ارشيف من :أخبار لبنانية
عيد الميلاد... والقلق على المصير
جريدة الجمهورية ـ جوني منيّر
يمرّ عيد الميلاد على المسيحيين في الشرق هذه السنة، حزيناً في العراق، دامياً في سوريا، صعباً في مصر، باهتاً في الاردن وفلسطين، وقلقاً جداً في لبنان. وفي الخلاصة يمرّ صعباً على المنطقة التي شهدت ولادة السيد المسيح صاحب رسالة المحبة والسلام والذي غلب العالم بالفقر والبساطة والتواضع والتسامح.
يمرّ العيد أليماً وثقيلاً فيما يعيش مسيحيو العالم لحظات الفرح في ذكرى ولادة المخلص يسوع المسيح. ولم يعد مثار جدل او نقاش أنّ انحسار الوجود المسيحي في البقعة الجغرافية التي شهدت انطلاقتهم قد بدأ منذ عقود عدة ولو بوتيرة بطيئة، إلاّ انه تسارع كثيراً خلال العقد الزمني الأخير مع الغزو العسكري الاميركي للعراق والذي أدّى في احد نتائجه الى تصاعد الحركات المتطرفة وبالتالي استهداف الحضور المسيحي كنتيجة طبيعية لذلك.
وعلى عكس ما يعتقد بعض المسيحيين بأنّ للغرب المسيحي واجبات ادبية ملزمة تجاه اخوانه المشرقيين، الاّ انّ العواصم الكبرى وفي طليعتها واشنطن لا تنظر الى هؤلاء إلّا من زاوية خدمة مصالحها وتأمين مشاريعها الضخمة، ما يعني انه لن يرف لها جفن في حال انكشف وجود هؤلاء امام المخاطر الكثيرة والدقيقة الموجودة في هذه المنطقة المعقدة من العالم وبنحوٍ لا يتقاطع مع المصالح الاميركية.
وفي هذه الزاوية مثلاً يمكن فهم الاستهداف الذي تعرّض له مسيحيو العراق والذي كان سببه عقيدتهم الدينية وليس أيّ سبب سياسي اوعسكري آخر. ووقف "المجتمع الدولي" متفرجاً ازاء ما يحصل ومكتفياً بمواقف تنديدية باهتة. فانخفضت اعداد المسيحيين العراقيين الى الثلث، وخسروا موقعهم الاقتصادي المميز والذي كان قد جعل منهم قوة اقتصادية مؤثرة وشرياناً اقتصادياً اساسياً في العراق.
ومع الانسحاب العسكري الاميركي من بلاد الرافدين بدا أنّ وجه البلد تغير كثيراً والبديل من صدام حسين كان الفوضى والنزاع الدامي ما بين ايران والسعودية من خلال المواجهة المذهبية السنّية ـ الشيعية وكان الوجود المسيحي اول ضحاياها.
وعلى رغم التبريرات الكثيرة التي ساقتها العواصم الغربية وواكبت اندلاع الاضطرابات في سوريا على اساس انّ ما اصاب المسيحيين في العراق لن يصيب ابداً مسيحيي سوريا، فقد اثبتت التطورات التي حصلت لاحقاً انّ المخاطر نفسها التي ضربت العراق ظهرت في سوريا ولكن وفق صورة أخطر وأشد هولاً. واذا كانت مصالح الغرب قد بدت تتقاطع على وجوب ابقاء النار مشتعلة لسنوات عدة في سوريا، فإنّ الحضور المسيحي المنتشر والمشتت على مساحة الجغرافيا السوريّة كان الفريسة الأسهل للنار المجنونة المندلعة.
وبعيداً من التبريرات الساذجة لبعض الساسة اللبنانيين الذين اخطأت حساباتهم حول سوريا وتطور الاحداث فيها، فإنّ من الواضح والبديهي الإدراك انّ منازل مسيحيي سوريا ومناطقهم ستكون عرضة لغزوات من يحملون العقيدة التكفيرية والمثقلين بجروح التاريخ ومآسيه التي انتجتها غزوات الغرب مثل الحملات الصليبية، على سبيل المثال.
