ارشيف من :ترجمات ودراسات
طوفان الرساميل السامة في البلدان الإمبريالية
بقلم روبير بيبو
عن موقع alterinfo
4 كانون الأول / ديسمبر 2013
إعادة ضخ العائدات في الدورة الاقتصادية
في شباط / فبراير 2013، صرح المدير السابق لبنك كندا، مارك كارني، أن الشركات الكندية قد راكمت 600 مليار دولار كندي، وناشد هذه الشركات أن تقوم بتوظيف هذه الأموال أو إعادتها إلى المساهمين بدلاً من تركها "نائمة" في خزائنها!. وأكد، فوق ذلك، أن الشركات الكندية لا تعود إلى توظيف أرباحها بشكل كاف وأنها تدفع لمساهميها عوائد تتجاوز المألوف إلى حد كبير. بهذا، لوح كبير مدراء البنوك الكندية بتهديد مفاده أن من المربح اقتصادياً فرض ضرائب على عائدات الشركات العاملة في مجال الأسهم بشكل يسمح للحكومة بتقاضي قسم من هذه الكتلة النقدية النائمة. وبالطبع، فإن هذا المدافع عن مصالح الأغنياء لم يفعل غير القيام بدوره كموظف عبر إرشاد من يقومون بإدارة رأسمال الشركات باستخدام هذه الأرباح التي لا يمكن لوزير المداخيل الكندي أن يتجاهلها لفترة أطول لأنه سيتلقى عاجلاً أو آجلاً توجيهاً بالاهتمام شأنها.
منذ الأزمة الاقتصادية التي تفجرت عام 2008، لم تعد الشركات العاملة في البلدان الرأسمالية المتقدمة توظف غير نسبة ضئيلة من أرباحها. وبدلاً من ذلك أخذت توزع قسماً أكبر من أرباحها على حاملي الأسهم أو تعمد إلى شراء الأسهم المتداولة كوسيلة أخرى لإعادة الأرباح إليهم.
لكن ما قاله مارك كارني لا يتعلق إلا بنسب من الأرباح لأن التوظيفات تنمو بنسبة مستقرة. كما أن الأرباح هي من الضخامة بحيث لا تتمكن الشركات من توظيف كامل رساميلها بطريقة مربحة. ففرص الاستثمار ليست ملفتة، على الأقل بما يكفي لاستيعاب كل هذه الأموال غير المستخدمة التي تنام في خزائنها.
إن نسبة العائدات مقارنة بالاستثمارات في كبريات الشركات الكندية تسجل ارتفاعاً منذ بداية الثمانينات. ومع هذا، وعلى مستوى 35 بالمئة من هذه النسبة، يتبين أن العائدات التي يتم توزيعها تظل أقل من الاستثمارات. هذا يعني أن الاستثمار موجود، لكنه غير كاف، على ما يؤكده رئيس مجلس البنك الكندي.

المدير السابق لبنك كندا مارك كارني
وفي تقريره عن شهر تشرين الأول / أكتوبر 2013، يشير البنك الكندي إلى أن "استثمارات الشركات الكندية مرتفعة حالياً بالنسبة إلى الناتج المحلي الخام". لكن معطيات معهد الإحصاءات الكندية تبين هذه الاستثمارات قد انتعشت منذ العام 2010. هل يعني ذلك أن رئيس البنك الكندي قد وقع في الخطأ؟ لا بالتأكيد. فمارك كارني كان يعرف جيداً تلك المعطيات، لكنه يريد فقط أن يقول بأن الاستثمارات غير كافية.
كبير مدراء البنوك كان يعني أن الدولة البورجوازية هي في حالة إفلاس وأنها تترنح تحت ثقل مديونيتها السيادية (الفيدرالية والمناطقية والبلدية) وأن عدم أخذ ذلك في الاعتبار من قبل المستثمرين الرأسماليين ليس في صالحهم. لأن الدولة تعاني من نقص كبير في المداخيل ـ في وقت تم فيه استنزاف العمال وغيرهم من الأجراء وصغار البورجوازيين بشكل كامل ـ وقد تغريها فكرة زيادة الضرائب على الرأسمال وعلى أرباح الأسهم بهدف سد النقص المفرط في مداخيلها.
ويلاحظ الخبير الاقتصادي كبير المدراء الكندي (هو من الدعاة إلى تقليص صلاحيات الدولة) أن منح نسبة أعلى من الأرباح لحاملي الأسهم هو أمر طبيعي جداً في وضع اقتصادي متخم وفي مجتمع يعاني من الشيخوخة. أليس من الطبيعي أن تكون فرص الاستثمار في البلدان المتقدمة أقل مما كانت عليه قبل 40 عاماً؟ أجل هنالك على الدوام إمكانية للاستثمار الهادف إلى تحسين وضع الرأسمال المنتج وتحفيز التجديد التكنولوجي ورفع مستوى الفاعلية والانتاجية والمحافظة على استمرار التقدم في مجال المعيشة، حتى وإن كانت هذه الإمكانية أقل مما كانت عليه في السابق.
ومن يعجب لعجبنا لأننا لا نلاحظ هذا التحسن في مستوى معيشة 3 ملايين و400 ألف من الأجراء في كيبيك، و15 مليون و400 ألف من الأجراء في سائر كندا، ومليون و200 ألف كندي عاطلين عن العمل مع الإشارة إلى أن نصفهم لا يحصلون على ضمان البطالة ولا على أي خدمة اجتماعية. أين هو إذن كل هذا الازدهار ؟
عندما يصبح نهب البلدان الناهضة عملاً إنسانياً وخيرياً!
كبير مدراء البنوك والداعية إلى تقليص صلاحيات الدولة، ذلك السفسطائي الكبير، يهدينا إلى طريق الصيارفة التي كان من الممكن أن يسلكها الرأسمال والرأسماليون الذين يجولون في أدغال الاقتصاد : "منذ الثورة الصناعية، راكمت الاقتصادات الرأسمالية كمية كبيرة من الرأسمال المنتج. والآن، بات على الاقتصادات ما بعد ـ الاشتراكية أن تستفيد من ذلك للتخلص من الفقر".
