ارشيف من :أخبار لبنانية
في وسعنا إنقاذ لبنان؟؟
غسان جواد - صحيفة "الجمهورية"
في أجواء الأعياد المجيدة وولادة السيد المسيح، يرتفع منسوب الخطاب السياسي التفاؤلي المُشبع بالدعوات والصلوات. هذا الخطاب لا يعكس الواقع الذي ستعود البلاد إليه بعد انقضاء الأعياد. لكنه يظلّ حاجة لبنانية تراوح بين الخرافة والامل. أليس لبنان هو طائر الفينيق المنبعِث من رماده بعد احتراق واضمِحلال؟
لا تكفي النيّات الطيبة للخروج الى الضوء. أقمَنا طويلاً في العتمة، وقد اعتاد تجّار الهيكل على الظلام. وعلى رغم ذلك، نحن محكومون بالأمل، وبتصديق أننا نستحقّ وطناً ودولة بمقدار أمانينا وطموحاتنا، تُشبه التضحيات الجسام التي قدَّمها اللبنانيون، كلٌ على مذبحه، في سبيل لبنان الذي يرى أو يحلم أو يريد.
نعبر الى السنة الجديدة بعد ايام. وأمامنا جملة استحقاقات وطنية ودستورية. في مقدّمها استحقاق رئاسة الجمهورية، وهو حدث إذا أنجزناه وفق الدستور والقانون، سيشكّل جسراً حقيقياً ومعبراً إلزامياً الى استعادة الانتظام العام، وعودة السويّة الوطنية والدستورية والمؤسساتية، وإعطاء جرعة "حياة" للكيان والصيغة المضطربة والمهددة.
نتّفق جميعنا على توصيف "خطورة" المرحلة ودقّتها. نقرأ جيداً في كتاب المنطقة والاحداث. نحلّل ونتقاطع في الاستنتاجات. لبنان في خطر اذا لم نعرف كيف نجنّبه الخطر، ونعبر فيه بين أمواج الدماء العاتية التي تجتاح المنطقة المشرقية. ولأننا "صِلة الوصل" وفق أدبياتنا التأسيسية الاولى، فإننا عند كلّ "انسلاخ" سيصيبنا الوَجع، على ما يكتب المفكر اللبناني ميشال شيحا في تأملاته الكيانية.
هذا الوجع المشرقي المؤلم يطاولنا جميعاً اذا شرّعنا الابواب، وقضينا على النقاش والتفاهم والتحاور. محكومون بالتفاهم والتحاور، والكيان الذي بدا ضعيفاً طوال ثمانين عاماً، يبدو اليوم أكثر قابلية للحياة. والنظام الذي وصفناه بالضعف والتسليم والاستسلام، هو أقوى نظام في المنطقة المشرقية، على رغم كل السقطات والمشكلات والعثرات.
اذا انطلقنا من هنا. من رؤية واضحة شفّافة لحقيقة ما يجري حولنا. اذا اتفقنا على أنّ بلادنا تجتاحها أفكار "يأجوج ومأجوج"، واننا مهددون بالظلام الطويل، وانّ لنا مصالح مشتركة ومصير واحد ومستقبل واحد، في وسعنا عندئذ بناء شبكة أمان وطنية تجنّب البلد الكوارث، وتمنع عنه كأس السقوط والذوبان والامّحاء.
الواقع ليس وردياً، نحن في معضلة كيانية وأزمة حكم وأزمة نظام ومجتمع ودولة. لكنه ليس مُظلماً تماماً، فلدينا عوامل قوة وأعراق وتقاليد لبنانية تسعفنا في حماية أنفسنا وبلدنا من أخطر مرحلة تشهدها المنطقة منذ مئة عام تقريباً.
لدينا تقاليد ديموقراطية لا بدّ من تفعيلها. لدينا مؤسسات لا بدّ من الافراج عنها وإطلاق سراحها. لدينا إرث سياسي وثقافي كبير في وسعنا العودة اليه من اجل إحاطة أنفسنا وخياراتنا الفكرية والسياسية بكثير من الوعي والفهم والادراك.
لم يعد مقبولاً هذا الاستسلام لفكرة الخارج. الجميع منصرف اليوم الى مشكلاته ومعضلاته التي خبرناها مسبقاً وتعاملنا معها وتجاوزناها تقريباً. فلنستفِد من هذا الانصراف، ولننجز استحقاقاتنا الداخلية في منأى عن رغبة الخارج وطلباته ومصالحه. لدينا مصالحنا ايضاً، وتجربتنا وثقتنا بأنفسنا وبوطننا، وهذه عوامل قوّة مفقودة من حولنا اليوم.
الزمن السياسي ليس لمصلحتنا كليّاً. التفريط بعوامل قوّتنا سيضعنا بعد ايام واسابيع وأشهر أمام معادلات قاتلة اذا لم نعد الى رُشدنا الوطني. إستحقاق الرئاسة مدخل جدي وجذري وأساسي في استنقاذ الموقف وضَخّ الدماء في شرايين البلد الممزق بالخلافات والانقسامات.
اذا أضعنا على أنفسنا هذه الفرصة، إذا تعاملنا معها بخفّة، ولم نجعلها مفتتحاً لمرحلة جديدة، نكون قد ذهبنا بكلّ وَعينا نحو الفراغ والاضمحلال والذوبان. في المنطقة اليوم نزاعات كبرى تستهدف، في جزء منها، التعدد والتنوّع وما يرمز اليه لبنان. وعلى رغم هذا المشهد العاتي المخيف، في وسعنا انقاذ لبنان.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018