ارشيف من :أخبار عالمية
«الداخلية»... و«الشفافية»
هاني الفردان - صحيفة الوسط البحرينية
ناقش الإعلامي السعودي داوود الشريان الأسبوع الماضي في برنامج «الثامنة» على قناة MBC قضية مقطع مصوّر سُرّب من داخل سجن «بريمان» في جدة، لتعليق سجين سعودي بحبال من السقف وبشكل «الفيلقة» مع ضربه من قبل سجناء. واستضاف الشريان شقيق السجين، وأحد أفراد منظمات حقوق الإنسان ومسئولاً كبيراً في إدارة السجون السعودية لمناقشة المشهد الذي كان يعاد طوال الحلقة.
طوال الحلقة لم يتهم المسئول الرفيع بوزارة الداخلية السعودية، أحداً بـ «التضخيم» أو تكبير الحادثة، أو حتى الحديث عن «البهرجة»، ولم يسأل أبداً عن من سرب المقطع أو كيف سرب، بل تحدث بجدية وناقش القضية على الهواء مباشرة.
أضف إلى ذلك فإن دولاً كثيرة تشجّع مواطنيها، على المساهمة في كشف مكامن الفساد والانتهاكات التي تحدث، بل تصرف لذلك مكافآت مالية وتشجيعية.
ولأننا في البحرين مختلفون جداً عن الآخرين، إذ أن لنا ديمقراطية تختلف عن جميع أنماط الديمقراطيات في العالم، بل ذهبنا ودعوناهم للاستفادة من تجربتنا في مختلف المجالات السياسية والحقوقية، وكذلك رصد الانتهاكات وملاحقة المفسدين وسراق المال العام.
في البحرين، لا نرصد مكافآت مالية، ولا حتى البوح بكلمات تشجيعية لمن يرصد أي انتهاك لحقوق الإنسان، أو يفضح فساداً مالياً أو إدارياً.
في البحرين من يصوّر، أو يوثق انتهاكاً لحقوق الإنسان مثلاً، أو يبث مقطعاً مصوّراً لأداء «ناقص» ومشين، وفاضح لقوات الأمن أثناء تأدية واجبها، فهو متهم بالإساءة لهيئة نظامية.
في البحرين فقط، عندما تكشف عن خلل في جهاز نظامي ما وترصده، وتوثّقه بالصوت والصورة، وتنشره ليطلع عليه الرأي العام علّ ذلك يحرك بعض المسئولين لاتخاذ خطوات ما بشأن ذلك، سيخرج عليك أحد القيادات العليا في الدولة ليتهمك بـ «ترصد الأخطاء» و«تكبيرها» بل حتى «بهرجتها»، أو وضع «البهارات عليها وتضخيمها». بل تذهب السلطة لاعتبار ذلك التصوير والتوثيق لأخطاء رجال الأمن مثلاً أو من يقومون بأداء مهام السلطة وإنفاذ القانون ونشرها ليطلع عليها الرأي العام بـ«المشكلة»!
تخيّل عزيزي المواطن، وأنت تعيش في بلد «تُعتبرُ» ديمقراطيته من أعرق الديمقراطيات المتطورة والمتقدمة، «تُعتبرُ» الحريات فيها بلا سقوف ولا حدود، أن تتهم من قبل تلك الديمقراطية بـ«تصيد الأخطاء» على السلطة والهيئات النظامية ورجال إنفاذ القانون عندما تكشف عن خلل ما، وليس أي خلل بل هي في الحقيقة «فضائح» مدوّية في الكثير من الأحيان.
في الديمقراطيات الغربية المواطن «أساس» السلطة، ينتخبها، يراقبها، يحاسبها، وعندما يقتنع بعدم جدواها، يسقطها، ويستبدلها بسلطاتٍ جديدة تخضع لإرادته ورقابته، عبر سلطات رقابية مباشرة، ووسائل إعلامية تتمتع بصلاحيات رقابة غير مباشرة.
ولأننا نختلف عن ديمقراطيتهم، فالمواطن ليس هو «الأساس» في كل ذلك، وليس من حقه أن يكون سلطة رقابية، كما ليس من حقه الكشف عن مكامن الفساد والانتهاكات، وإن حاول ذلك فسيكون متهماً أولاً بـ«التصيد»، أو «التكبير» و«التضخيم»، بل وحتى «البهرجة»، ومن ثم من السهولة بمكان استدعاؤك للتحقيق معك بتهمة «إهانة هيئة نظامية»، وليس مستبعداً أن تكون من بين التهم أيضاً «التحريض على كراهية النظام» و«تهديد السلم الأهلي» من خلال بثّ صورٍ ومقاطع مصوّرة قد تخلق «بلبلة» في الأوساط العامة.
