ارشيف من :أخبار عالمية

القضاء السعودي وأحداث القطيف وصفقة اليمامة

القضاء السعودي وأحداث القطيف وصفقة اليمامة
علي الدبيسي -مرآة الجزيرة
 
في 14 نوفمبر 2013 حكمت محكمة آوغسبورغ (Augsburg) على (كارل هاينز شرايبر، 79 عاما) سمسار الأسلحة الألماني والعضو السابق بحزب الإتحاد الديمقراطى المسيحى - الذى ترأسه حالياً المستشارة أنجيلا ميركل -  ستة أعوام ونصف، بعد إدانته بتلقي الرشوة والتهرب من سداد ضرائب للدولة تقدر باكثر من 7 مليون يورو عن مبالغ بنحو 32 مليون يورو، ورشى مالية لمسؤولين ألمان من أجل الحصول على قرارات تساعد لوبي السلاح الألماني. جزء من هذه المبالغ التي يحاكم عليها شرايبر هي فوائده من صفقة أسلحة مع السعودية في العام 1991، بيعت فيها 36 دبابة (فوكس) إلى السعودية بضعف (والمرجح أكثر من 4 أضعاف) قيمتها الحقيقية حيث بلغت 100 مليون يورو، وكانت دبابات مستعملة تم إشراكها في المعارك التي قام بها الجنود الأميركيون ضد الجنود العراقيين. حكم شرايبر بستة سنوات ونصف..


النائب البرلماني عن حزب الخضر (هانز كريستيان شتروبله) يهدد الحكومة بتحريك دعوى دستورية ضدها إذا أصرت على عدم الإفصاح عن تفاصيل صفقة أخرى جديدة مثيرة للجدل مع السعودية تتضمن بيع 200 دبابة ليوبارد 2 أثير حولها الحديث منذ 2011، وفي ضمن تعليقه عليها يؤكد: (في حكومة المستشار الألماني الأسبق هلموت كول تم بيع 36 دبابة من نوع فوكس إلى السعودية، وأنه تم دفع مبلغ 220 مليون مارك كتكاليف إضافية، إلى جانب سعر الصفقة البالغ 226 مليون مارك آلماني).
 
هل يمكن للمدعي العام (السعودي) أن يحقق في فساد محتمل في الصفقة؟ ويرفع على الطرف السعودي في الصفقة دعوى أمام القضاء (السعودي) في حال أثبتت تحقيقاته فساداً ما؟ وذلك كما فعلت (العدالة الألمانية)؟
 
 منذ سنوات، بدأت احاديث حول فساد صفقة اليمامة، التي وصفتها صحيفة (الأوبزرفر) البريطانية في العدد الأول من فبراير لعام ١٩٩٨ بأنها الأكبر، وربما الأكثر فساداً في التاريخ البريطاني. ضغوطات أدت لإيقاف التحقيق في مزاعم الفساد في الجانب البريطاني، ومع أبسط عملية بحث في جوجل حول عبارة (صفقة اليمامة - Al-Yamamah arms deal) ستظهر تفاصيل كثيرة عن تورط (ولاة أمر سعوديون)، بالتأكيد لن تعثر ضمن نتائج البحث على مصادر سعودية.

 
هل يمكن للمدعي العام (السعودي) أن يحقق في فساد في الصفقة التي أزكمت رائحتها الأنوف؟ ويرفع على الطرف (ولاة الأمر) دعوى أمام القضاء (السعودي) في حال أثبتت تحقيقاته فساداً ما؟
 
قضية سيول جدة، ألم تكفي الأرواح التي أزهقت والممتلكات التي أتلفت في التدليل على أن هناك جناة وفاسدين يترتب عليهم عقاب؟ هل سيرفع جهاز العدالة السعودي بأركانه المتعددة، الراية البيضاء مستسلماً فيكسب احترام المواطنين؟ أم أن في القضية بقية سيثبت لنا بها جدارته؟.
    
إشارة أخرى - وليست الأخيرة - ولعل الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد التي أنشأها الملك عبدالله في مارس 2011 تلتفت لذلك.

يقوم المدعي العام البريطاني، بتحقيقات مع شركة التدقيق المحاسبي KPMG، حول تهم بإخفاء معلومات تخص رشاوى قدمتها شركة الإنشاءات Ballast Nedamالهولندية - التي أنشأت على مدى 25 سنة ماضية مشاريع ضخمة بالسعودية، من ضمنها جسر الملك فهد (1986) وقواعد عسكرية - لسعوديين للحصول على عقود كبيرة بالسعودية خلال الفترة بين 1996 و 2003.
 