مهلاً، مهلاً ! ألم نكن نعرف أن البلدان التي كانت ما تزال في أول مراحل الاشتراكية في أوروبا وإفريقيا كانت تشهد فترة من النمو الاقتصادي؟ أتكون مرجعية الحماسة عند هذا الخبير الاقتصادي غير الناضج إلى ارتفاع صادرات الهيرويين وغيره من المخدرات؟ أو إلى مبيعات الأسلحة الروسية والتشيكية والسلوفاكية؟ أو إلى تنامي تدفق النساء البيضاوات إلى "سوق" النخاسة الغربي؟ أو إلى تنامي هجرة العبيد من المهاجرين غير الشرعيين الذين يختبئون داخل المستوعبات أو فوق الزوارق المعطوبة؟ لكننا شهدنا، من الجهة الأخرى، تصاعداً لعمليات الاستثمار الغربية في الصين. غير أن استثمارات الشركات الغربية هذه يتم حسابها بأرقام الرأسمال السام الذي يجري السعي إلى منحه القيمة التي يفتقدها.
"ما نستخلصه عندما نلاحظ حركة الأرباح على الأسهم هو أن هذه الأرباح يعاد توظيفها في البلدان الصاعدة. إن أموال الأسهم في أميركا الشمالية (...) هي الأموال الكلية والعالمية التي تنظم الادخار. هنالك إذن هجرة للرساميل نحو البلدان السائرة في طريق النمو حيث تتمتع بفرص أكبر لتحقيق الأرباح. هذه الرساميل ستساعد تلك الدول على "النهوض" وعلى تنمية أساس للرأسمال المنتج الذي سيحقق لها تحسناً في مستوى المعيشة. تلك البلدان تحقق بذلك الثراء، الأمر الذي يحد من اللامساواة على الصعيد الدولي" هذا ما يقوله خبيرنا الاقتصادي المذكور، وهذه هي الأثرة الرائعة التي يتمتع بها أصحاب المليارات الكنديون تجاه سلم اللامساواة في العالم الثالث. جميع المنهوبين منهوبون بالتساوي! ذلك هو العدل من منظور البورجوازي المهذب.
رئيس البنك الكندي يدق جرس الإنذار بخصوص الـ 600 مليار دولار (الأرقام في فرنسا أكثر ضخامة) من العائدات التي لا يعاد توزيعها والتي يخشى أن تؤجج شهية وزير المالية، في حين أن الاقتصادي غير الناضج يسوق الحجج ليثبت أن ميزان الأرباح الطائلة التي يتم تخزينها سنوياً من عرق العمال والأجراء يميل نحو إعادة توظيفها بذكاء في أسواق آسيا حيث يجد الرأسمال الاحتكاري من الآن فصاعداً أيد عاملة رخيصة وأكثر طواعية في تقبل النهب مما هي عليه في الغرب حيث يدعى العاطلون الذين لا يجدون عملاً، والمتقاعدون الذين يسقطون في قبضة الفقر، والبورجوازيون الصغار المهددون بفقدان كفاف يومهم، والطلاب الذين يعملون بأجور زهيدة... حيث يدعى كل هؤلاء إلى امتداح الازدهار الذي يتقاسمونه مع إخوتهم في الفقر المكدسين في الضواحي المكتظة في دكا وشنغهاي وجوهانسبورغ وبومباي.

البنك الكندي : استثمارات الشركات الكندية مرتفعة
ويتابع خبيرنا الاقتصادي:"الأميركيون الشماليون يستثمرون إذن بشكل متزايد في أوروبا الشرقية والصين والهند وأستراليا والبرازيل والمكسيك وحتى في إفريقيا. ذلك ليس بالأمر الطبيعي وحسب، بل إنه ما نتمناه كثيراً! في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، سمح الرأسمال البريطاني للولايات المتحدة (وكندا) بتحقيق النمو من خلال تمويل رأسمالهما المنتج. رأسمال مجموعة البلدان السبعة يمكنه أن يساعد البلدان الصاعدة على التخلص من البؤس. والحقيقة أن ذلك الرأسمال هو ما يفسر انخفاض مستوى اللامساواة على الصعيد الدولي لأن رساميل البلدان الغنية تساعد البلدان الفقيرة على اللحاق بالبلدان الغنية على صعيد مستوى المعيشة".
إن أشكال اللامساواة الاجتماعية تسجل ارتفاعاً مستمراً منذ أن بدأ الرأسمال المالي بتوليد الثروة السامة ـ "غير الطبيعية" والواقعة بشكل كامل خارج دورات إنتاج القيمة، وكذلك منذ أن أصبح بإمكان أصحاب المليارات أن يكونوا أكثر غنى باستمرار، في حين أن العمال يصبحون أكثر فقراً باستمرار. صحيح أن فقراء الغرب يقتربون من حيث مستوى معيشتهم من فقراء العالم الثالث بفعل نهبهم واستنزافهم. بهذا يتضاءل الفارق بين المتسول الغربي والعامل الفقير في إفريقيا الشرقية. ولكن هل يسمح لنا هذا الواقع بالكلام عن تقلص اللامساواة على الصعيد العالمي؟ ثم ما هي هذه الطريقة الجميلة في تزيين نقل التصنيع من البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة بهذا الشكل الذي يدمر العمالة في كندا وفرنسا وغيرهما من بلدان الغرب ويقلص الأجور ويفاقم الفقر على مستوى جميع العمال البروليتاريين؟
وبالعودة إلى استخلاصات خبيرنا الاقتصادي بدعوته إلى تقليص صلاحيات الدولة، هل تعلمون أن المرتب المزري الذي لا يزيد عن 25 دولار شهريا والذي يدفع إلى الأجراء المستعبدين في بنغلادش هو ما يضمن للأجراء الغربيين احتفاظهم بمستوى معيشتهم؟ إن الأرباح الهائلة التي تجبى من البلدان الفقيرة تعيدها الشركات الغربية الامبريالية إلى بلدان الغرب، وهي تزيد بشكل لامتناه على الأعطيات التي يتم التصدق بها على البلدان الفقيرة. وهذه الأرباح هي ما يسمح حتى الآن (ولكن الآن ولى بغير رجعة) للشركات الغربية بأن تبقي أجور العمال الغربيين في مستواها الراهن.
