ارشيف من :أخبار عالمية
تدفَّأوا بالعار
محمد عبدالله محمد-"الوسط"
حَلَّ الشتاء، فبَانَت معه سوءاتنا. ينزوي البعض إلى مخادعهم، يتلفَّعون فيها الصوف والقطن، ويُشعلون بداخلها نار التدفئة، بينما يتوسَّد آخرون الصقيع، داخل الخيم المنصوبة، يلفح وجوههم زمهرير الريح، وكأنهم لحوم جاءت من قِصَابة، وتُرِكَت على الثلج كي تتجمَّد حتى حين. وهل يشكُّ أحدٌ أنَّنا نحن قصَّابوها ونحن لا يُرمَش لنا جفن؟
لا يستغرب أحدٌ إن قلنا أننا القصَّابون لتلك الأجساد، مادامت أموالنا تذهب في التبذير، وأوقاتنا للترف، والرحلات الترويحية. فبدلة شتاء واحدة لِمعوَزٍ في العراء، يُساويها رسوم الدخول إلى أحد الأفلام السينمائية! وإعاشة عائلة من عشرة أفراد مدة شهر كامل، يتمنون العيش بأقلّ من حدّ الكفاف، يساويها ساعة يد، يشتريها المتسامرون في الليالي الحمراء! هذه هي مشكلتنا في أننا لا نقوم بما يتوجَّب علينا فعله أو الانتهاء عنه.
هل سَمِعَ أحدٌ منا بهذا الاسم: حسين الطويل؟ ربما كثيرون لم يسمعوا به، وهذا ليس حقاً لهم بالتأكيد، ماداموا قادرين على سماع آخر صيحات الموضة وتتبع آخر إصدارات الدَّندَنة. نعم... أقول: ليس من حقهم أن لا يسمعوا باسم ذلك الطفل ذي الستة أشهر، الذي مات من شِدَّة البرد في مدينة حلب شمال سورية. مات هذا الطفل، بعد أن تجمَّد جسَدُه من شدة البرد، ثم لحقه ثمانية أطفال غيرهم، كان آخرهم طفل الرّستن بريف حمص، الذي لم يبلغ هو الآخر سوى سبعة أشهر، في وضع أسوأ من أخيه الحلبي.
يفتح الناس أعينهم على أشدها عندما يسمعون أن موجة البرد هذا العام، هي الأقسى منذ 122 عاماً، دون أن يُدركوا، أن كلَّ دقيقة تمرّ عليهم هي الأشد أيضاً منذ 122 عاماً، ودون أن يُدركوا، أن كلّ ما سيستخدمه الناس لم يعد كما استخدموه هم ولا آباؤهم طيلة 122 عاماً كذلك. إذاً، فإن تحت كل تلك الأرقام مآسٍ كبيرة، من موتٍ ومرضٍ وفقرٍ وكآبةٍ لا تنتهي. لا خير إن قرأنا الرقم بلقلقة اللسان، دون أن نتفكر في حقيقته وفعله.
اليوم، نحن لا نحتاج أن نُكَذِّب الخبر الذي يقول بأن «نصف خطة التمويل الإجمالية للأمم المتحدة، والبالغة اثني عشر مليار، وتسعمئة مليون دولار» التي قُدِّرَت «لمساعدة اثنين وخمسين مليون شخص في سبعة عشر دولة» هي مخصصة لسورية! ما يعني أن نصف بلاء العالم من التشريد ونتائجه البيئية والصحية، يتحمَّلها السوريون في هذه اللحظة، أطفالاً ونساءً وشيوخاً.
البرد القارس، الذي كان كفيلاً بإبادة وجرح مئة وخمسة وخمسين ألف جندي ألماني مُدجَّجين بالسلاح والعتاد وعلى ظهورهم حقائب التموين في بحر ثلاثة أسابيع فقط خلال المواجهة النازية الشيوعية في الحرب العالمية الثانية، هو بالتأكيد أقدر على صَرْع طفلٍ بجلد غشائي، وعظم لم يُبنَ بعد، أو شيخاً أكَلَ العمر من عافيته وقواه، فعاد كالعرجون القديم.
إذا كانت السكتات الدماغية، والنوبات القلبية وأمراض القلب والأوعية الدموية والانفلونزا الموسمية وارتفاع ضغط الدم، هي النتاجات الطبيعية لموجات البرد، وبالتالي ازدياد عدد الوفيات بنسبة سبعين في المئة حسب دراسات هارفارد، فهذا يعني، أن مشكلة المشردين السوريين، تتجاوز نقص الرعاية المعيشية، لتنقل إلى تدني الرعاية الطبية، التي باتت من كماليات العيش في المخيمات نتيجة الوضع الكارثي الذي يعيشونه.