واذا جاء "غزو" معلولا مثالاً صارخاً بسبب القيمة الأثرية والتاريخية لهذه البلدة، إلّا انّ مناطق مسيحية عدة تعرضت للمصير الاليم نفسه في حمص وحلب والقصير ودمشق وغيرها. وللاشارة فإنّ خطف رجال الدين لا يأتي في سياق مفاهيم حربية وعسكرية، بل في اطار الاستهداف العقائدي. لذلك لم يكن هنالك من "ربيع عربي" بل "شتاء اسلامي".
وحسب ما اعلنته المؤسسات الروسية المتابعة للاوضاع في سوريا فإنّ نحو مليون مسيحي تعرضوا للتهجير وأُرغموا على ترك منازلهم، ما يعني انّ مصير المسيحيين في سوريا اقترب من مصير إخوانهم في العراق.
لذلك ارتفع صوت الفاتيكان الخائف من زوال الحضور المسيحي في الشرق، وتواصل الكرسي الرسولي مع الادارة الاميركية فور تسلم البابا مهماته الرسمية سائلاً عن الواقع المخيف الذي يتجه اليه الشرق الاوسط. ولذلك ايضاً تنشط الديبلوماسية السرية بين الفاتيكان وروسيا صاحبة الدور المستجد والمتعاظم في المنطقة.
وفي لبنان قلق كبير من تنامي المجموعات المتطرفة والتي وجدت في الساحة اللبنانية ساحة إسناد لسوريا قبل أن تعود وتعدل في الوظيفة اللبنانية لتصبح ساحة احتكاك ومواجهة. فالاشهر المقبلة ستشهد تداعيات خطيرة في لبنان في حال سيطر النظام السوري على منطقة القلمون بكاملها: انتقال الوف المقاتلين المتشددين الى الخط الممتد ما بين عرسال وطرابلس مروراً بعكار. والنتيجة الطبيعية لذلك صدامات عسكرية مذهبية في تلك المناطق وارتفاع منسوب الارهاب في لبنان.
وما يساعد اندلاع الحرائق في لبنان حال الترقب الحاصلة على المستوى الدولي. فالجميع يلتقي على أنّ مؤتمر "جنيف - 2" المتوقع انعقاده سيكون شكلياً وبلا ايّ مضمون تنفيذي. ولكي لا يخطئ كثيرون في قراءتهم كما درجت العادة أخيراً، فإنّ عدم حضور ايران لا يعاكس أبداً مناخ التفاهم القائم بين واشنطن وطهران بمشاركة موسكو.
المهم انّ حال الترقب على المستوى السياسي تعني افساح المجال والوقت لترتيب صورة ميدانية جديدة تحاكي المشاريع السياسية التي مِن المفترض ظهورها مستقبلاً. وبصريح العبارة فإنّ الترقب السياسي الدولي هو لافساح المجال امام الحماوة العسكرية، ليس فقط في سوريا، وإنما في لبنان هذه المرة.
من هذه الزاوية يمكن تفسير الكلام الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله. وهذه التطورات العسكرية يُفترض انها ستصيب خط عرسال ـ عكار ـ طرابلس في الصميم. حيث القرى والبلدات المسيحية منتشرة بكثرة.
ولكي لا تكون هذه المناطق أول ضحايا الصدام العسكري الجاري التحضير له، من المفترض أن يقدم المسؤولون الكبار على وضع الخطط الاستباقية له من خلال حماية دور الجيش اللبناني وتوسيعه، بدل التلهي بمشاريع التجديد او التمديد.
ومثلما اخطأت قيادات مسيحية في رؤيتها ونظرتها الى النزاع في سوريا، فهي اخطأت ايضاً في حق قاعدتها في لبنان بعدما ساهمت في الحملات ضد الجيش بغية تحجيم حضوره لمصلحة قوى أُخرى، بدل تعزيز دوره وحمايته كونه الضامن الجدي الوحيد للبنانيين، وخصوصاً الحضور المسيحي.
لذلك يأتي عيد الميلاد الى لبنان هذه السنة وشعور القلق كبير لدى اللبنانيين عموماً، والمسيحيين خصوصاً، والتوجس يكبر حيال سنة 2014 لا سيما في نصفها الاول.
