ارشيف من :أخبار عالمية

زحف ملاييني نحو كربلاء المقدسة لتجديد البيعة للامام الحسين (ع)

زحف ملاييني نحو كربلاء المقدسة لتجديد البيعة للامام الحسين (ع)

وصفت موسوعة "ويكيبيديا" الالكترونية العالمية زيارة أربعينية الامام الحسين عليه السلام "بأنها أكبر تجمع بشري عرفه تاريخ الكرة الارضية"، مشيرة الى أن "ما يقدر بنحو 18 مليون شخص زار ضريح الإمام الحسين في كربلاء، خلال الأربعينية في عام 2013". ما ذكرته "ويكيبيديا" أمر ينطوي على دلالات ومعان مهمة، حتى وان كان الرقم الحقيقي أكبر من 18 مليون الذي جاءت به الموسوعة، لسبب بسيط وواضح جداً، هو أن تلك الموسوعة تمثل مصدراً عالمياً، وليس لديها مصلحة في تهويل وتضخيم أرقام حدث من قبيل اربعينية الامام الحسين عليه السلام، في حين نجد جهات وأوساطا عديدة تحاول التقليل من أهميتها وقيمتها المعنوية والروحية وحجمها البشري.

زحف ملاييني نحو كربلاء المقدسة لتجديد البيعة للامام الحسين (ع)

ولعل مجمل الارقام والمعطيات التي تتعلق بزيارة الاربعين الملايينية الحسينية تنطوي على دلالات وأبعاد ومعان مهمة للغاية، لا تقتصر على الرقم الذي ذكرته "ويكيبيديا". فرغم انه لا توجد آليات علمية لحساب أعداد الزائرين بصورة دقيقة، لاسباب موضوعية وذاتية مختلفة، الا ان ما اشارت اليه الجهات الرسمية، كالعتبتين المقدستين الحسينية والعباسية، ومجلس محافظة كربلاء، من ارقام عن اعداد الزائرين المشاركين في إحياء ذكرى الاربعينية، يقترب كثيرا من الواقع ان لم يكن معبراً عنه الى حد كبير، فحينما يُذكر رقم العشرين مليون شخص، فهذا ليس بالامر الغريب، اذا ما التفتنا الى حقيقة ان الحشود الملايينية استمرت بالزحف نحو كربلاء المقدسة من مختلف انحاء العراق طيلة ثلاثة اسابيع من دون توقف ولا انقطاع.

وبالنسبة للزائرين القادمين من خارج العراق فإن الجهات الرسمية أوردت ارقاماً دقيقة استقتها من المنافذ الجوية والمعابر البرية، التي استقبلت الزائرين من شتّى دول العالمين الاسلامي وغير الاسلامي، اذ وصلت الارقام الى أكثر من مليون وثلاثمائة الف زائر اجنبي، في الوقت الذي أكد فيه مسؤولو مواكب حسينية خارجية ان الارقام الحقيقية اكبر من تلك التي ذكرتها الجهات الرسمية. وفي كل الاحوال، فإن رقم المليون وثلاثمائة الف زائر، هو بمقدار حوالي ضعف عدد زائري العام الماضي، الذي بلغ سبعمائة وخمسين الف زائر بحسب ذات الجهات الرسمية، وهذه الزيادة بحد ذاتها تؤشر الى اتساع نطاق المشاركة والتفاعل الوجداني مع القضية الحسينية وشعيرة السير على الاقدام نحو كربلاء.

زحف ملاييني نحو كربلاء المقدسة لتجديد البيعة للامام الحسين (ع)

وطبيعي ان تلك الحشود المليونية السائرة الى كربلاء المقدسة على امتداد ثلاثة أسابيع تحتاج الى خدمات، من قبيل توفير الطعام والشراب وأماكن الراحة والعلاج الطبي، وبما ان الدولة لم تطرح حتى الان مشروعاً او برنامجاً لتأمين هذه الخدمات لتلك الاعداد الهائلة، فمن الطبيعي ان تتكفل المواكب والهيئات الحسينية بتقديم شتّى انواع الخدمات، ولا شك ان الاعداد الهائلة للزوار تتطلب اعداداً من المواكب والهئيات الحسينية تتناسب معها.