ولكن، ها إن ما كان ينبغي أن يحدث قد حدث. فلكثرة ما جرى نقل الصناعات والعمالة إلى البلدان الفقيرة، تدهور وضع العمالة في كندا وفرنسا. لقد تقلص العمل في الصناعة بينما تنامى التوظيف بشدة في مجال الخدمات ذات الأجور المتدنية (الصيانة العامة والمنزلية، الملحقات الطبية، والحراسة ورعاية الأطفال، ومطاعم الوجبات السريعة، والفنادق، وتجارة المفرق، وسيارات الأجرة والنقل، وعلى مستوى الموظفين في الخدمات العامة والخدمات الملحقة بها. وتشكل هذه الأعمال 65 % من الوظائف في كندا، والوضع في فرنسا أشد سوءاً.
لحسن الحظ أن العمالة في الرباعي المالي والإدارة والتجديد قد تحسن وضعها هي أيضاً، إلا أنه ليس من المؤكد أن هذه القطاعات لن تنتقل بدورها نحو المراكز المالية الكبرى حيث تتركز الأبحاث والتنمية والتصريف في مراكز عالمية كبرى كنيويورك وشنغهاي وهونغ كونغ وبومباي وباريس ولندن.
البنوك تبني أعشاشاً للإقراض ستفضي إلى ضرب صدقيتها
عندما ينعدم التضخم، تتناقص كتلة الأجور الكلية ويؤدي ذلك إلى جمود الاستهلاك والأسواق في المراكز الأوروبية. إنها ظاهرة انكماش الأسواق التي سيسعى الإقراض من أجل تحفيز الاستهلاك إلى تعويضها من خلال حمل المستهلكين على أن ينفقوا اليوم أموالاً لن يكون بمقدور العمال العاطلين عن العمل أن يحصلوها غداً... إن سوق الاستهلاك الواسعة في الغرب مهددة بالجمود، وهذا ما تتوجس منه البنوك والشركات الاحتكارية. فالواقع أن فرص الاستثمار قد أصبحت نادرة أكثر فأكثر في بلدان الازدهار المتراجع، وهذا بالرغم من كون الشركات الكندية والفرنسية والأميركية تستعيد إلى بلادها ما تجنيه من أرباح في البلدان الصاعدة بدلاً من أن توظفها في تلك البلدان، على ما يؤكده خبيرنا الاقتصادي الحالم :
"بخصوص الشركات الكندية، لا يجب أن نتعجب لأن هذه الشركات قد حافظت على هامش أكبر للمناورة في أعقاب أزمة مالية كبرى توقفت عن العمل خلالها أسواق الرساميل بشكل كامل. ذلك يدل على أنها قد استوعبت الدرس بشكل جيد"، على ما يقوله خبيرنا الاقتصادي. لكن خبيرنا كان عليه أن يبرهن بدلاً من أن يغمغم. فوق ذلك، إن أكثر من نصف الشركات الخمس وعشرين التي يرجع إليها على أساس أنها تتمتع بمستوى عال من الربحية هي مؤسسات مالية رفعت من مستوى السيولة عندها لأن القانون قد فرض ذلك منذ أزمة العام 2008.

تنامى التوظيف في الخدمات مقابل تقلص الصناعة
لكن البنوك الكندية لا تحقق هذا المستوى من الأرباح الضرورية لأن تحمي نفسها من الإقراض السام والعالي الخطورة الذي تلجأ إليه بشكل يومي. يكفيها أن تقلص فرص الحصول على قروض أمام من لا يمكنهم سداد ما يقترضونه من أموال. غير أن البنوك تسهل بدلاً من ذلك عمليات الإقراض الخبيثة لثلاثة أسباب:
الأول: تقليص عمليات الإقراض يؤدي مباشرة إلى شلل كامل الاقتصاد الكندي أو، على الأقل، جانبه الطفيلي وغير المرئي.
الثاني: كتلة الرساميل غير المستخدمة تدلل على أن أية فرصة للاستثمار غير متاحة أمام الرأسمال المتعطش للربح. فميزة الرأسمال المالي هي سعيه إلى توظيف نفسه من جديد بهدف إطلاق دورة جديدة من تحقيق القيمة التي تضمن ربحية أكبر. فإذا لم يتيسر ذلك للرأسمال يكون السبب في ذلك تناقص فرص الاستثمار.
الثالث: وجود كمية ضخمة من الرساميل يدلل على أن الكتلة النقدية المتداولة هي كتلة فائضة ومتضخمة بالقياس إلى النشاط الاقتصادي المنتج. لأن كل شركة لا بد أن تحتفظ بمقدار من السيولة لتحمي نفسها من عروضات الشراء العامة المنافسة.
أموال فائضة عن اللزوم تلهث وراء قيمة زائدة ضئيلة وغير كافية. هذا غريب،أليس كذلك؟ سبق وقلنا أن كتلة الأرباح ضخمة وتتنامى باستمرار. ولكن الحقيقة أن ما ينتفخ هو الكتلة النقدية غير المستندة إلى إنتاج ملموس وإلى سوق يقوم بتصريفها لأن هذا المال يدور في الفراغ داخل الدورة النقدية دون أن يمر، ولو لجزء منه، في الدورة الانتاجية الملموسة التي تتكون فيها القيمة التبادلية.