يمرّ عيد الميلاد على المسيحيين في الشرق هذه السنة، حزيناً في العراق، دامياً في سوريا، صعباً في مصر، باهتاً في الاردن وفلسطين، وقلقاً جداً في لبنان. وفي الخلاصة يمرّ صعباً على المنطقة التي شهدت ولادة السيد المسيح صاحب رسالة المحبة والسلام والذي غلب العالم بالفقر والبساطة والتواضع والتسامح.
يمرّ العيد أليماً وثقيلاً فيما يعيش مسيحيو العالم لحظات الفرح في ذكرى ولادة المخلص يسوع المسيح. ولم يعد مثار جدل او نقاش أنّ انحسار الوجود المسيحي في البقعة الجغرافية التي شهدت انطلاقتهم قد بدأ منذ عقود عدة ولو بوتيرة بطيئة، إلاّ انه تسارع كثيراً خلال العقد الزمني الأخير مع الغزو العسكري الاميركي للعراق والذي أدّى في احد نتائجه الى تصاعد الحركات المتطرفة وبالتالي استهداف الحضور المسيحي كنتيجة طبيعية لذلك.
وعلى عكس ما يعتقد بعض المسيحيين بأنّ للغرب المسيحي واجبات ادبية ملزمة تجاه اخوانه المشرقيين، الاّ انّ العواصم الكبرى وفي طليعتها واشنطن لا تنظر الى هؤلاء إلّا من زاوية خدمة مصالحها وتأمين مشاريعها الضخمة، ما يعني انه لن يرف لها جفن في حال انكشف وجود هؤلاء امام المخاطر الكثيرة والدقيقة الموجودة في هذه المنطقة المعقدة من العالم وبنحوٍ لا يتقاطع مع المصالح الاميركية.
وفي هذه الزاوية مثلاً يمكن فهم الاستهداف الذي تعرّض له مسيحيو العراق والذي كان سببه عقيدتهم الدينية وليس أيّ سبب سياسي اوعسكري آخر. ووقف "المجتمع الدولي" متفرجاً ازاء ما يحصل ومكتفياً بمواقف تنديدية باهتة. فانخفضت اعداد المسيحيين العراقيين الى الثلث، وخسروا موقعهم الاقتصادي المميز والذي كان قد جعل منهم قوة اقتصادية مؤثرة وشرياناً اقتصادياً اساسياً في العراق.
ومع الانسحاب العسكري الاميركي من بلاد الرافدين بدا أنّ وجه البلد تغير كثيراً والبديل من صدام حسين كان الفوضى والنزاع الدامي ما بين ايران والسعودية من خلال المواجهة المذهبية السنّية ـ الشيعية وكان الوجود المسيحي اول ضحاياها.
وعلى رغم التبريرات الكثيرة التي ساقتها العواصم الغربية وواكبت اندلاع الاضطرابات في سوريا على اساس انّ ما اصاب المسيحيين في العراق لن يصيب ابداً مسيحيي سوريا، فقد اثبتت التطورات التي حصلت لاحقاً انّ المخاطر نفسها التي ضربت العراق ظهرت في سوريا ولكن وفق صورة أخطر وأشد هولاً. واذا كانت مصالح الغرب قد بدت تتقاطع على وجوب ابقاء النار مشتعلة لسنوات عدة في سوريا، فإنّ الحضور المسيحي المنتشر والمشتت على مساحة الجغرافيا السوريّة كان الفريسة الأسهل للنار المجنونة المندلعة.
وبعيداً من التبريرات الساذجة لبعض الساسة اللبنانيين الذين اخطأت حساباتهم حول سوريا وتطور الاحداث فيها، فإنّ من الواضح والبديهي الإدراك انّ منازل مسيحيي سوريا ومناطقهم ستكون عرضة لغزوات من يحملون العقيدة التكفيرية والمثقلين بجروح التاريخ ومآسيه التي انتجتها غزوات الغرب مثل الحملات الصليبية، على سبيل المثال.