هل سيحقق رئيس هيئة التحقيق والإدعاء العام السعودية الشيخ محمد بن فهد آل عبدالله في مزاعم الرشى أسوة بالإدعاء البريطاني؟ وهل للمهنة شرف يستحق دونه الإستقالة إن تعذر عليه الأمر؟ وهل سيتوقف نظر الأستاذ محمد الشريف من موقعه في رئاسة هيئة مكافحة الفساد على تقديم أحد المواطنين لبلاغ رسمي؟ أم أنه في القضية من الشيوع والتحقق ما يغني عن بيروقراطية بلاغ ربما يكون معطلا لهدف الهيئة؟.
 
أحداث المنطقة الشرقية:

 
حينما بدأت المطالبات السلمية في المنطقة الشرقية، والتي كانت تؤثر وتتأثر بما يستجد في بقية أرجاء المملكة، لم يكن للحكومة السعودية من خيار سوى استحضار أدواتها القديمة، خصوصاً بعد أن اتضح أن الشارع عازم على الإستمرار رغم القمع الذي أنتج 18 شهيداً من القطيف، وعشرات الجرحى وقرابة ألف معتقل مازال قرابة 250 منهم موقوفين، حيث واصلت استغفال جزء من المواطنين عبر تفسيرها للمطالبات الشعبية بأنها (أجندة خارجية) وحكايا طائفية، وبالتالي توهم من له قابلية وعبر اعلامها الرسمي أنها مطالبات طائفية إيرانية تستهدف كيان الحكم واستقرار الوطن، محاولة على الجانب الآخر وأد أي صوت داخلي.
 
ورغم ذلك لم تستطع حجب الحقيقة، فقد كتب الباحث في معهد الدراسات الاستراتيجية بمركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية الأستاذ عبدالرحمن محمد العقيل دراسة سربت ولم يراد لها أن تنتشر، جاءت في 120 صفحة بعنوان: (أحداث العوامية والقطيف من 02/10/2011 إلى 10/02/2012) [1] . تعد الدراسة في نظر مواطني القطيف واقعية، تمكنت من توصيف الحقيقة إلى حد بعيد، ولكنها على النقيض، تعد صادمة ومفاجئة جداً، لبقية المواطنين اللذين يعتمدون على الإعلام الرسمي في تكوين رأيهم، يقول العقيل: (لقد حاولت وزارة الداخلية معالجة أحداث القطيف بمعالجة قد تنجح قبل ثلاثين أو خمسين عاماً قبل الانفجار المعلوماتي الذي تتمتع به المجتمعات اليوم، وأساليب التوثيق المختلفة من كاميرات الفيديو والهواتف المحمولة والنشر السريع للأخبار عبر وسائل الاتصال والقدرة على إيصال الصوت عبر القنوات الفضائية، فمارست التعتيم على حقيقة ما يجري). هذه العبارة للعقيل، لا يملك معها المواطن (الرسمي) إن صح التعبير، إلا أن يرفضها، حتى ولو صدقها، وذلك لفرط ما ضخته الحكومة من رؤية سياسية مغرضة.
 
كثيرة هي المضامين والمفاصل التي احتوتها الدراسة، وعليه يجدر القول ان" هذه الدراسة منطلق أساسي منهجي لكل من يريد تفهم أحداث القطيف والأحساء، ولكل من يريد أن يحرر عقله من الإستخفاف والإختطاف الذي تمارسه الحكومة السعودية، وإتساقاً مع ذلك يقول العقيل: (انسياق المجتمع السعودي "السنّي" مع بيان وزارة الداخلية بحَميّة مع الحكومة، وهو بلا شك من نجاحات بيان وزارة الداخلية لصرف العقول الرشيدة عن الربط المنطقي بين الأسباب ومسبباتها، وهذا النجاح في الحقيقة فشل ذريع في الحفاظ على اللحمة الوطنية وإصلاح الفساد الذي تسبب بمثل هذه الأحداث)".
 
أيضاً في دراسة بعنوان: (الإنتفاضة المنسية في شرق المملكة العربية السعودية) يقول الباحث بمركز كارنيغي السيد فريدريك ويري: (وقد لجأ النظام، في سياق ردّه على الاحتجاجات، إلى استراتيجيات مُجرَّبة... وإطلاق هجوم إعلامي مضاد يصوّر الاحتجاجات بوصفها أعمالاً إجرامية بطبيعتها أو أنها تسترشد بنظام ايران الشيعي...). أيضاً تَفَطَّنَ ويري في دراسته إلى حقيقة تمكنت الحكومة من تمريرها بإستغفال بَيِّن، يقول: (ولكي يتمكن من التعامل مع مطالب الإصلاح، كثيراً ما لعب النظام بالورقة الطائفية لتحقيق نتيجة مماثلة، حيث يصوّر الاحتجاجات في المنطقة الشرقية على أنها شيعية بطبيعتها. وكان الهدف النهائي من هذه الاستراتيجية هو إحباط أي تعاون عابر للطوائف بين الناشطين في أنحاء مختلفة من المملكة).
 
