ارشيف من :أخبار لبنانية

’الإرهاب’ استهدف الجيش هذه المرة فما هي الرسالة العاجلة التي أراد إيصالها الى الجميع؟

’الإرهاب’ استهدف الجيش هذه المرة فما هي الرسالة العاجلة التي أراد إيصالها الى الجميع؟

ابراهيم بيرم - صحيفة "النهار"

الارهاب بنمطه "القاعدي" مصمم على تسجيل حضوره بقوة في الساحة اللبنانية. فهو خاض قبلاً غمار تجاربه الاولى في تفجيري بئر العبد والرويس ثم في انفجاري السفارة الايرانية في الشهر الماضي. وقبل يومين ضرب ضربته على مداخل صيدا من خلال استهداف موقعين للجيش وبالأساليب القاعدية التي بتنا نعرفها تمام المعرفة لكثرة ما شهدناها منذ اعوام حيث للانتحاري المزنر بحزام ناسف الدور الممهد ليلي ذلك الهجوم الأوسع على الهدف.

في الانفجارات الثلاثة الماضية ثمة من وجد الفرصة لتقديم تبريرات و"أعذار" للفعل من خلال القول ان الانفجارين الأولين في احياء الضاحية هما نتيجة ضلوع "حزب الله" في الميدان السوري المشتعل، أما الثالث فالمستهدف هو "ارض ايرانية"، لكن في احداث صيدا الأخيرة الأمر مختلف تماماً والمشهد متغير، فالمستهدف مباشرة الجيش بما يمثله من عامل وحدة وعلامة استقرار وأمان في واقع سياسي لبناني منقسم على ذاته ويكاد الفراغ المؤسساتي يكون فيه سيد اللحظة والى أمد غير منظور. وعليه تبطل حتماً ونهائياً قيمة التبريرات السابقة، لأن الجميع بات امام مشهد آخر عنوانه العريض الجيش بات الهدف المباشر للارهاب بأعلى انواعه وتمظهراته حيث الجسد المفخخ السلاح الأكثر فاعلية والذي يعتمد عليه. لذا فانه اذا صدقت التكهنات والتحليلات التي تزعم ان ما حصل هو الفاتحة والبداية لمسلسل مماثل ستظهر حلقاته تباعاً فهذا يعني ان المؤسسة العسكرية صارت هدف الارهاب وبالتالي الشريكة المكرهة في مواجهة هذا الوباء المستشري الذي يضرب في دول ويحط رحاله في عواصم.

ولم يعد جديداً ان الهدف الاول للارهاب عادة هو جيوش الدول حيث يحل انطلاقاً من اعتبارات و"فلسفات جهادية" باتت معروفة. وبالطبع ثمة من لديه رد على الذهاب في التحليل الى هذه الحدود القصوى منطلقاً من وضعه ما حصل على مداخل صيدا ومشارفها في خانة ان ما حدث لا يعدو كونه رد فعل ثأرياً من جماعة الشيخ احمد الاسير على سحق الجيش لهم ولزعيمهم في عبرا شرق صيدا قبل بضعة اشهر.

لكن ما تكوّن من دلالات ووقائع ميدانية تثبت ان الهجومين على حاجزي الجيش وقبلهما انفجاري السفارة الايرانية امر معد بدقة ومنفذ باتقان مما يعزز استنتاج المستنتجين بأن ثمة "حرباً" ارهابية أُعلنت في اكثر من اتجاه واندرج الجيش في عداد استهدافاتها.
لذا فان مصادر في قوى 8 آذار تقرأ في تلك الاحداث الأمنية الخمسة المتدحرجة تباعاً منذ نحو ستة اشهر، ولوجاً للارهاب على عتبة مرحلة جديدة ترسم معالمها وأفقها للساحة اللبنانية، من عناوينها العريضة:

- جر لبنان الى دورة عنف اعلى وتيرة من كل المراحل السابقة التي تلت تحديداً اشتعال فتيل الأحداث في الساحة السورية على نحو تسقط معه تلقائياً المقولة التي سادت طويلاً واتكأ عليها الكثيرون كمسلّمة والقائلة إنّ ثمة مظلة داخلية – اقليمية – دولية تعصم الساحة اللبنانية من الجنوح نحو الانفجار الواسع.

- اشعار جميع المعنيين وفي مقدمهم "حزب الله" بأن كل أرض يقف عليها معرضة للاهتزاز والارتجاج بين لحظة وأخرى، من خلال الاثبات العملاني له عبر احداث ووقائع متتالية ان تنظيم "القاعدة" أو واحدة من أخواته قد صارت تقيم واياه على مساحة واحدة ووجهاً لوجه ولم تعد مجرد خطر بعيد عن حدوده ومناطقه يتم التلويح بها أو التهويل عبرها فقط.

- الاستنتاج الآخر الذي بات فريق 8 آذار وجهات أمنية رسمية تتعامل معه كمسلّمة وكحقيقة مرّة، هو ان مخيم عين الحلوة على تخوم صيدا بالتحديد صار هو القاعدة الحصينة لتنظيمات الارهاب وحبل السرة الذي يرفدها ويغذيها دوماً، فضلاً عن انه انشئت في بعض ازقته مراكز التوجيه والتخطيط والاشراف.

وبذا ثمة تخوف لدى الجهات الرسمية وغير الرسمية المعنية من ان تكون كل الجهود التي بذلتها سابقاً للحيلولة دون خروج هذا المخيم المكتظ من يد حركة "فتح" ومنظمة التحرير قد ذهبت أدراج الرياح، خصوصاً بعدما تعززت سبل التواصل وقنوات الاتصال بين المخيم المذكور والداخل السوري.

بالاجمال، لم يعد الارهاب الذي هاجم مواقع الجيش بالأمس ارهاباً هاوياً بل ان الدروس التي استقيت من هذين الهجومين تؤكد ان ثمة ارهاباً اكثر نضجاً وخبرة واستطراداً أكثر توثّباً واستعداداً.

ولا ريب ان في الدوائر الضيقة لدى قوى 8 آذار من يضع في حساباته واستنتاجاته أن تكون الضربتان القويتان اللتان وجِّهتا للجيش عند تخوم عاصمة الجنوب، رسالة عنوانها البارز ان المطلوب من هذه المؤسسة الخروج تدريجاً من مواقع المواجهة والانكفاء وليتركوا الأبواب مشرعة أمام الارهاب بكل تلاوينه خصوصاً في ساحة الجنوب التي لها أكثر من خصوصية واكثر من موقع فرادة وتميز في إطار صراعات المنطقة ككل...

عموماً من الآن فصاعداً لم تعد "اللعبة" مغرية للبعض ومفيدة للبعض الآخر، فالمسألة ليست شخصاً يقف في منتصف الطريق الى الجنوب يهاجم الخصم ويسبب له الضيق، بل ان الارهاب الذي حذّر منه كثيرون وتخوّف منه كثيرون قد طرق الأبواب، كل الأبواب وصار في الداخل وله بيئته الحاضنة ولم يعد بالامكان مواجهته بالأساليب المألوفة، أو انتظار أفعاله ليرد عليها بما يناسب.
2013-12-18