ارشيف من :أخبار لبنانية
فيروز .. أبعد من الهالة
ادم شمس الدين - صحيفة "السفير"
فيروز نطقت كفراً، إنّها تحبّ السيد حسن نصر الله. لم يكن ذلك على لسانها، تولّى زياد الرحباني «تهريب» تلك المعلومة في مقابلة مع موقع «العهد» التابع لـ«حزب الله» أيضاً. لم يكن للخبر بأن يمرّ مرور الكرام. فيروز أنزلت من عليائها وأخيراً. هي التي، لم يختلف على حبها وتمجيدها أحد، سفيرة لبنان إلى النجوم، الصورة الجميلة لبلد أصبح يبحث عن رمز للتمسك به كمن يبحث عن الأحياء وسط الأموات والركام. ربما أخطأ الرحباني بحديثه نيابة عنها. وربما تخطئ هي، لما لمحبيها (وكارهيها الجدُد) من حقّ عليها، بأن يسمعوا ذلك منها مباشرةً.
فيروز تحبّ نصر الله، كان ذلك كافياً لينزع عنها الممتعضون، مرتبتها «السماوية». بدأ بعضهم باستحضار أحداث من حياة «السيّدة» والعائلة الرحبانيّة، وعلاقتها بالنظام السوري وآل الأسد. كانت قناة «العربية» السعودية قد سبقت الجميع على ذلك، في أيلول العام 2012، حين استغلّت مقابلة أجراها زياد الرحباني مع قناة «الميادين»، لنشر موضوع بعنوان «علاقة فيروز بالنظام السوري». لم يكن ذلك، سبقاً صحافياً من جانب المحطة، بل أشبه بـ«رسالة تحذيرية»، مفادها القول إنّ العمل على تشويه صورة فيروز ممكن، خصوصاً بعد إشارة زياد بطريقة غير مباشرة، إلى أنّ مواقف فيروز ليست بعيدة عن موقفه السياسي.
للأيقونات الفنية والثقافية، تأثير على المزاج العام، أشدّ وأكثر قوى، من الحملات الإعلامية المنظّمة. معركة تشويه صورة فيروز ليست بمعركة خاسرة، وإن كانت بالغة الصعوبة. لكن الأمر تعدى، محاولة تشويه صورتها ورمزيتها، بل تجاوزه حدّ التعدي على قيمة فيروز الفنيّة انطلاقاً من موقف سياسي مفترض. يتعدّى الأمر مسـألة الجدال المستمرّ، حول جواز انتقاد عمل فيروز الموسيقي، أو عدمه، إلى حدّ محــاولة تحــطيم هذا المنجز في سياق موقف سياسي.
حصل الأمر نفسه مع زياد الرحباني قبل مدّة ليست ببعيدة حين أعلن انحيازه لطرف على حساب آخر. يومها بدأت حملة إدانة للرحباني الموسيقي، لتصل حدّ محاولة تسخيف إرثه الموسيقى والمسرحي. السجال حول مواقف زياد الرحباني ليس بجديد، وتعود جذوره إلى الحرب الأهليَّة. بينما تختلف الحال مع فيروز، التي ربطت نفسها بذاكرة جماعية شاملة مترفعّة عن أيّ انقسام سياسيّ، وطائفيّ، وفكريّ، تجعل من مهمّة تهشيم صورتها أكثر، صعوبة. إلَّا أنَّ ذلك لم يمنع البعض من إعلان وفاتها (الله يطول بعمرها)، أو من استــعادة النغــمة القديمــة والمــكرّرة في السخــرية من قرية فيروز والرحابنة ــ وهي ليست بالقرية التي لا تستحقّ الدفاع عنها بأيّ حال. ووصل الأمر حدّ الهجوم على كلّ ما يمت إلى ذاكرة موسيقــية وفنيّة، نســتعين بها كلّ صباح، مــع كلّ فنجان قهــوة، وفي كــلّ زحمــة سير، وبعد كــلّ «سمّة بدن» لاجتــياز النهار.
يظنّ من هاجموا فيروز خلال اليومين الماضيين، أنهم بفعلهم هذا يحطمون «الأصنام»، ويزيلون الهالة عن «المقدّس»، لكنّهم بذلك لا يفعلون إلا تشويه ما هو جميل في الأصل، وما يعدّ إرثاً لأجيال قادمة.
في السبعينيات، أقدم شاب أميركي من أصل مكسيكي، اسمه رودريغز، على تسجيل بعض الأغاني، التي تتناول وضع الطبقة المهمّشة في مدينة ديترويت الصناعية. منع الموسيقي الملقب بـ«سكستو» من الانتشار على يد الشركات المنتجة، والطبقة الفنية والسياسية الحاكمة في حينها. وشنّت حملة لتشويه صورته بكلّ الأشكال، خوفاً من تأثير أغانيه على مزاج العامة المشتعل أساساً.
استطاعت بعض أغانيه أن تصل بشكل مهرّب إلى جنوب أفريقيا، لتصبح أناشيد ثوريّة لحركة مناهضة العنصرية. ونتيجة للعقوبات المفروضة على جنوب أفريقيا حينها، لم يعلم رودريغز أنه أصبح أيقونة للملايين حتى العام 1996، بعد انهيار نظام الفصل العنصري. خلاصة القول، إن الرموز لا تموت، وإن طُمست، تحت كلّ الهراء المحيط بها. ورغم كلّ محاولات التشويه، يتنعّم بها من هم أهل لها، وستظهر أكثر جمالاً ولو بعد حين.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018