ارشيف من :أخبار لبنانية
من يريد تقديم طرابلس ورقة اعتماد لـ’جبهة النصرة’؟
غسان ريفي - صحيفة "السفير"
تعاظمت المخاوف في طرابلس من التطورات الأمنية التي تشهدها، ومن التحدي المتمادي من قبل المجموعات المسلحة للدولة والجيش والأجهزة الأمنية، والذي ترجم بإطلاق الأعيرة النارية في الهواء على مدار ليلتين متتاليتين أمس وأول من أمس ابتهاجا بالاطلالة التلفزيونية لأمير "جبهة النصرة" أبو محمد الجولاني.
كانت فيه المدينة ترصد ما يجري في صيدا بعد الاعتداء الارهابي الذي تعرض له الجيش اللبناني عند جسر الأولي ومجدليون، وتسعى لابعاد هذا الكأس المر عنها بالركون الى خطتها الأمنية، خصوصا بعد ليلة "الجنون الأمني" قبل إسبوعين والتي استهدفت المؤسسة العسكرية، وكانت كفيلة بتوجيه إنذار للجميع.
لكن الطرابلسيين فوجئوا ليل أمس الأول بمجموعات مسلحة حاولت جرّ مدينتهم الى "منطقة الخطر" عبر إطلاق النار والقذائف ورمي القنابل إبتهاجا باطلالة الجولاني، ثم أصرّت على العبث الأمني بإعادة الكرّة مجددا ليل أمس وبوتيرة أعنف مع بث المقابلة كاملة.
وجاء هذا العبث الأمني المستجد، متشابها الى حد كبير مع ليل "الجنون الأمني" عقب إقرار الخطة الأمنية. فبعد الدعوات المتطرفة لاعلان الجهاد ضد الجيش اللبناني في المرة الماضية، بدا أن بعض الجهات تسعى لادخال طرابلس في أتون مشروع خطير جدا، باظهار تعاطفها مع تنظيم "القاعدة"، وأن فيها مجموعات مسلحة تابعة لـ"جبهة النصرة" عبرت عن إبتهاجها على مدار ليلتين متتاليتين باطلالة قائدها الجولاني التلفزيونية.
ولا يمكن فصل المشروعين عن بعضهما البعض كونهما يصبان في المكان نفسه، وهو خطف طرابلس وجرها الى مواجهة مع الجيش اللبناني، خصوصا أن إطلاق النار لم يأت بمبادرات فردية أو بشكل عشوائي، بل تم الاعلان عنه قبل ساعات على مواقع التواصل الاجتماعي، ما يشير الى أن له جهة تتبناه وتنظمه وتموله وتسعى الى سحب البساط من تحت أقدام كل القيادات السياسية التي بدت عاجزة عن توقيف هذا الفلتان غير المسبوق.
ويطرح هذا الواقع أسئلة محورية عن الجهة التي بدأت تتحكم بأمن الشارع الطرابلسي اليوم، والى أين تريد الذهاب به في ظل هذا العبث الأمني المستشري؟ وما هي نتائج هذا التحدي للدولة والجيش؟ وهل من مستفيدين مما يجري يحاولون تثمين بعض هذه المجموعات تمهيدا لضربها وتحقيق مكاسب سياسية معينة؟ أم أن الرسائل وتصفية الحسابات المحلية ما تزال مستمرة، ولو على حساب سمعة طرابلس وأهلها؟.
لكن الأمر لم ينته عند هذا الحد، بل أن بعض المجموعات حاولت استغلال هذا الفلتان لفتح جولة العنف الـ19 مع جبل محسن، فعاشت المناطق الساخنة أمس وأمس الأول ساعات من الرعب بفعل الخروقات الأمنية المتتالية بالرصاص والقنابل، والتي استمرت حتى ساعات الفجر، لكن الجيش اللبناني تدخل بقوة ورد على كل مصادر النيران ونجح في لجمها وأجبر المسلحين على التراجع عن المحاور، فاستمروا في إطلاق النار الاحتفالي بالجولاني الى ساعات متقدمة من الليل.
