ارشيف من :أخبار لبنانية
صداقة إيران أم مواجهتها؟
باسل محمد - صحيفة "الصباح " العراقية
في العالم العربي، لاتزال العلاقات مع ايران محل انقسام بين دول تعتقد انه يمكن كسب هذا البلد الكبير في منطقة الشرق الاوسط وتحويله الى حليف ستراتيجي وبين دول اخرى تتبنى الفكرة القائلة بوجود خطر ايراني على الأمن القومي العربي.
بنظرة جيو سياسية للعلاقات العربية الايرانية، نرى أن النظام الايراني يتمتع عملياً بصلات قوية مع سورية والعراق وبدرجة اقل ربما مع السودان أما علاقاته مع دول مجلس تعاون الخليج العربي ومصر والاردن واليمن ومعظم دول المغرب العربي فهي فاترة أو متوترة تسودها الاتهامات و الظنون السيئة.
بصراحة، اسرائيل هي المستفيد الاكبر من وجود علاقات عربية ايرانية مضطربة وعدائية في بعض الاحيان، كما ان الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة تستطيع أن تحقق مستوى فعال من المناورة على الطرفين العربي والايراني بسبب ما يعتقده بعض العرب من تهديد ايراني أو ما يراه بعض المسؤولين الايرانيين بأنه تواطؤ عربي ضد الجمهورية الاسلامية في ايران.
المهم، رغم ان العرب والايرانيين متفقون بأن اسرائيل تجني فوائد كبيرة من وراء الخلافات بين ايران وبعض الدول العربية ومنها أنها تستطيع ان تشن غارات ضد منشآت ايرانية نووية وعسكرية برضا وارتياح وتسهيل عربي، كما أن اسرائيل تستخدم ذريعة الدعم الايراني المفترض مثلاً لحكومة حركة حماس في قطاع غزة بفلسطين لتنفيذ هجمات مدمرة ضد القطاع وتستعمل ذلك ايضاً لتعطيل التسوية مع الفلسطينيين بحجة ان السلطة الفلسطينية عاجزة عن وقف ارسال الاسلحة الايرانية الى غزة ومنع حماس من اطلاق الصواريخ ضد المدن والبلدات الاسرائيلية.
المفيد، ان مسألة العلاقات غير الجيدة بين اغلبية العرب وبين ايران يجب ان يشترك الطرفان في حلها بشجاعة وكلاهما يتحملان مسؤولية استمرار الخلافات بينهما وباتاحة المجال لاسرائيل وغيرها من الاستفادة السياسية والعسكرية من هذه الخلافات.
على القيادة الايرانية، ان تسعى بجد الى دعم الدول العربية التي تؤمن بصداقة ايران وبكسب الحليف الايراني مثل سلطنة عمان التي عارضت أخيراً اقامة اتحاد خليجي لمواجهة الخطر الايراني وبالتالي على نظام طهران ان يبرهن انه لا يشكل اي خطر على اية دولة عربية في الخليج وخارجه ولا يعني ذلك بالضرورة ان ايران على خطأ بل يجب التعامل بذكاء لأن المطلوب ان يتعاون الجميع لتبديد الهواجس والمخاوف وان تصل المنطقة للمرة الاولى في تاريخها الى علاقات عربية ايرانية سليمة وندية وتتمتع بتوافق سياسي ستراتيجي.
وعلى ذكر التاريخ، فمنذ نظام شاه ايران الذي اطاحت به الثورة الاسلامية بزعامة الامام الخميني في شهر شباط العام 1979، ازدادت العلاقات الايرانية العربية تدهوراً اي ان هناك اكثر من ثلاثين عاماً من الشك والخوف المتبادل بين الطرفين وهذا معناه بصراحة ان الطرفين فشلا في تحقيق اي تقارب او تطبيع ولم يجتهدا في ذلك بدليل ان الامور وصلت في الوقت الراهن الى المزيد من عدم الثقة.
بالتأكيد أن الأزمة في سورية والصراع بين نظام بشار الاسد وبين المعارضة السورية المسلحة على اختلافاتها العقائدية والايديولوجية ساهمت في تعزيز مناخ التوتر والقطيعة بين ايران وبين دول عربية، كما ان تعثر الديمقراطية في العراق في التوصل الى اقامة دولة مدنية حرة تؤمن بالمواطنة ومعيار التنمية الى جانب تصاعد الارهاب كل ذلك حال دون تنظيم حوار ايراني عربي صريح وفعال ومفيد.
كما ان سعي ايران الى امتلاك برنامج نووي وقدرات عسكرية ضخمة قد أرسل برسالة واحدة في اتجاهين، اسرائيل التي اعتبرت البرنامج الايراني مدمراً لها ودول الخليج العربي التي قالت مع نفسها ان ايران من دون سلاح نووي لديها سياسات عدائية ضدها فماذا ستفعل لو انها حصلت على القوة العسكرية النووية وبالتالي كان على النظام الايراني أن يكون شفافاً وشديد الدهاء في التعامل مع العرب في هذا الملف، كأن يبادر الى اقامة مشاريع نووية اسلامية مشتركة مع بعض الدول العربية ومنها العراق ودول الخليج وان لا يتجه الى برنامج نووي سري اثار الكثير من اللغط والشبهات ليس مع الغرب بل مع عرب الخليج وغيرهم. في بدايات الثورة الايرانية الاسلامية خرج ملايين العرب مرحبين بها الا ان شعار تصدير الثورة تسبب في نفس اللغط الذي سببه البرنامج النووي الايراني، فالشعار لا يعني ابداً تصدير الثورة الى اسرائيل مثلاً أو الى الغرب او الى الاتحاد السوفيتي بل كان يعني تصدير الثورة الى بعض الدول العربية ومنها دول الخليج ولذلك على القيادة الايرانية ان تستوعب بعض الدورس المهمة.
ولأن ايران دولة كبيرة وقوية ولأنها دولة عريقة في التاريخ ولأنها جمهورية اسلامية ولديها ستراتيجيات للمحافظة على أمن واستقرار المنطقة وتتمتع بقدرات عسكرية هائلة، فهي بسبب كل هذه الميزات مؤهلة للقيام بخطوات استباقية لتطبيع العلاقات مع العرب.
في كل الاحوال على الطرفين، ايران و العالم العربي أن يؤمنا ان نجاحهما في تطبيع العلاقات له ايجابيات عديدة على المستوى الاقتصادي والسياسي والعسكري والأمني، كما ان العالم الاسلامي والاسلام سيزداد قوة ووحدة بعلاقات عربية ايرانية متينة أما الفتنة الطائفية في المنطقة التي يراهن عليها أعداء الأمة الاسلامية فستؤول الى الفشل.
مع الازمة السورية وفي ظل الصراع الدائر والسيناريوهات المطروحة لتسويته ومنها اقامة نظام انتخابي حر وشفاف وتعددي لا يكون فيه للرئيس الاسد مكان، فأن النظام السياسي في العراق هو الطرف الوحيد المرشح للعب دور في اقامة علاقات نقية ومستقيمة بين ايران والعالم العربي لكن الأمر يحتاج الى ان يصل القادة العراقيون الى تطبيع اوضاعهم ونظامهم السياسي وان يثبتوا لايران والعرب والعالم أن ديمقراطيتهم ستقضي على الطائفية والمذهبية واي شيء عنصري.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018