ويمكننا تكوين فكرة عن ضخامة عملية الاحتيال النقدي من خلال معطيين اثنين: قيمة التبادلات النقدية تفوق القيمة الكلية للتجارة العالمية في مجال البضائع والخدمات بخمسين مرة. فقد تضاعف حجم التبادلات التجارية في العالم بين العام 1948 والعام 1997 حوالي 17 مرة في حين لم يتضاعف الانتاج الكلي إلا 6 مرات. وهذا الانتفاخ التجاري هو نتيجة لتجزئة عملية إنتاج البضائع التي تصنع بالقطعة في بلدان معينة قبل أن يصار إلى تجميعها في بلدان أخرى.
إن المال الوهمي (أرباح الشركات ورساميلها المتحركة، وأرباح الأسهم) يتحرك داخل الدورة النقدية ولصالح الدائرة المالية حصراً. والواقع أن هذه الدائرة المالية (الوهمية بالمعنى الانتاجي) قد استنفذت قدراتها الاحتيالية وستنفجر شأن جميع الفقاعات المالية السابقة. والأمر الثابت الوحيد هو أن انفجار كل فقاعة مالية يلحق بالاقتصاد الرأسمالي ضرراً أكبر من الذي ألحقه به انفجار الفقاعة السابقة.
مدرسة الاحتيال الاقتصادي الداعية إلى تقليص صلاحيات الدولة
لننظر الآن في خرافة كبيرة ينشرها خبيرنا الاقتصادي مع زعمه بأنه يحاربها. فهو يتحدث عن البورصة والاستثمارات بهذه الكلمات المثقلة بما تثيره من شبهات : "ما تفضي إليه خرافة إعادة توظيف الأرباح هو التالي : كل دولار يتم توظيفه في البورصة يصبح بمعنى ما "غير فاعل". فنحن عندما نشتري أسهماً لأحدى الشركات العاملة في سوق البورصة، فإن المال الذي ندفعه لا يذهب مباشرة إلى تلك الشركة لتمويل استثماراتها. لنقل إذن بأنكم تستخدمون مدخراتكم في شراء أسهم لشركة "مترو". هذه الشركة المبتدئة تمول نفسها عن طريق أرباحها. وبهذا تكونون قد أسهمتم في رفع أسعار أسهم هذه الشركة". وبالفعل، فإن شركة "مترو" قد أظهرت مهاراتها في الماضي إلى درجة مكنتها من أن تحقق شبه سيطرة احتكارية كاملة على سوق الأغذية في كيبيك، وبات بإمكانها أن ترفع اسعارها بانتظام بفضل تواطؤ العدد القليل من منافسيها. هذا ما نعرفه نحن الناس العاديون الذين لا يملكون مالاً يستثمرونه عن النجاح المالي لشركة "مترو".
ثم يلتهب خبيراً الاقتصادي حماساً وهو يقول"عاجلاً أو آجلاً، سيتم استخدام المال لشراء أسهم جديدة لشركة تطرح مشروعاً للاستثمار المالي. وعليه، فإن مالكم ـ إذا لم يجد طريقه إلى شركة "مترو" ـ فإنه سيستثمر في الإنتاج، أو في دور "سينبلكس" السينمائية. فالمال الذي لا يصب في البورصة يصب دائماً في رأسمال جديد يتم استثماره في الانتاج. إذن لا تنتهي رحلة مدخراتكم في بركة القطع الذهبية الخاصة بالمحتالين.

انفجار كل فقاعة مالية يلحق اضرار بالاقتصاد الرأسمالي
لنخفف مؤقتاً من هذا الهذيان الحماسي عند خبيرنا في التوظيف المالي. هل من الصحيح أن مالكم (إذا كان لديكم مال للتوظيف) سيتحول يوماً ما إلى "رأسمال" موظف في عملية الإنتاج؟ لا بالتأكيد. لأن شركة تقدم عروضاً سينمائية تتنازع مع منافسيها على قسم من مداخيل الأجراء الذين يقبلون دفع ثمن استمتاعهم بتلك العروض التي تسهم في إعادة الإنتاج الاجتماعي لقوة عملهم. فـ "سينبلكس" تبيع التسلية ولا تنتج أية ثروة. والأمر نفسه ينطبق على "صناعة" اليانصيب التي تستولى على آخر قروش الأجراء لتتمكن الحكومة من تحصيل 1،2 مليار دولار من الضرائب الطوعية. صناعة لا تنتج غير الحسرة وخيبة الأمل.
خبيرنا الاقتصادي أثبت أنه متواطئ بما يكفي. فمن "مترو" إلى "البنك الوطني" ومن "إنرجكس" إلى "سينبلكس"، يظل التنقل خاطئاً ولكنه كاف. ما هو السبب في كون البنوك قد بالغت في مكافأة نفسها على مستوى السيولة خلال السنوات الأخيرة، ثم في إرباك نفسها بكل هذا الاحتياطي النقدي منذ الأزمة المالية الأخيرة؟ ذلكم أنه بفضل البنك الوطني وصندوق الضمان والتوظيف في كيبيك ومجموعات إدارة الأموال المشتركة، وعلى الرغم من التشريعات، وجدت مليارات الدولارات المأخوذة من مدخرات الناس العاديين، وجدت نفسها لا بحوزة "سنكور" أو"مترو" أو"إنرجيكس" أو "سينبلكس"، بل في "منتجات مشتقة سامة"، أي في هذا الإسم المتعفف المستخدم للدلالة على الاستثمرات الخبيثة الضخمة التي انفجرت يوماً في وجوه بائعيها ومشتريها والتي ستنفجر مجدداً في القريب الآتي. باختصار، إن آلاف المدخرين الصغار خسروا آخر قرش يملكونه من خلال رهونات تزيد كثيراً عن قيمتها الفعلية وتوظيفات غير منتجة بالمرة. وفي القريب سنسمع المزيد عن أمثال مادوف ونوربورغ.
