجرات وبدأ بقيادة العمليات العسكرية الأولى.
وفي 5 آب / أغسطس 1963، تم اعتقال مانديلا بوشاية من جيرانه. كان يومها في الأربعين من عمره. وخلال محاكمته في قاعة يلفها الصقيع والصمت، أطلق مانديلا تصريحاً مدوياً. "طيلة حياتي، كرست نفسي بشكل كامل للنضال من أجل الشعب الإفريقي. ناضلت ضد هيمنة البيض كما ناضلت ضد هيمنة السود. مثالي الأعلى والأغلى كان الوصول إلى مجتمع حر وديموقراطي يمكن فيه للجميع أن يعيشوا بانسجام وأن يتمتعوا بحظوظ متكافئة. آمل أن أعيش بما يكفي لتحقيق هذا الهدف. ذلكم أمر ضروري. إنه مثال أنا مستعد للموت في سبيله".
حكم عليه يومها بالسجن لمدى الحياة، وأمضى في السجن أقل قليلاً من 28 عاماً. أما المؤتمر الوطني الإفريقي فقد تم تدميره بشكل كامل.
سنوات السجن والمفاوضات في الخفاء وإطلاق سراح مانديلا
سعى مانديلا خلال السنوات الـ 28 التي قضاها في السجن إلى مواصلة النضال إيديولوجياً من خلال النقاشات السياسية مع السجناء. كما سعى خصوصاً إلى الاستمرار في إقامة الاتصال مع الخارج بمساعدة قدمها له سجين من سجناء الحق العام يحمل لقباً هو "عزيزي جو". وكان هذا السجين يهرب رسائل من السجن وإليه. وخلال تلك الفترة، كانت حكومة جنوب إفريقيا تركز على مكافحة الخطر الشيوعي وتستفيد من لامبالاة الأسرة الدولية بل حتى من دعم الولايات المتحدة و"إسرائيل" ودول أخرى. وكانت حكومة جنوب إفريقيا قد استفادت من هذا المناخ اعتباراً من العام 1959 في تعزيز سياستها الخاصة بالبانبوستانات الهادفة إلى اقتلاع السكان السود الذين كانوا يعيشون بغالبيتهم في المدن لإلقائهم من ثم بحسب توزعهم العرقي في أراض أطلق عليها اسم "بانبوستانات".
وقد تمتعت هذه الأراضي فيما بعد باستقلالية متزايدة. وكان ذلك وسيلة لتقليص بعض ما كان السود في إفريقيا الجنوبية ما زالوا يتمتعون به من حقوق. واعتباراً من العام 1970، قررت السلطة سحب الجنسية الجنوب إفريقية من جميع الأشخاص الذين يعيشون في البانبوستانات. وكان الهدف من وراء ذلك واضحاً تماماً : يجب ألا يبقى شخص أسود واحد في إفريقيا الجنوبية.
ثم تفجرت الانتفاضة في سوويتو عام 1976. وكانت هذه الانتفاضة عبارة عن مظاهرة نظمها فتيان سود في إفريقيا الجنوبية في 16 حزيران / يونيو احتجاجاً على إلزامية التعليم الحصري بلغة الآفريكانز. وقد خرجت عن كونها مجرد مظاهرة عندما قوبلت بإطلاق النار من قبل الشرطة. كانت الحصيلة الرسمية 23 قتيلاً و 220 جريحا. لكن الحصيلة الفعلية بقيت غير معروفة. وهناك من يتحدث عن قتلى بالمئات، حيث ذكر الرقم 575 قتيلاً منهم 570 من السود!.

عناوين الصحف تنعى مانديلا
وخلال الثمانينيات، استمر اللهيب بالتوسع كما استمرت الاحتجاجات على الصعيد الدولي ما أدى إلى الدعوة إلى مقاطعة إفريقيا الجنوبية على غرار ما تفعله الآن حركة BDS (مقاطعة، لا استثمار، عقوبات) إزاء "إسرائيل". فوق ذلك، ومع الانهيار الذي كان قد أصبح يقينياً للاتحاد السوفياتي، لم يكن بمقدور حكومة جنوب إفريقيا أن تستمر إلى ما لا نهاية باستخدام الفزاعة الشيوعية لشرعنة سياستها العنصرية.
ثم إن انطلاق النظام العالمي الجديد على نمط الديموقراطية الليبرالية وضع المسؤولين في إفريقيا الجنوبية أمام خيار السعي من أجل البقاء... كانت حكومة البيض قد أصبحت منهكة ومعزولة على الصعيد الدولي، وكان كل همها قمع التجمعات المناهضة للنظام في المناطق التي يقطنها السود. لكن التاريخ يسير إلى الأمام ولا بد من إيجاد حل لتأمين خروج آمن.
وفي ظل هذا الوضع تم نقل نلسون مانديلا إلى سجن بولسمور حيث استفاد من "معاملة تفضيلية". كانت استراتيجية الحكومة قد أصبحت واضحة في 31 كانون الثاني / يناير 1985. ففي ذلك اليوم، اقترح رئيس الوزراء ب. بوغا إطلاق سراح السجين السياسي صاحب أطول فترة سجن في العالم بشرط أن ينبذ "العنف السياسي بشكل كامل". لكن مانديلا رفض ذلك من غير أن يحول ذلك دون الشروع في مفاوضات ظلت سرية ولا نعلم حتى اليوم ما الذي جرى التفاوض عليه فيها ( على ما كان يقوله غباغبو). تستثنى من ذلك بعض التفاصيل كرفض مانديلا لفكرة تمتع الأقلية البيضاء بحث الفيتو في المؤسسات المستقبلية. وبين العامين 1988 و1989، تسارعت وتيرة المفاوضات، وتنحى بوتا ليخلفه فريدريك دو لوكليرك في آب / أغسطس 1989 في منصب رئاسة دولة إفريقيا الجنوبية. وفي تلك الفترة سقط جدار برلين، ولم يعد بمقدور حكومة الفصل العنصري الزعم بأنها تحارب المؤتمر الوطني الإفريقي بهدف الحيلولة دون توسع النفوذ السوفياتي نحو إفريقيا الجنوبية. وبذلك، باتت إفريقيا الجنوبية في الجانب السيئ من التاريخ، وصار عليها أن تتصرف بسرعة.