حين سئل رئيس الأمن العام اللواء طارق الحسن في صحيفة محلية يوم الجمعة (20 ديسمبر/ كانون الأول 2013) بشأن «إجراءات قانونية ضد المحاولات المستمرة من البعض لاتهام وزارة الداخلية بالتعدي على حقوق الآخرين»، أجاب قائلاً: «حين نتكلم عن الحياة الديمقراطية ترافقها مسئولية، فالفرد له حقوق وعليه واجبات ومسئوليات، من يطلق الدعاوى هو مسئول عنها وقد يشكل هذا الكلام في بعض الأحيان جريمةً ويجب على الكل أن يتحمل مسئولية الكلمة التي يلقيها وليست مسئوليات الجهة الرسمية فقط تكذيب الإشاعة بل هي مسئولية مشتركة ومسئولية كل مواطن أن يتحرى الدقة ويلجأ للمعلومة من مصادرها، فالتلفيق كثير والإشاعات في الإعلام الاجتماعي كثيرة».
الواضح من إجابة المسئول عن الجهاز الأمني في البحرين أنه يرى أن القضية برمتها تكمن في كلمة «المسئولية».
المسئولية من قبل المواطن الذي له حقوق وواجبات، ومن أهم حقوقه أن لا يُساء استغلال صلاحيات «إنفاذ القانون» من قبل رجال الأمن، ومن أهم واجباته الرقابة على هذا الأداء ورصده وتوثيقه، حتى لو اتهمه «المسئولون» بـ«التصيد» و«البهرجة».
يقول اللواء الحسن أن «وزارة الداخلية ملتزمة بالشفافية وكشف الحقائق فيما يختص بعمل الأمن العام»، مشدّداً «لا نهتم للشائعات من أية مصادر كانت».
ولأننا نحن أيضاً لا نهتم بـ«الشائعات» أيّاً كان مصدرها، وننشد تلك الشفافية التي تحدّث عنها رئيس الأمن العام، وكشف الحقائق، فلازلنا نسأل سعادة اللواء ووزارة الداخلية وبكل شفافية عن تحقيق ذلك المقطع المصوّر لـ «دهس دراجة هوائية» من قبل رجال الأمن، وكشف الحقائق للرأي العام «المسئول» حتى يقطع الشك باليقين بعيداً عن ما تصفها «الداخلية» بـ«الشائعات».
من حقّنا كمواطنين، أن نحصل من وزارة الداخلية واللواء طارق الحسن على إجابة شافية، بشأن ذلك المقطع المصور وأسبابه، وهل تعتبره الوزارة من بين «البهرجات» أم أنه حقيقة؟ وهل يعتقد الحسن ووزارة الداخلية أن رجال الأمن في لحظة أخذ الدراجة الهوائية وإعدادها على الأرض ومن ثم دهسها، كانوا بحالة «طبيعية»!
من المقال الأول وهذا هو مقالنا الثاني، ولازالت «الداخلية» تلتزم الصمت وفق مفهوم «الشفافية وكشف الحقائق»!
ناقش الإعلامي السعودي داوود الشريان الأسبوع الماضي في برنامج «الثامنة» على قناة MBC قضية مقطع مصوّر سُرّب من داخل سجن «بريمان» في جدة، لتعليق سجين سعودي بحبال من السقف وبشكل «الفيلقة» مع ضربه من قبل سجناء. واستضاف الشريان شقيق السجين، وأحد أفراد منظمات حقوق الإنسان ومسئولاً كبيراً في إدارة السجون السعودية لمناقشة المشهد الذي كان يعاد طوال الحلقة.
طوال الحلقة لم يتهم المسئول الرفيع بوزارة الداخلية السعودية، أحداً بـ «التضخيم» أو تكبير الحادثة، أو حتى الحديث عن «البهرجة»، ولم يسأل أبداً عن من سرب المقطع أو كيف سرب، بل تحدث بجدية وناقش القضية على الهواء مباشرة.
أضف إلى ذلك فإن دولاً كثيرة تشجّع مواطنيها، على المساهمة في كشف مكامن الفساد والانتهاكات التي تحدث، بل تصرف لذلك مكافآت مالية وتشجيعية.
ولأننا في البحرين مختلفون جداً عن الآخرين، إذ أن لنا ديمقراطية تختلف عن جميع أنماط الديمقراطيات في العالم، بل ذهبنا ودعوناهم للاستفادة من تجربتنا في مختلف المجالات السياسية والحقوقية، وكذلك رصد الانتهاكات وملاحقة المفسدين وسراق المال العام.
في البحرين، لا نرصد مكافآت مالية، ولا حتى البوح بكلمات تشجيعية لمن يرصد أي انتهاك لحقوق الإنسان، أو يفضح فساداً مالياً أو إدارياً.
في البحرين من يصوّر، أو يوثق انتهاكاً لحقوق الإنسان مثلاً، أو يبث مقطعاً مصوّراً لأداء «ناقص» ومشين، وفاضح لقوات الأمن أثناء تأدية واجبها، فهو متهم بالإساءة لهيئة نظامية.
في البحرين فقط، عندما تكشف عن خلل في جهاز نظامي ما وترصده، وتوثّقه بالصوت والصورة، وتنشره ليطلع عليه الرأي العام علّ ذلك يحرك بعض المسئولين لاتخاذ خطوات ما بشأن ذلك، سيخرج عليك أحد القيادات العليا في الدولة ليتهمك بـ «ترصد الأخطاء» و«تكبيرها» بل حتى «بهرجتها»، أو وضع «البهارات عليها وتضخيمها». بل تذهب السلطة لاعتبار ذلك التصوير والتوثيق لأخطاء رجال الأمن مثلاً أو من يقومون بأداء مهام السلطة وإنفاذ القانون ونشرها ليطلع عليها الرأي العام بـ«المشكلة»!