إذا كان لـ 600 مليار دولار أن تبقى هكذا مجمدة وغير مستثمرة، فإن ذلك يعود بكل بساطة إلى انعدام فرص تثميرها وحيازتها على قيمة فائضة. وليكن من المعلوم أن كل الاقتصاديين يلعنون هذا الوضع الاقتصادي، لكنهم لا يستطيعون فعل أي شيء لأن هذا النظام الاقتصادي الفوضوي والبالي هو في حالة تعطل، على الرغم من مواعظ خبيرنا الاقتصادي، ولأن الأزمة التي يخشاها الاقتصاديون تقترب بسرعة في حين أن أكوام ممتلكاتهم الورقية الفاقدة لقيمتها لن تزيد قيمتها قريباً عن قيمة مصنع في إسبانيا. يمكن للحكومة أن تفرض الضرائب والضرائب المجحفة على المزارع لكي تحصل على رساميل تزعم بأنها تحفز العمالة والوظائف. ويمكن للحكومة أن تقلص أسعار الكهرباء لشركات أصحاب المليارات وأن ترفع هذه الأسعار على المستهلكين العاديين الطيبين. كما يمكنها أن تدع الناهبين ينهبون الأرض، لكن كل ذلك لن يغير شيئاً في واقع الأمر. فالازدهار الاقتصادي لن يكون في متناول اليد وأرباح الشركات ستذوب كما يذوب الثلج في حر آب. مارك كارني كان يعرف أن الوسيلة الوحيدة لإنقاذ هذه الرساميل هي في تحويلها إلى وسائل إنتاج أو إلى عقارات. ولكن هل سيفهم الرأسماليون ذلك ؟
عن موقع alterinfo
4 كانون الأول / ديسمبر 2013
إعادة ضخ العائدات في الدورة الاقتصادية
في شباط / فبراير 2013، صرح المدير السابق لبنك كندا، مارك كارني، أن الشركات الكندية قد راكمت 600 مليار دولار كندي، وناشد هذه الشركات أن تقوم بتوظيف هذه الأموال أو إعادتها إلى المساهمين بدلاً من تركها "نائمة" في خزائنها!. وأكد، فوق ذلك، أن الشركات الكندية لا تعود إلى توظيف أرباحها بشكل كاف وأنها تدفع لمساهميها عوائد تتجاوز المألوف إلى حد كبير. بهذا، لوح كبير مدراء البنوك الكندية بتهديد مفاده أن من المربح اقتصادياً فرض ضرائب على عائدات الشركات العاملة في مجال الأسهم بشكل يسمح للحكومة بتقاضي قسم من هذه الكتلة النقدية النائمة. وبالطبع، فإن هذا المدافع عن مصالح الأغنياء لم يفعل غير القيام بدوره كموظف عبر إرشاد من يقومون بإدارة رأسمال الشركات باستخدام هذه الأرباح التي لا يمكن لوزير المداخيل الكندي أن يتجاهلها لفترة أطول لأنه سيتلقى عاجلاً أو آجلاً توجيهاً بالاهتمام شأنها.
منذ الأزمة الاقتصادية التي تفجرت عام 2008، لم تعد الشركات العاملة في البلدان الرأسمالية المتقدمة توظف غير نسبة ضئيلة من أرباحها. وبدلاً من ذلك أخذت توزع قسماً أكبر من أرباحها على حاملي الأسهم أو تعمد إلى شراء الأسهم المتداولة كوسيلة أخرى لإعادة الأرباح إليهم.
لكن ما قاله مارك كارني لا يتعلق إلا بنسب من الأرباح لأن التوظيفات تنمو بنسبة مستقرة. كما أن الأرباح هي من الضخامة بحيث لا تتمكن الشركات من توظيف كامل رساميلها بطريقة مربحة. ففرص الاستثمار ليست ملفتة، على الأقل بما يكفي لاستيعاب كل هذه الأموال غير المستخدمة التي تنام في خزائنها.
إن نسبة العائدات مقارنة بالاستثمارات في كبريات الشركات الكندية تسجل ارتفاعاً منذ بداية الثمانينات. ومع هذا، وعلى مستوى 35 بالمئة من هذه النسبة، يتبين أن العائدات التي يتم توزيعها تظل أقل من الاستثمارات. هذا يعني أن الاستثمار موجود، لكنه غير كاف، على ما يؤكده رئيس مجلس البنك الكندي.

المدير السابق لبنك كندا مارك كارني
كبير مدراء البنوك كان يعني أن الدولة البورجوازية هي في حالة إفلاس وأنها تترنح تحت ثقل مديونيتها السيادية (الفيدرالية والمناطقية والبلدية) وأن عدم أخذ ذلك في الاعتبار من قبل المستثمرين الرأسماليين ليس في صالحهم. لأن الدولة تعاني من نقص كبير في المداخيل ـ في وقت تم فيه استنزاف العمال وغيرهم من الأجراء وصغار البورجوازيين بشكل كامل ـ وقد تغريها فكرة زيادة الضرائب على الرأسمال وعلى أرباح الأسهم بهدف سد النقص المفرط في مداخيلها.
ويلاحظ الخبير الاقتصادي كبير المدراء الكندي (هو من الدعاة إلى تقليص صلاحيات الدولة) أن منح نسبة أعلى من الأرباح لحاملي الأسهم هو أمر طبيعي جداً في وضع اقتصادي متخم وفي مجتمع يعاني من الشيخوخة. أليس من الطبيعي أن تكون فرص الاستثمار في البلدان المتقدمة أقل مما كانت عليه قبل 40 عاماً؟ أجل هنالك على الدوام إمكانية للاستثمار الهادف إلى تحسين وضع الرأسمال المنتج وتحفيز التجديد التكنولوجي ورفع مستوى الفاعلية والانتاجية والمحافظة على استمرار التقدم في مجال المعيشة، حتى وإن كانت هذه الإمكانية أقل مما كانت عليه في السابق.