يوضح احد المسؤولين في قسم الشعائر الحسينية في العتبة الحسينية المقدسة، ومن الهيئة العامة للمواكب والهيئات الحسينية لموقع "العهد" عن أعداد المواكب والهيئات الحسينية التي شاركت في تقديم الخدمات، ويقول: "لم نحصل على اعداد دقيقة لها، لكن التقديرات التقريبية تذهب الى ان ما يزيد على مائة الف موكب حسيني بأحجام وامكانيات متفاوتة ساهمت بتقديم الطعام والشراب والمنام للزائرين، والقسم الاكبر منها مواكب عراقية، وهناك عدد من المواكب والهيئات الحسينية القادمة من دول أخرى مثل ايران والكويت والبحرين والسعودية ولبنان وتركيا وعدد من الدول الاوربية وامريكا واستراليا"، ويضيف "اما الخدمات الطبية العلاجية فقد تكفلت المؤسسات الصحية الحكومية بتقديمها للزوار عبر مفارز طبية قدر عددها بألف مفرزة، الى جانب توفير جانب من الخدمات العلاجية في بعض المواكب من قبل كوادر طبية تفرغت لتقديم الخدمة للزائرين".

زحف ملاييني نحو كربلاء المقدسة لتجديد البيعة للامام الحسين (ع)

والامر الملفت في هذا العام، وكذلك في الاعوام الاخرى، ان هناك فائضاً كبيراً في كميات الاطعمة المقدمة للزوار، وهذا يرتبط بالاعداد الكبيرة لمواكب الخدمة على طول الطرق المؤدية الى كربلاء من مختلف المحافظات، في ذات الوقت بدا ان هناك حرصاً على الاهتمام بالنظافة، من خلال التوصيات التي صدرت عن جهات مختلفة، ومن خلال حملات التوعية التي تبنتها هيئات ومواكب ومنظمات المجتمع المدني ووسائل اعلامية.

اما فيما يتعلق بالخدمات الامنية، فان الاجهزة الحكومية الامنية في وزارتي الدفاع والداخلية وجهاز الامن الوطني شاركت في تأمين الحماية للزائرين، من خلال خطط أمنية خصصت لها امكانيات بشرية وفنية ولوجيستية كبيرة جداً. وفي الاطار العام، فان تقييم أداء الاجهزة الامنية كان ايجابياً، رغم ما حصل من استهدافات في مناطق من العاصمة بغداد ومحافظات أخرى تسببت في استشهاد واصابة عشرات الزائرين.

خبير أمني يقول "للعهد" ان "تأمين الحماية لاعداد هائلة من البشر يقطعون مسافات طويلة ليلاً ونهاراً ولمدة ما يقارب الشهر، وفي طرق ومسالك بعضها شائك ومعقد وبعيد عن الطرق الرئيسية العامة، ليس بالامر الهين واليسير، لان عملية استهدافهم من قبل الجماعات الارهابية تبقى ممكنة ومتاحة الى حد كبير، سواء في هذه المنطقة او تلك، في الليل او في النهار، وان لم يكن بواسطة السيارات المفخخة، فبالعبوات الناسفة او الرمانات اليدوية او قذائف الهاون، وهذا ما حصل في محافظات كربلاء المقدسة وبغداد ونينوى وديالى وبابل".

في الوقت نفسه فإن المراقد والعتبات المقدسة في مختلف مدن البلاد، مثل مقام أمير المؤمنين عليه السلام في النجف الاشرف، ومقام الإمامين الكاظمين عليهما السلام في بغداد، ومقام الإمامين العسكريين (ع) في سامراء ومرقد اولاد مسلم بن عقيل في قضاء المسيب، وجامع الخطوة في محافظة البصرة وغيرها، شهدت تدفق اعداد كبيرة من المواطنين لإحياء ذكرى أربعينية الإمام الحسين(ع)، حيث ان كثيراً من الناس يقصدون تلك المراقد سيراً على الاقدام من مسافات مختلفة.

ولا شك انه ارتباطا بشتى المظاهر والصور المعبرة التي شهدتها مسيرة الاربعينية المليونية هذا العام، وكما هو الحال في كل عام، فإن الرسالة التي أطلقتها الحشود المليونية الحسينية كانت رسالة بليغة في معانيها ودلالاتها ومضامينها، وليس هناك رسالة أبلغ منها. حيث يُجدد الملايين في كل عام عهد البيعة والولاء للإمام الحسين(ع)، وفي كل عام تزداد أعداد الحشود المليونية الزاحفة نحو قبلة الاحرار من كل حدب وصوب، دون ان تعبأ بالمخاطر والتهديدات والتحديات التي هي الأخرى تزداد عاماً بعد عام وتتخذ صوراً واشكالاً ومظاهر شتى.
2013-12-25