واذا جاء "غزو" معلولا مثالاً صارخاً بسبب القيمة الأثرية والتاريخية لهذه البلدة، إلّا انّ مناطق مسيحية عدة تعرضت للمصير الاليم نفسه في حمص وحلب والقصير ودمشق وغيرها. وللاشارة فإنّ خطف رجال الدين لا يأتي في سياق مفاهيم حربية وعسكرية، بل في اطار الاستهداف العقائدي. لذلك لم يكن هنالك من "ربيع عربي" بل "شتاء اسلامي".
وحسب ما اعلنته المؤسسات الروسية المتابعة للاوضاع في سوريا فإنّ نحو مليون مسيحي تعرضوا للتهجير وأُرغموا على ترك منازلهم، ما يعني انّ مصير المسيحيين في سوريا اقترب من مصير إخوانهم في العراق.
لذلك ارتفع صوت الفاتيكان الخائف من زوال الحضور المسيحي في الشرق، وتواصل الكرسي الرسولي مع الادارة الاميركية فور تسلم البابا مهماته الرسمية سائلاً عن الواقع المخيف الذي يتجه اليه الشرق الاوسط. ولذلك ايضاً تنشط الديبلوماسية السرية بين الفاتيكان وروسيا صاحبة الدور المستجد والمتعاظم في المنطقة.
وفي لبنان قلق كبير من تنامي المجموعات المتطرفة والتي وجدت في الساحة اللبنانية ساحة إسناد لسوريا قبل أن تعود وتعدل في الوظيفة اللبنانية لتصبح ساحة احتكاك ومواجهة. فالاشهر المقبلة ستشهد تداعيات خطيرة في لبنان في حال سيطر النظام السوري على منطقة القلمون بكاملها: انتقال الوف المقاتلين المتشددين الى الخط الممتد ما بين عرسال وطرابلس مروراً بعكار. والنتيجة الطبيعية لذلك صدامات عسكرية مذهبية في تلك المناطق وارتفاع منسوب الارهاب في لبنان.
وما يساعد اندلاع الحرائق في لبنان حال الترقب الحاصلة على المستوى الدولي. فالجميع يلتقي على أنّ مؤتمر "جنيف - 2" المتوقع انعقاده سيكون شكلياً وبلا ايّ مضمون تنفيذي. ولكي لا يخطئ كثيرون في قراءتهم كما درجت العادة أخيراً، فإنّ عدم حضور ايران لا يعاكس أبداً مناخ التفاهم القائم بين واشنطن وطهران بمشاركة موسكو.
المهم انّ حال الترقب على المستوى السياسي تعني افساح المجال والوقت لترتيب صورة ميدانية جديدة تحاكي المشاريع السياسية التي مِن المفترض ظهورها مستقبلاً. وبصريح العبارة فإنّ الترقب السياسي الدولي هو لافساح المجال امام الحماوة العسكرية، ليس فقط في سوريا، وإنما في لبنان هذه المرة.
من هذه الزاوية يمكن تفسير الكلام الأخير للأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله. وهذه التطورات العسكرية يُفترض انها ستصيب خط عرسال ـ عكار ـ طرابلس في الصميم. حيث القرى والبلدات المسيحية منتشرة بكثرة.
ولكي لا تكون هذه المناطق أول ضحايا الصدام العسكري الجاري التحضير له، من المفترض أن يقدم المسؤولون الكبار على وضع الخطط الاستباقية له من خلال حماية دور الجيش اللبناني وتوسيعه، بدل التلهي بمشاريع التجديد او التمديد.
ومثلما اخطأت قيادات مسيحية في رؤيتها ونظرتها الى النزاع في سوريا، فهي اخطأت ايضاً في حق قاعدتها في لبنان بعدما ساهمت في الحملات ضد الجيش بغية تحجيم حضوره لمصلحة قوى أُخرى، بدل تعزيز دوره وحمايته كونه الضامن الجدي الوحيد للبنانيين، وخصوصاً الحضور المسيحي.
لذلك يأتي عيد الميلاد الى لبنان هذه السنة وشعور القلق كبير لدى اللبنانيين عموماً، والمسيحيين خصوصاً، والتوجس يكبر حيال سنة 2014 لا سيما في نصفها الاول.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018