كنتُ أقرأ قبل أيام، أن الشوكولاتة الداكنة التي تزيد إفراز الأندروفين في الدماغ، والأفوكادو المحتوي على الدهون الأحادية غير المشبعة الخافضة لضغط الدم، والأسماك المتضمنة لأحماض OMEGA 3 هي الأكلات الأكثر فائدة للشعور بالدفء خلال موجات البرد، وبالتالي ينصح الأطباء بها، قلت متفكراً: ما عسى السوريين أن يفعلوا إن هم سَلَخُوا الحمير والأسود ليأكلوها، ولم يُؤمِّنوا الحبوب والماء والمحروقات فكيف بهم أن يُؤمِّنوا تلك الأصناف من الطعام، التي يستحصل عليها الإنسان في الظروف الأعلى من العادية وليس العادية حتى. إنه منطقٌ أنطوانيتي تام الأركان!
في هذا الصراع الدموي والعبثي في سورية، لم يعد للإنسان السوري قيمة، بل الاستحواذ على الأرض هو الأهم بالنسبة للمتقاتلين، حتى ولو كانت مقبرة! هذه لغة عسكرية عَدَميّة عمياء، لا تقيم وزناً للحياة ولا لِمَن عليها. كثيرٌ من المناطق السورية تحوَّلت إلى برلين العام 1945 ولم يعد فيها روح. حتى القطط والكلاب هجرتها فما بالك بالإنسان!
أما في الخارج حيث المخيمات المنصوبة في العراء، فإن الحال أقسى وأشد. فإذا كانت الأبنية الإسمنتية، والسقوف المسلحة، والقرميد الأحمر، لا تَقِي من البرد ولا تمنعه إلاَّ بالكاد، فكيف بخيمة من الخَلَق، يترنَّح عامودها، وتنفخ في زواياها الريح، فتُدخلها إلى الجوف، أو تقلعها من جذرها بلا استئذان، إنه العراء ولكن بصورته الخادعة للعين.
شكراً لك يا شتاء لأنك أعلمتنا مَنْ نكون. شكراً لك لأنك أريتنا البرزخ الفاصل بين الإنسانية والحيوانية! جعلتنا ندرك معنى الأخوَّة، ومعنى الضمير، ومعنى الحياة، ومعنى الدناءة، ومعنى اللؤم، ومعنى الكذب، ومعنى الدِّين، ومعنى كل شيء. وربما نَسِيَ الكثيرون (أو تناسوا) أن «لقضاء حاجة أخٍ لي في الله أحبّ إليّ من اعتكاف شهر» كما قال الحسن بن علي بن أبي طالب.
حَلَّ الشتاء، فبَانَت معه سوءاتنا. ينزوي البعض إلى مخادعهم، يتلفَّعون فيها الصوف والقطن، ويُشعلون بداخلها نار التدفئة، بينما يتوسَّد آخرون الصقيع، داخل الخيم المنصوبة، يلفح وجوههم زمهرير الريح، وكأنهم لحوم جاءت من قِصَابة، وتُرِكَت على الثلج كي تتجمَّد حتى حين. وهل يشكُّ أحدٌ أنَّنا نحن قصَّابوها ونحن لا يُرمَش لنا جفن؟
لا يستغرب أحدٌ إن قلنا أننا القصَّابون لتلك الأجساد، مادامت أموالنا تذهب في التبذير، وأوقاتنا للترف، والرحلات الترويحية. فبدلة شتاء واحدة لِمعوَزٍ في العراء، يُساويها رسوم الدخول إلى أحد الأفلام السينمائية! وإعاشة عائلة من عشرة أفراد مدة شهر كامل، يتمنون العيش بأقلّ من حدّ الكفاف، يساويها ساعة يد، يشتريها المتسامرون في الليالي الحمراء! هذه هي مشكلتنا في أننا لا نقوم بما يتوجَّب علينا فعله أو الانتهاء عنه.
هل سَمِعَ أحدٌ منا بهذا الاسم: حسين الطويل؟ ربما كثيرون لم يسمعوا به، وهذا ليس حقاً لهم بالتأكيد، ماداموا قادرين على سماع آخر صيحات الموضة وتتبع آخر إصدارات الدَّندَنة. نعم... أقول: ليس من حقهم أن لا يسمعوا باسم ذلك الطفل ذي الستة أشهر، الذي مات من شِدَّة البرد في مدينة حلب شمال سورية. مات هذا الطفل، بعد أن تجمَّد جسَدُه من شدة البرد، ثم لحقه ثمانية أطفال غيرهم، كان آخرهم طفل الرّستن بريف حمص، الذي لم يبلغ هو الآخر سوى سبعة أشهر، في وضع أسوأ من أخيه الحلبي.