القضاء وأحداث القطيف والأحساء:
 
إذن، هي سلسلة تبدأ من فساد مستشري يسقط أمامه نظام العدالة وتظهر حقيقته ويتضح حجمه، ثم إنبثاق إرادة شعبية تستهدف التغيير وإسترداد الحقوق، ثم قمع حكومي بالقتل والسجن والترهيب مدعوماً بآلة إعلامية مستلبة، وصولاً إلى قضاء يأتمر بأمر السياسي ويتواطأ معه لوضع اللمسات الأخيرة (الشرعية) لكتم كل صوت حر للإصلاح والتغيير.
 
وحيث يدرك الحاكم السياسي أن المنطقة الشرقية (الأحساء والقطيف)، صوت محفز ومحرك ومنشط لبقية الأصوات المقموعة في بقية أرجاء الوطن، لذلك كان لزاماً عليه هنا أن يأمر القضاء بالزج بكل أدوات (الشريعة الإسلامية) لتحقيق أعلى مستوى ممكن من الردع. انه الشوط الأخير ولربما الوقت بدل الضائع، لذلك لم يتردد المدعي العام من استخدام (حد الحرابة) الذي بات كورقة جوكر بيد لاعب ناشيءٍ يخشى الهزيمة، فتراه يستخدمها مبكراً بمناسبة وبغير مناسبة.
 
هذا التسلسل، وهذا المشهد برمته، يساعدنا على أن نفهم أن القضاء والإدعاء العام وجهان لعملة واحدة (رفع وكبس)، وأنهما أعجز من مغادرة رغبة الحاكم السياسي، ويجتهدان في منهج من التهويل والتضخيم يذكرنا بتهويل سحرة فرعون على نبي الله موسى وأخيه عليهما السلام حينما أدعو: (إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَىٰ)، فذات المنهج يمارس اليوم في التهويل والتضخيم للتهم. وقد تنبه الباحث العقيل لذلك، حينما قال: (واستخدام قوارير المشروبات الغازية التي تعبئ بالمواد القابلة للإشتعال "وضخمت هذه لتسمى قنابل مولوتوف") كذلك سحب مفهوم الإرهاب على ممارسات جديدة، لتعطيها درجة من الخطورة، بعد أن شاع استخدام المصطلح بعد تداعيات 11 سبتمبر، فحاولت من جديد إعادة إنتاج المصطلح على أحداث القطيف والأحساء، وهي ماضية لإستخدامه على ممارسات الرأي وأشكال التعبير عبر قانونها الجديد (نظام جرائم الإرهاب وتمويله)...، يقول المدعي العام في إحدى لوائح الإتهام معدداً تهم أحد المعتقلين: (تمويل الإرهاب والأعمال الإرهابية من خلال قيامه بجمع التبرعات لصالح مثيري الشغب المُجَرَم والمعاقب عليه بموجب نظام مكافحة غسل الأموال)، ويتضح المقصد الفضفاض والغير موضوعي حينما يكمل المدعي في اللائحة: (القيام بجمع التبرعات لشراء المشروبات الباردة للمتجمهرين).
 
الأحكام القضائية آخذة في الإنتشار محلياً ودولياً، وقد بدأت منظمات حقوقية وجهات إعلامية بتناول وقائع المحاكمات، كالأربع سنوات لعمر السعيد و 13 سنة لعادل لباد و 30 سنة لآخر وقبلها المطالبة بإعدام الشيخ نمر والمطالبة مؤخراً بإعدام آخرين ومنديل فاضل المناسف وتهم مخلف الشمري، ما سيكرس وبوضوح أن جهاز العدالة السعودي أداة لإستبداد السياسي.
 
يستحضرنا - هنا - الجولات المكوكية التي قام بها الرئيس الفخري لمجلس وزراء العدل العرب وزير العدل السعودي محمد العيسى إلى الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من البلدان الأوربية لشرح دورالشريعة الإسلامية في القضاء السعودي. أما الآن - وبالتأكيد - لن يعد ذلك مجديا.
 
2013-12-24