ارشيف من :أخبار لبنانية
فاجعة لدُعاة التقسيم
امين قمورية - صحيفة "النهار"
مايحدث في جنوب السودان فاجعة لدعاة التقسيم والانفصال.
كان الزعيم التاريخي للجنوبيين في السودان جون غارانغ يدرك تماما ماستؤول اليه الاوضاع في الاقاليم الجنوبية في حال انفصالها عن الشمال لذا سمى تنظيمه السياسي الجبهة الشعبية لتحرير السودان وليس جنوب السودان وظل حتى اللحظة الاخيرة من حياته متمسكا بوحدة البلاد شرط ان تتمتع بحكم ديموقراطي فيديرالي يمنع تطبيق الشريعة ويضمن المساواة بين المواطنين في بلد مترامي الاطراف متعدد الهوية والثقافة والدين والعرق. كان يدرك ان انفصال جوبا عن الخرطوم سيعزل جوبا ويجعلها تبتعد عن الشمال وتغرق في جنوب الجنوب الاشد فقرا منها، لابل ان الصراع السياسي المتلبس لباس الهوية والثقافة بين الشمال والجنوب سيتحول صراعا اتنيا في الجنوب بعد طلاقه مع الشمال.
مات غارانغ ميتة غامضة ومهد موته الطريق لدعاة التقسيم ومن يقف وراءهم لتحقيق مرادهم بالاستقلال عن الوطن الام وبناء دولة خاصة للجنوبيين يحفزهم على قيامها الاغراء النفطي والثروات الموعودة. أعلنت الدولة المستقلة المنتظرة بعد مسيرة دموية صاخبة ولاح علمها فوق منصات الامم المتحدة . لكن الامراض التي نخرت وحدة السودان الكبير، لم تتجنبها سلطة الخرطوم ولم يعالجها الحكم الوليد في جوبا. فلا يزال السودان المبتور عرضة لمزيد من التفكك والانهيار فيما جنوب السودان "الناهض" يقف على عتبة حرب اهلية بين قبائله تغذيها صراعات على السلطة والنفوذ والنفط والمال.
الاقتتال بين الجنوبيين دليل على ان التقوقع والانعزال وانفصال الاقلية المظلومة عن الاكثرية الظالمة ليس بالضرورة حلا لمشكلة المواطنة والمساواة، لا بل قد يكون وصفة قاتلة لمزيد من الاقتتال والتشرذم في أي كيان انفصالي جديد في ظل غياب الديموقراطية وحكم القانون، ذلك ان اقلية جديدة ستشعر بالتهميش والظلم في ظل اكثرية جديدة تتلذذ بسيادتها الجديدة. وهذا ماتشعر به قبائل النوير والشلك في ظل حكم الدينكا في جنوب السودان.
في العراق ثمة نموذج مماثل قيد الاعداد. فاذا كانت للاكراد حقوق سيادية وثقافية وسياسية لاجدال فيها، فان حال كردستان العراق لن يكون افضل اذ لم يتعلم الاكراد من الدرس السوداني الجنوبي، ذلك ان الشك والتباين والحدود لا تزال قائمة ما بين أربيل والسليمانية. وكلما تقوقع الاقليم على ذاته وانعزل عن محيطه في غياب الديموقراطية كلما تنامت الريبة والصراع على السلطة والمال والنفط واحقاد الماضي. وما ينطبق على كردستان ينطبق على الانبار والبصرة اللتين تسيران على الطريق نفسه في المقلبين الآخرين من العراق. ويمكن تصور اي مصير سوداوي قد تشهده سوريا إذا واصلت السير على طريق النار والتفكك في ظل التكفيريين والاستئصاليين وغلاة التعصب والحقد.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018