ويمكن القول إن ما شهدته طرابلس خلال الليلتين الماضيتين كان أخطر بكثير من كل جولات العنف الماضية وما رافقها من توترات وخروقات، خصوصا في ظل إصرار بعض الجهات على تقديم أوراق اعتماد المدينة لتنظيم "القاعدة" و"جبهة النصرة"، وما يمكن أن يكون لذلك من تداعيات أمنية ونتائج كارثية على العاصمة الثانية بكاملها، لا سيما بعد أن عبرت مجموعات الجولاني عن نفسها وعن تجهيزها العسكري، في ظل صمت سياسي مريب حول ما جرى، وتراخ واضح من قبل بعض الأجهزة الأمنية في التصدي السريع لها أو استباق ما حصل بتدابير وقائية، أو في ملاحقة المسلحين الذين خرجوا من مناطقهم الى عمق المدينة.
وقد أظهر ذلك بما لا يقبل الشك بأن الخطة الأمنية ما تزال يتيمة، وأن التعاون بين الأجهزة الأمنية لم يرق الى مستوى المخاطر المحدقة بالمدينة، ما يعرّض هذه الخطة في كل مرة الى الاستهداف والاهتزاز، في وقت ما تزال فيه بعض الأطراف السياسية تتنافس على تجييرها لمصلحتها، بدل أن تتعاون مع بعضها البعض لتأمين الغطاء الكامل لها، وتنفيذ كل بنودها بما يحمي طرابلس وأهلها من الخطر الداهم.
وشكل مؤتمر "العيش المشترك مسؤولية وطنية مشتركة" الذي نظمته قوى "14 آذار" في طرابلس يوم الأحد الفائت لقياداتها وشخصياتها فقط، نموذجا عن هذا التنافس، فبقيت توصياته حبرا على ورق، ولم يتم الاعلان عن لجنة المتابعة التي ستعرض هذه التوصيات على المسؤولين المعنيين، كما لم يثمر المؤتمر عن وقف الخروقات الأمنية أو تعميم الاطمئنان في أرجاء المدينة.
وتشير المعلومات المتوافرة لـ"السفير" إلى أن المداخلات التي ألقيت في الجلسات المغلقة للمؤتمر لم تصب في تعزيز الخطة الأمنية وسحب فتائل التفجير المفترضة، بل حرّضت على مزيد من الانقسام ضمن المدينة ومنحت المجموعات المسلحة أغطية إضافية بدأت تظهر في اليومين الماضيين، وصولا الى قيام بعض المتحدثين بالتشكيك بالتعايش الاسلامي ـ المسيحي في المدينة، ما دفع بنائب طرابلس روبير فاضل الى التدخل، والتأكيد على أن ما يحصل في الفيحاء لا يمت الى الصراع الطائفي أو المذهبي بصلة، وإنما هو ناتج عن خلاف سياسي تاريخي وعميق. مشددا على أن العلاقة المسيحية ـ الاسلامية ضمن طرابلس في أفضل حالاتها، وأن المسيحيين يمارسون شعائرهم وعاداتهم وتقاليدهم في مدينتهم وضمن كنائسهم كالمعتاد، ومن دون أية ضغوطات أو صعوبات.
وجاءت مبادرات إنارة أشجار الميلاد في المدينة عقب المؤتمر بمشاركة مسيحية إسلامية، لتؤكد وجهة نظر النائب فاضل، وتدحض كل التشكيك بالتعايش القائم في المدينة.
وتشير أوساط طرابلسية لـ"السفير" الى أن المدينة لم تعد تحتاج الى مؤتمرات سياسية فئوية أو لقاءات آحادية، بل هي تحتاج الى الكف عن التحريض وعن استخدامها والاستثمار بدماء أبنائها، وتحتاج أيضا الى صدق النوايا في تضافر الجهود والتعاون مع الجيش اللبناني في تنفيذ الخطة الأمنية التي قد توفّر على المدينة جولات عنف جديدة، أو مواجهات عسكرية داخلية قد تؤدي نتائج كارثية.
في غضون ذلك، انتقل رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي أمس الى طرابلس، وعرض مع زواره شؤونا أمنية وإنمائية وإغاثية، واعطى تعليماته بضرورة الاسراع في معالجة كل الملفات العالقة، وتحديدا تلك التي تخص موضوع التعويضات للمتضررين.
وعقد على هامش زيارته لقاءات مع شخصيات وفاعليات ورجال دين، ومع الامين العام للهيئة العليا للاغاثة بالوكالة اللواء محمد الخير، كما استقبل وفودا شعبية عرضت له ما تعانيه في ظل الظروف الراهنة.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018