وفي هذه الأجواء، أعلن فريدريك دو لوكليرك، بتاريخ 2 شباط / فبراير 1990، إطلاق سراح مانديلا وإنهاء الحظر على المؤتمر الوطني الإفريقي. وفي 11 شباط / فبراير، قطع مانديلاً سيراً على قدميه الأمتار الأخيرة في مسيرته "الطويلة نحو الحرية".
نهاية نظام الفصل العنصري والمجد للرئيس
بدأت المفاوضات الدستورية حول مستقبل إفريقيا الجنوبية بين المؤتمر الوطني والحكومة والحزب الوطني والتنظيمات الأخرى التابعة للسود أو المحافظة. وحل مانديلا محل تامبو في قيادة المؤتمر الوطني عام 1991. وخاض المفاوضات المفتوحة مع الحزب الوطني الذي يقوده دولوكليرك من أجل الخروج من نظام الفصل العنصري. وتم إلغاء هذا النظام في حزيران / يونيو 1991. وتمت المصادقة النهائية من قبل على إلغائه في آذار / مارس 1992، وكذلك على جميع الإصلاحات الدستورية التي تم التفاوض بشأنها.
وفي كانون الأول / ديسمبر 1993، منحت جائزة نوبل إلى كل من فريدريك دو لوكليرك ونلسون مانديلا.

مانديلا يؤدي اليمين الدستورية بعد فوزه في الانتخبات الرئاسية
ولكن... لماذا اخترنا هذا العنوان : "خيانة بطل"؟
بالنظر إلى سيرة مانديلا، كل شيء يبعث على الظن بأنه يستحق صفته كبطل، وهذا ما لا أنفيه أبدأً.
فمانديلا كان رجلاً عظيماً ناضل من أجل قضية سامية. لكن يكفي أن نلاحظ ما آلت إليه حال إفريقيا الجنوبية اليوم لنفهم خيانته.
فما نلاحظه اليوم هو أن إفريقيا الجنوبية قد تحولت، بعد 16 عاماً من الديموقراطية، إلى رائدة على الصعيد العالمي لعدم المساواة : السكان السود الذين يشكلون 80 بالمئة من مجموع السكان لا يمتلكون غير 5 بالمئة من الثروات. قسم ضئيل جداً من الأراضي الزراعية (3 بالمئة) التي يمتلكها أصحاب المزارع البيض تم تسليمها إلى السود منذ العام 1994. هذا يظهر أننا بعيدون عن الوعود بالمساواة.
والنتيجة لا تقبل المراجعة: لم يوجه الاتهام مطلقاً إلى النظام الاقتصادي، وتوجيه الاتهام إلى النظام العرقي لم يسمح إلا لأقلية سوداء بالتبرجز وبالالتحاق بكبار البورجوازيين البيض لجهة الدفاع عن مصالحهم الاجتماعية.
أما مانديلا، فقد أصبح بطل النخب الرأسمالية في أنحاء العالم (من هنا يأتي الإجماع على بطولته التي فرضتها وسائل الإعلام التي تسيطر عليها تلك النخب). فمانديلا لم يمد يده إلى ثروات الرأسماليين وترك إفريقيا الجنوبية تواصل هروبها إلى الأمام نحو الرأسمالية المعولمة الأشد عنفاً بحق الشعب الفقير.
وإذا كان مانديلا لم يعلن عن تفاصيل المفاوضات التي سبقت إطلاق سراحه، فإن ذلك يعود بالتأكيد إلى كونه قد قبل بيع نضاله (عن رضى أو عن عدم دراية) وبيع شرعيته وشعبه لأسوأ الحيتان من الرأسماليين والمتمولين في مقابل إلغاء النظام العنصري. إنه من غير الممكن، في إطار مجتمع يعتمد النموذج الرأسمالي، محو عقود من اللامساواة الاجتماعية المستندة إلى التباينات العرقية. ذلك أمر لا معنى له على الإطلاق بالنظر إلى كون الرأسمالية تولد المزيد والمزيد من اللامساواة. كان من الضروري فرض مجتمع اشتراكي وعادل يتمتع فيه الشعب بالخيرات المتحصلة من القيمة المضافة كي يكون من الممكن لشعب إفريقيا الجنوبية أن يستفيد من خيرات بلاده بالشكل الذي نشهده في فنزويلا هيغو شافيز (الذي يشيطنه الغرب لأنه يمس المواضع التي تحدث ألماً).
لنكن واضحين، فمانديلا ليس في النهاية لا لومومبا ولا سانكارا اللذين تم قتلهما بسبب سياستهما المنحازة إلى الشعب الذي انتخبهما بالرغم مما تفرضه مصالح الحيتان الرأسماليين والإمبرياليين. إفريقيا الجنوبية التي جاء بها مانديلا أصبحت أناساً من السود يطلقون النار على أناس من السود. أناس من السود يعيشون في بؤس اشد مما كان عايه زمن الفصل العنصري لدرجة أنهم يتحسرون على ذلك الزمن. وأصحاب مزارع من البيض المتخمين. إلغاء نظام الفصل العنصري هو عملية نصب سقط ضحيتها شعب إفريقيا الجنوبية.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018