ومن يعجب لعجبنا لأننا لا نلاحظ هذا التحسن في مستوى معيشة 3 ملايين و400 ألف من الأجراء في كيبيك، و15 مليون و400 ألف من الأجراء في سائر كندا، ومليون و200 ألف كندي عاطلين عن العمل مع الإشارة إلى أن نصفهم لا يحصلون على ضمان البطالة ولا على أي خدمة اجتماعية. أين هو إذن كل هذا الازدهار ؟
عندما يصبح نهب البلدان الناهضة عملاً إنسانياً وخيرياً!
كبير مدراء البنوك والداعية إلى تقليص صلاحيات الدولة، ذلك السفسطائي الكبير، يهدينا إلى طريق الصيارفة التي كان من الممكن أن يسلكها الرأسمال والرأسماليون الذين يجولون في أدغال الاقتصاد : "منذ الثورة الصناعية، راكمت الاقتصادات الرأسمالية كمية كبيرة من الرأسمال المنتج. والآن، بات على الاقتصادات ما بعد ـ الاشتراكية أن تستفيد من ذلك للتخلص من الفقر".
مهلاً، مهلاً ! ألم نكن نعرف أن البلدان التي كانت ما تزال في أول مراحل الاشتراكية في أوروبا وإفريقيا كانت تشهد فترة من النمو الاقتصادي؟ أتكون مرجعية الحماسة عند هذا الخبير الاقتصادي غير الناضج إلى ارتفاع صادرات الهيرويين وغيره من المخدرات؟ أو إلى مبيعات الأسلحة الروسية والتشيكية والسلوفاكية؟ أو إلى تنامي تدفق النساء البيضاوات إلى "سوق" النخاسة الغربي؟ أو إلى تنامي هجرة العبيد من المهاجرين غير الشرعيين الذين يختبئون داخل المستوعبات أو فوق الزوارق المعطوبة؟ لكننا شهدنا، من الجهة الأخرى، تصاعداً لعمليات الاستثمار الغربية في الصين. غير أن استثمارات الشركات الغربية هذه يتم حسابها بأرقام الرأسمال السام الذي يجري السعي إلى منحه القيمة التي يفتقدها.
"ما نستخلصه عندما نلاحظ حركة الأرباح على الأسهم هو أن هذه الأرباح يعاد توظيفها في البلدان الصاعدة. إن أموال الأسهم في أميركا الشمالية (...) هي الأموال الكلية والعالمية التي تنظم الادخار. هنالك إذن هجرة للرساميل نحو البلدان السائرة في طريق النمو حيث تتمتع بفرص أكبر لتحقيق الأرباح. هذه الرساميل ستساعد تلك الدول على "النهوض" وعلى تنمية أساس للرأسمال المنتج الذي سيحقق لها تحسناً في مستوى المعيشة. تلك البلدان تحقق بذلك الثراء، الأمر الذي يحد من اللامساواة على الصعيد الدولي" هذا ما يقوله خبيرنا الاقتصادي المذكور، وهذه هي الأثرة الرائعة التي يتمتع بها أصحاب المليارات الكنديون تجاه سلم اللامساواة في العالم الثالث. جميع المنهوبين منهوبون بالتساوي! ذلك هو العدل من منظور البورجوازي المهذب.
رئيس البنك الكندي يدق جرس الإنذار بخصوص الـ 600 مليار دولار (الأرقام في فرنسا أكثر ضخامة) من العائدات التي لا يعاد توزيعها والتي يخشى أن تؤجج شهية وزير المالية، في حين أن الاقتصادي غير الناضج يسوق الحجج ليثبت أن ميزان الأرباح الطائلة التي يتم تخزينها سنوياً من عرق العمال والأجراء يميل نحو إعادة توظيفها بذكاء في أسواق آسيا حيث يجد الرأسمال الاحتكاري من الآن فصاعداً أيد عاملة رخيصة وأكثر طواعية في تقبل النهب مما هي عليه في الغرب حيث يدعى العاطلون الذين لا يجدون عملاً، والمتقاعدون الذين يسقطون في قبضة الفقر، والبورجوازيون الصغار المهددون بفقدان كفاف يومهم، والطلاب الذين يعملون بأجور زهيدة... حيث يدعى كل هؤلاء إلى امتداح الازدهار الذي يتقاسمونه مع إخوتهم في الفقر المكدسين في الضواحي المكتظة في دكا وشنغهاي وجوهانسبورغ وبومباي.

البنك الكندي : استثمارات الشركات الكندية مرتفعة
إن أشكال اللامساواة الاجتماعية تسجل ارتفاعاً مستمراً منذ أن بدأ الرأسمال المالي بتوليد الثروة السامة ـ "غير الطبيعية" والواقعة بشكل كامل خارج دورات إنتاج القيمة، وكذلك منذ أن أصبح بإمكان أصحاب المليارات أن يكونوا أكثر غنى باستمرار، في حين أن العمال يصبحون أكثر فقراً باستمرار. صحيح أن فقراء الغرب يقتربون من حيث مستوى معيشتهم من فقراء العالم الثالث بفعل نهبهم واستنزافهم. بهذا يتضاءل الفارق بين المتسول الغربي والعامل الفقير في إفريقيا الشرقية. ولكن هل يسمح لنا هذا الواقع بالكلام عن تقلص اللامساواة على الصعيد العالمي؟ ثم ما هي هذه الطريقة الجميلة في تزيين نقل التصنيع من البلدان الغنية إلى البلدان الفقيرة بهذا الشكل الذي يدمر العمالة في كندا وفرنسا وغيرهما من بلدان الغرب ويقلص الأجور ويفاقم الفقر على مستوى جميع العمال البروليتاريين؟
وبالعودة إلى استخلاصات خبيرنا الاقتصادي بدعوته إلى تقليص صلاحيات الدولة، هل تعلمون أن المرتب المزري الذي لا يزيد عن 25 دولار شهريا والذي يدفع إلى الأجراء المستعبدين في بنغلادش هو ما يضمن للأجراء الغربيين احتفاظهم بمستوى معيشتهم؟ إن الأرباح الهائلة التي تجبى من البلدان الفقيرة تعيدها الشركات الغربية الامبريالية إلى بلدان الغرب، وهي تزيد بشكل لامتناه على الأعطيات التي يتم التصدق بها على البلدان الفقيرة. وهذه الأرباح هي ما يسمح حتى الآن (ولكن الآن ولى بغير رجعة) للشركات الغربية بأن تبقي أجور العمال الغربيين في مستواها الراهن.
