ارشيف من :أخبار لبنانية

خطاب أوباما .. عاطفة العرب و ذاكرتهم !

خطاب أوباما .. عاطفة العرب و ذاكرتهم !

صحيفة "المدينة" - فائز صالح جمال


كنت في الأسبوع الماضي قد استشهدت ببعض ما جاء في كلمة الرئيس الأمريكي باراك حسين أوباما ، التي ألقاها في رحاب ، وتحت قبة جامعة القاهرة في مصر قبل أسبوعين ، وذلك في سياق التعقيب على بعض ما جاء في مكاشفات الأستاذ إبراهيم البليهي ، التي نُشرت بملحق الدين و الحياة بصحيفة عكاظ ، من نفي لأي مساهمة أو تأثير للحضارة الإسلامية على النهضة العلمية ، و التقدم العلمي و التقني الذي تعيشه الحضارة الغربية في هذا العصر ، و ذلك على قاعدة «و الحق ما شهدت به الأعداء» ..

وتابعت خلال الأسبوعين الماضيين بعض التعليقات التي جاءت على الكلمة ، فوجدت أنه من الملفت للنظر ، و الموجب للتأمل ، أن معظم ردود أفعال كثير من الناس ، و الكتّاب العرب اتسمت بالإيجابية ، وهي ردود أفعال تؤكد على أن عاطفتنا أطغى و أقوى بكثير من ذاكرتنا ، و عفونا و تسامحنا يتجاوز حقوقنا بمراحل ..

وأعود اليوم وبعد التأكيد على حقيقة أن الخطاب الأمريكي ، الذي عكسته كلمة الرئيس أوباما ، تغير في شكله ، مقارنة بما كانت تعكسه كلمات سلفه سيئ الذكر بوش الابن .. و لكن إذا تأملنا مضامين الخطاب ، والوقائع على الأرض سنجد أن لا تغير جوهري في السياسة الأمريكية تجاه القضايا الرئيسية في منطقتنا ، و التي ساهمت بشكل أو بآخر في إبطاء عجلة التقدم و التنمية في المنطقة ، و بالتالي فيما تعيشه شعوبها من تخلف.

فلو استدعينا شيئاً من ذاكرتنا القريبة حول موقف الرئيس أوباما من عدوان إسرائيل على غزة قبل عدة أشهر ، وبرغم بشاعة صور الدمار و القتل و التشريد ، و التي تحرّك الحجر قبل قلوب البشر ، لوجدنا موقفاً سلبياً جداً تجاه ما جرى ، وتجاه وقف العدوان ، إذ لم ينبس ببنت شفة ، بحجة أن هناك رئيسًا واحدًا لأمريكا ، وكان حينها الرئيس بوش ..

و حتى بعد أن تم تنصيبه رئيساً ، و حتى الآن لم يفعل شيئاً –وهو يستطيع لو أراد- تجاه إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني في غزة ، و تجاه رفع الحصار ، و بدء الإعمار ، و يكفي أمريكا و الرئيس الأمريكي عاراً و خزياً دعمهم للعدوان و الحصار الإسرائيلي للشعب الفلسطيني منذ أن فازت حماس في الانتخابات الأخيرة قبل عدة سنوات.

إن مشكلتنا ليست فقط في ذاكرة غربالية ، لا تُمسك بالأحداث الدامية و المواقف الصعبة ، و الأحزان ، و إنما أيضاً في عدم الوعي بما يجري حولنا ، فأصابع أمريكا لا تزال -و في عهد الرئيس أوباما- ، تعبث في بلاد المسلمين ، في فلسطين ، و في العراق ، وفي أفغانستان ، و في الصومال ، و الآن تُشعل النار في باكستان ، و هذا بالمناسبة ما لا تُخفيه الإدارة الأمريكية ، و أما ما خفي فهو أعظم ، و ضحايا هذا العبث الأمريكي يُقدرون بعشرات الملايين ، بين قتلى ، و جرحى و معوقين ، و مشردين ، و لاجئين .. ثم يأتي الرئيس أوباما ليتحدث عن التسامح ، و عن الاعتدال ، و عن القيم المشتركة.

إن من عجائب الأنظمة العربية أنها لا تكل و لا تمل من طلب النجدة ممن هو السبب في أوضاعها المزرية ، فكلما هبت علينا رياح العدوان من إسرائيل ، أول من تلجأ إليه لرد العدوان هو أمريكا ، وهي تعرف تماماً أن الضوء الأخضر لأي عدوان إسرائيلي يُعطى من أمريكا ، و الأنكى أن يستمر اللجوء لأمريكا وطلب نجدتها و هي تعلن دعمها لإسرائيل ، و تزودها علنا بالقنابل و الصواريخ و الأسلحة الذكية ، كما جرى في حربيها على لبنان و غزة!! و في رأيي أنها بذلك تساهم وبإصرار على تشويه وعي الشعوب العربية وأجيالها المتعاقبة ، وخلخلة ذاكرتها الجمعية ، و بالتالي عدم تمكينها من معرفة مَنْ العدو ، ومَنْ الصديق ..

إن علينا كعرب و مسلمين أن نعي أن السياسة الأمريكية ،وخططها الاستراتيجية لا تتأثر بالرئيس أو الحزب الحاكم ، وكل ما في الأمر أن أسلوب الإدارة هو الذي يتغير بتغير الحزب أو الرئيس ، فالديموقراطيون معروفون بأنهم أكثر نعومة ، و أقل صلافة من الجمهوريين ، ولو تأملنا سوف نجد أن الأمر ينطبق على حزبي العمل و الليكود في إسرائيل ، فالعمل الإسرائيلي هو شبيه الديموقراطي الأمريكي ، و الليكود شبيه الجمهوري ..

والدليل أن مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة تجاه إسرائيل لم تتغير منذ تأسيسها في عام 1948م ، وحتى الآن ، وكانت دائماً على حساب حقوق الشعب الفلسطيني والشعوب العربية..

وفي كل الأحوال ، علينا وعلى من يرون في كلمة الرئيس أوباما انقلاباً ، و إيجابية لابد من الرد عليها بأحسن منها ، أن ننتظر أفعال الرئيس أوباما و إدارته ، خلال الأسابيع و الشهور والسنوات القادمة ، ومدى انسجامها مع أقواله ..

لقد سئمنا المراوغة والخداع الذي تمارسه الإدارات الأمريكية المتعاقبة ، وعلى الأخص الديموقراطية منها ، وسئمنا من تكرار لجوئنا إلى خصومنا لنجدتنا ، وسئمنا الاعتماد على حساباتنا على القوى الخارجية ، وعلى الدول العربية أن تبادر إلى التحرك و الفعل الإيجابي ، والاعتماد على القوى داخل مجتمعاتها ، من أجل التغيير لصالح شعوبها وأمتها ، وهو ما سبق أن دعا إليه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز ، وفقه الله منذ أن كان ولياً للعهد ، والله المستعان.

2009-06-15