تخيّل عزيزي المواطن، وأنت تعيش في بلد «تُعتبرُ» ديمقراطيته من أعرق الديمقراطيات المتطورة والمتقدمة، «تُعتبرُ» الحريات فيها بلا سقوف ولا حدود، أن تتهم من قبل تلك الديمقراطية بـ«تصيد الأخطاء» على السلطة والهيئات النظامية ورجال إنفاذ القانون عندما تكشف عن خلل ما، وليس أي خلل بل هي في الحقيقة «فضائح» مدوّية في الكثير من الأحيان.
في الديمقراطيات الغربية المواطن «أساس» السلطة، ينتخبها، يراقبها، يحاسبها، وعندما يقتنع بعدم جدواها، يسقطها، ويستبدلها بسلطاتٍ جديدة تخضع لإرادته ورقابته، عبر سلطات رقابية مباشرة، ووسائل إعلامية تتمتع بصلاحيات رقابة غير مباشرة.
ولأننا نختلف عن ديمقراطيتهم، فالمواطن ليس هو «الأساس» في كل ذلك، وليس من حقه أن يكون سلطة رقابية، كما ليس من حقه الكشف عن مكامن الفساد والانتهاكات، وإن حاول ذلك فسيكون متهماً أولاً بـ«التصيد»، أو «التكبير» و«التضخيم»، بل وحتى «البهرجة»، ومن ثم من السهولة بمكان استدعاؤك للتحقيق معك بتهمة «إهانة هيئة نظامية»، وليس مستبعداً أن تكون من بين التهم أيضاً «التحريض على كراهية النظام» و«تهديد السلم الأهلي» من خلال بثّ صورٍ ومقاطع مصوّرة قد تخلق «بلبلة» في الأوساط العامة.
حين سئل رئيس الأمن العام اللواء طارق الحسن في صحيفة محلية يوم الجمعة (20 ديسمبر/ كانون الأول 2013) بشأن «إجراءات قانونية ضد المحاولات المستمرة من البعض لاتهام وزارة الداخلية بالتعدي على حقوق الآخرين»، أجاب قائلاً: «حين نتكلم عن الحياة الديمقراطية ترافقها مسئولية، فالفرد له حقوق وعليه واجبات ومسئوليات، من يطلق الدعاوى هو مسئول عنها وقد يشكل هذا الكلام في بعض الأحيان جريمةً ويجب على الكل أن يتحمل مسئولية الكلمة التي يلقيها وليست مسئوليات الجهة الرسمية فقط تكذيب الإشاعة بل هي مسئولية مشتركة ومسئولية كل مواطن أن يتحرى الدقة ويلجأ للمعلومة من مصادرها، فالتلفيق كثير والإشاعات في الإعلام الاجتماعي كثيرة».
الواضح من إجابة المسئول عن الجهاز الأمني في البحرين أنه يرى أن القضية برمتها تكمن في كلمة «المسئولية».
المسئولية من قبل المواطن الذي له حقوق وواجبات، ومن أهم حقوقه أن لا يُساء استغلال صلاحيات «إنفاذ القانون» من قبل رجال الأمن، ومن أهم واجباته الرقابة على هذا الأداء ورصده وتوثيقه، حتى لو اتهمه «المسئولون» بـ«التصيد» و«البهرجة».
يقول اللواء الحسن أن «وزارة الداخلية ملتزمة بالشفافية وكشف الحقائق فيما يختص بعمل الأمن العام»، مشدّداً «لا نهتم للشائعات من أية مصادر كانت».
ولأننا نحن أيضاً لا نهتم بـ«الشائعات» أيّاً كان مصدرها، وننشد تلك الشفافية التي تحدّث عنها رئيس الأمن العام، وكشف الحقائق، فلازلنا نسأل سعادة اللواء ووزارة الداخلية وبكل شفافية عن تحقيق ذلك المقطع المصوّر لـ «دهس دراجة هوائية» من قبل رجال الأمن، وكشف الحقائق للرأي العام «المسئول» حتى يقطع الشك باليقين بعيداً عن ما تصفها «الداخلية» بـ«الشائعات».
من حقّنا كمواطنين، أن نحصل من وزارة الداخلية واللواء طارق الحسن على إجابة شافية، بشأن ذلك المقطع المصور وأسبابه، وهل تعتبره الوزارة من بين «البهرجات» أم أنه حقيقة؟ وهل يعتقد الحسن ووزارة الداخلية أن رجال الأمن في لحظة أخذ الدراجة الهوائية وإعدادها على الأرض ومن ثم دهسها، كانوا بحالة «طبيعية»!
من المقال الأول وهذا هو مقالنا الثاني، ولازالت «الداخلية» تلتزم الصمت وفق مفهوم «الشفافية وكشف الحقائق»!
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018