ولكن، ها إن ما كان ينبغي أن يحدث قد حدث. فلكثرة ما جرى نقل الصناعات والعمالة إلى البلدان الفقيرة، تدهور وضع العمالة في كندا وفرنسا. لقد تقلص العمل في الصناعة بينما تنامى التوظيف بشدة في مجال الخدمات ذات الأجور المتدنية (الصيانة العامة والمنزلية، الملحقات الطبية، والحراسة ورعاية الأطفال، ومطاعم الوجبات السريعة، والفنادق، وتجارة المفرق، وسيارات الأجرة والنقل، وعلى مستوى الموظفين في الخدمات العامة والخدمات الملحقة بها. وتشكل هذه الأعمال 65 % من الوظائف في كندا، والوضع في فرنسا أشد سوءاً.
لحسن الحظ أن العمالة في الرباعي المالي والإدارة والتجديد قد تحسن وضعها هي أيضاً، إلا أنه ليس من المؤكد أن هذه القطاعات لن تنتقل بدورها نحو المراكز المالية الكبرى حيث تتركز الأبحاث والتنمية والتصريف في مراكز عالمية كبرى كنيويورك وشنغهاي وهونغ كونغ وبومباي وباريس ولندن.
البنوك تبني أعشاشاً للإقراض ستفضي إلى ضرب صدقيتها
عندما ينعدم التضخم، تتناقص كتلة الأجور الكلية ويؤدي ذلك إلى جمود الاستهلاك والأسواق في المراكز الأوروبية. إنها ظاهرة انكماش الأسواق التي سيسعى الإقراض من أجل تحفيز الاستهلاك إلى تعويضها من خلال حمل المستهلكين على أن ينفقوا اليوم أموالاً لن يكون بمقدور العمال العاطلين عن العمل أن يحصلوها غداً... إن سوق الاستهلاك الواسعة في الغرب مهددة بالجمود، وهذا ما تتوجس منه البنوك والشركات الاحتكارية. فالواقع أن فرص الاستثمار قد أصبحت نادرة أكثر فأكثر في بلدان الازدهار المتراجع، وهذا بالرغم من كون الشركات الكندية والفرنسية والأميركية تستعيد إلى بلادها ما تجنيه من أرباح في البلدان الصاعدة بدلاً من أن توظفها في تلك البلدان، على ما يؤكده خبيرنا الاقتصادي الحالم :
"بخصوص الشركات الكندية، لا يجب أن نتعجب لأن هذه الشركات قد حافظت على هامش أكبر للمناورة في أعقاب أزمة مالية كبرى توقفت عن العمل خلالها أسواق الرساميل بشكل كامل. ذلك يدل على أنها قد استوعبت الدرس بشكل جيد"، على ما يقوله خبيرنا الاقتصادي. لكن خبيرنا كان عليه أن يبرهن بدلاً من أن يغمغم. فوق ذلك، إن أكثر من نصف الشركات الخمس وعشرين التي يرجع إليها على أساس أنها تتمتع بمستوى عال من الربحية هي مؤسسات مالية رفعت من مستوى السيولة عندها لأن القانون قد فرض ذلك منذ أزمة العام 2008.

تنامى التوظيف في الخدمات مقابل تقلص الصناعة
الأول: تقليص عمليات الإقراض يؤدي مباشرة إلى شلل كامل الاقتصاد الكندي أو، على الأقل، جانبه الطفيلي وغير المرئي.
الثاني: كتلة الرساميل غير المستخدمة تدلل على أن أية فرصة للاستثمار غير متاحة أمام الرأسمال المتعطش للربح. فميزة الرأسمال المالي هي سعيه إلى توظيف نفسه من جديد بهدف إطلاق دورة جديدة من تحقيق القيمة التي تضمن ربحية أكبر. فإذا لم يتيسر ذلك للرأسمال يكون السبب في ذلك تناقص فرص الاستثمار.
الثالث: وجود كمية ضخمة من الرساميل يدلل على أن الكتلة النقدية المتداولة هي كتلة فائضة ومتضخمة بالقياس إلى النشاط الاقتصادي المنتج. لأن كل شركة لا بد أن تحتفظ بمقدار من السيولة لتحمي نفسها من عروضات الشراء العامة المنافسة.
أموال فائضة عن اللزوم تلهث وراء قيمة زائدة ضئيلة وغير كافية. هذا غريب،أليس كذلك؟ سبق وقلنا أن كتلة الأرباح ضخمة وتتنامى باستمرار. ولكن الحقيقة أن ما ينتفخ هو الكتلة النقدية غير المستندة إلى إنتاج ملموس وإلى سوق يقوم بتصريفها لأن هذا المال يدور في الفراغ داخل الدورة النقدية دون أن يمر، ولو لجزء منه، في الدورة الانتاجية الملموسة التي تتكون فيها القيمة التبادلية.
ويمكننا تكوين فكرة عن ضخامة عملية الاحتيال النقدي من خلال معطيين اثنين: قيمة التبادلات النقدية تفوق القيمة الكلية للتجارة العالمية في مجال البضائع والخدمات بخمسين مرة. فقد تضاعف حجم التبادلات التجارية في العالم بين العام 1948 والعام 1997 حوالي 17 مرة في حين لم يتضاعف الانتاج الكلي إلا 6 مرات. وهذا الانتفاخ التجاري هو نتيجة لتجزئة عملية إنتاج البضائع التي تصنع بالقطعة في بلدان معينة قبل أن يصار إلى تجميعها في بلدان أخرى.