يفتح الناس أعينهم على أشدها عندما يسمعون أن موجة البرد هذا العام، هي الأقسى منذ 122 عاماً، دون أن يُدركوا، أن كلَّ دقيقة تمرّ عليهم هي الأشد أيضاً منذ 122 عاماً، ودون أن يُدركوا، أن كلّ ما سيستخدمه الناس لم يعد كما استخدموه هم ولا آباؤهم طيلة 122 عاماً كذلك. إذاً، فإن تحت كل تلك الأرقام مآسٍ كبيرة، من موتٍ ومرضٍ وفقرٍ وكآبةٍ لا تنتهي. لا خير إن قرأنا الرقم بلقلقة اللسان، دون أن نتفكر في حقيقته وفعله.
اليوم، نحن لا نحتاج أن نُكَذِّب الخبر الذي يقول بأن «نصف خطة التمويل الإجمالية للأمم المتحدة، والبالغة اثني عشر مليار، وتسعمئة مليون دولار» التي قُدِّرَت «لمساعدة اثنين وخمسين مليون شخص في سبعة عشر دولة» هي مخصصة لسورية! ما يعني أن نصف بلاء العالم من التشريد ونتائجه البيئية والصحية، يتحمَّلها السوريون في هذه اللحظة، أطفالاً ونساءً وشيوخاً.
البرد القارس، الذي كان كفيلاً بإبادة وجرح مئة وخمسة وخمسين ألف جندي ألماني مُدجَّجين بالسلاح والعتاد وعلى ظهورهم حقائب التموين في بحر ثلاثة أسابيع فقط خلال المواجهة النازية الشيوعية في الحرب العالمية الثانية، هو بالتأكيد أقدر على صَرْع طفلٍ بجلد غشائي، وعظم لم يُبنَ بعد، أو شيخاً أكَلَ العمر من عافيته وقواه، فعاد كالعرجون القديم.
إذا كانت السكتات الدماغية، والنوبات القلبية وأمراض القلب والأوعية الدموية والانفلونزا الموسمية وارتفاع ضغط الدم، هي النتاجات الطبيعية لموجات البرد، وبالتالي ازدياد عدد الوفيات بنسبة سبعين في المئة حسب دراسات هارفارد، فهذا يعني، أن مشكلة المشردين السوريين، تتجاوز نقص الرعاية المعيشية، لتنقل إلى تدني الرعاية الطبية، التي باتت من كماليات العيش في المخيمات نتيجة الوضع الكارثي الذي يعيشونه.
كنتُ أقرأ قبل أيام، أن الشوكولاتة الداكنة التي تزيد إفراز الأندروفين في الدماغ، والأفوكادو المحتوي على الدهون الأحادية غير المشبعة الخافضة لضغط الدم، والأسماك المتضمنة لأحماض OMEGA 3 هي الأكلات الأكثر فائدة للشعور بالدفء خلال موجات البرد، وبالتالي ينصح الأطباء بها، قلت متفكراً: ما عسى السوريين أن يفعلوا إن هم سَلَخُوا الحمير والأسود ليأكلوها، ولم يُؤمِّنوا الحبوب والماء والمحروقات فكيف بهم أن يُؤمِّنوا تلك الأصناف من الطعام، التي يستحصل عليها الإنسان في الظروف الأعلى من العادية وليس العادية حتى. إنه منطقٌ أنطوانيتي تام الأركان!
في هذا الصراع الدموي والعبثي في سورية، لم يعد للإنسان السوري قيمة، بل الاستحواذ على الأرض هو الأهم بالنسبة للمتقاتلين، حتى ولو كانت مقبرة! هذه لغة عسكرية عَدَميّة عمياء، لا تقيم وزناً للحياة ولا لِمَن عليها. كثيرٌ من المناطق السورية تحوَّلت إلى برلين العام 1945 ولم يعد فيها روح. حتى القطط والكلاب هجرتها فما بالك بالإنسان!
أما في الخارج حيث المخيمات المنصوبة في العراء، فإن الحال أقسى وأشد. فإذا كانت الأبنية الإسمنتية، والسقوف المسلحة، والقرميد الأحمر، لا تَقِي من البرد ولا تمنعه إلاَّ بالكاد، فكيف بخيمة من الخَلَق، يترنَّح عامودها، وتنفخ في زواياها الريح، فتُدخلها إلى الجوف، أو تقلعها من جذرها بلا استئذان، إنه العراء ولكن بصورته الخادعة للعين.
شكراً لك يا شتاء لأنك أعلمتنا مَنْ نكون. شكراً لك لأنك أريتنا البرزخ الفاصل بين الإنسانية والحيوانية! جعلتنا ندرك معنى الأخوَّة، ومعنى الضمير، ومعنى الحياة، ومعنى الدناءة، ومعنى اللؤم، ومعنى الكذب، ومعنى الدِّين، ومعنى كل شيء. وربما نَسِيَ الكثيرون (أو تناسوا) أن «لقضاء حاجة أخٍ لي في الله أحبّ إليّ من اعتكاف شهر» كما قال الحسن بن علي بن أبي طالب.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018