إن المال الوهمي (أرباح الشركات ورساميلها المتحركة، وأرباح الأسهم) يتحرك داخل الدورة النقدية ولصالح الدائرة المالية حصراً. والواقع أن هذه الدائرة المالية (الوهمية بالمعنى الانتاجي) قد استنفذت قدراتها الاحتيالية وستنفجر شأن جميع الفقاعات المالية السابقة. والأمر الثابت الوحيد هو أن انفجار كل فقاعة مالية يلحق بالاقتصاد الرأسمالي ضرراً أكبر من الذي ألحقه به انفجار الفقاعة السابقة.
مدرسة الاحتيال الاقتصادي الداعية إلى تقليص صلاحيات الدولة
لننظر الآن في خرافة كبيرة ينشرها خبيرنا الاقتصادي مع زعمه بأنه يحاربها. فهو يتحدث عن البورصة والاستثمارات بهذه الكلمات المثقلة بما تثيره من شبهات : "ما تفضي إليه خرافة إعادة توظيف الأرباح هو التالي : كل دولار يتم توظيفه في البورصة يصبح بمعنى ما "غير فاعل". فنحن عندما نشتري أسهماً لأحدى الشركات العاملة في سوق البورصة، فإن المال الذي ندفعه لا يذهب مباشرة إلى تلك الشركة لتمويل استثماراتها. لنقل إذن بأنكم تستخدمون مدخراتكم في شراء أسهم لشركة "مترو". هذه الشركة المبتدئة تمول نفسها عن طريق أرباحها. وبهذا تكونون قد أسهمتم في رفع أسعار أسهم هذه الشركة". وبالفعل، فإن شركة "مترو" قد أظهرت مهاراتها في الماضي إلى درجة مكنتها من أن تحقق شبه سيطرة احتكارية كاملة على سوق الأغذية في كيبيك، وبات بإمكانها أن ترفع اسعارها بانتظام بفضل تواطؤ العدد القليل من منافسيها. هذا ما نعرفه نحن الناس العاديون الذين لا يملكون مالاً يستثمرونه عن النجاح المالي لشركة "مترو".
ثم يلتهب خبيراً الاقتصادي حماساً وهو يقول"عاجلاً أو آجلاً، سيتم استخدام المال لشراء أسهم جديدة لشركة تطرح مشروعاً للاستثمار المالي. وعليه، فإن مالكم ـ إذا لم يجد طريقه إلى شركة "مترو" ـ فإنه سيستثمر في الإنتاج، أو في دور "سينبلكس" السينمائية. فالمال الذي لا يصب في البورصة يصب دائماً في رأسمال جديد يتم استثماره في الانتاج. إذن لا تنتهي رحلة مدخراتكم في بركة القطع الذهبية الخاصة بالمحتالين.

انفجار كل فقاعة مالية يلحق اضرار بالاقتصاد الرأسمالي
خبيرنا الاقتصادي أثبت أنه متواطئ بما يكفي. فمن "مترو" إلى "البنك الوطني" ومن "إنرجكس" إلى "سينبلكس"، يظل التنقل خاطئاً ولكنه كاف. ما هو السبب في كون البنوك قد بالغت في مكافأة نفسها على مستوى السيولة خلال السنوات الأخيرة، ثم في إرباك نفسها بكل هذا الاحتياطي النقدي منذ الأزمة المالية الأخيرة؟ ذلكم أنه بفضل البنك الوطني وصندوق الضمان والتوظيف في كيبيك ومجموعات إدارة الأموال المشتركة، وعلى الرغم من التشريعات، وجدت مليارات الدولارات المأخوذة من مدخرات الناس العاديين، وجدت نفسها لا بحوزة "سنكور" أو"مترو" أو"إنرجيكس" أو "سينبلكس"، بل في "منتجات مشتقة سامة"، أي في هذا الإسم المتعفف المستخدم للدلالة على الاستثمرات الخبيثة الضخمة التي انفجرت يوماً في وجوه بائعيها ومشتريها والتي ستنفجر مجدداً في القريب الآتي. باختصار، إن آلاف المدخرين الصغار خسروا آخر قرش يملكونه من خلال رهونات تزيد كثيراً عن قيمتها الفعلية وتوظيفات غير منتجة بالمرة. وفي القريب سنسمع المزيد عن أمثال مادوف ونوربورغ.
إذا كان لـ 600 مليار دولار أن تبقى هكذا مجمدة وغير مستثمرة، فإن ذلك يعود بكل بساطة إلى انعدام فرص تثميرها وحيازتها على قيمة فائضة. وليكن من المعلوم أن كل الاقتصاديين يلعنون هذا الوضع الاقتصادي، لكنهم لا يستطيعون فعل أي شيء لأن هذا النظام الاقتصادي الفوضوي والبالي هو في حالة تعطل، على الرغم من مواعظ خبيرنا الاقتصادي، ولأن الأزمة التي يخشاها الاقتصاديون تقترب بسرعة في حين أن أكوام ممتلكاتهم الورقية الفاقدة لقيمتها لن تزيد قيمتها قريباً عن قيمة مصنع في إسبانيا. يمكن للحكومة أن تفرض الضرائب والضرائب المجحفة على المزارع لكي تحصل على رساميل تزعم بأنها تحفز العمالة والوظائف. ويمكن للحكومة أن تقلص أسعار الكهرباء لشركات أصحاب المليارات وأن ترفع هذه الأسعار على المستهلكين العاديين الطيبين. كما يمكنها أن تدع الناهبين ينهبون الأرض، لكن كل ذلك لن يغير شيئاً في واقع الأمر. فالازدهار الاقتصادي لن يكون في متناول اليد وأرباح الشركات ستذوب كما يذوب الثلج في حر آب. مارك كارني كان يعرف أن الوسيلة الوحيدة لإنقاذ هذه الرساميل هي في تحويلها إلى وسائل إنتاج أو إلى عقارات. ولكن هل سيفهم الرأسماليون ذلك ؟
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018