ارشيف من :أخبار عالمية

أيهما الأنجع... الاتحاد النابع من الإرادة الشعبية أم من إرادة الأنظمة؟

أيهما الأنجع... الاتحاد النابع من الإرادة الشعبية أم من إرادة الأنظمة؟
هاشم سلمان الموسوي-"الوسط"
 
أثار الكاتب العروبي من السعودية الاستاذ يوسف مكي على صفحات «الوسط» (عدد الجمعة 20 ديسمبر 2013) موضوع الاتحاد بأحلام قد تبدو للوهلة الأولى بأنها واقعية وقريبة المنال، بينما الواقع يقول عكس ذلك. فالمضي في الطريق بصورة خاطئة ستكون نتائجه كارثية بلاشك، خصوصاً مع غياب المشاركة الحقيقية للمواطن الخليجي في صنع القرار، إذ ظلّ مغيّباً لأكثر من ثلاثة عقود هي عمر مجلس التعاون الذي لم يستطع تحقيق أدنى أهدافه.

وقد يبدو للوهلة الأولى أن من يقف بوجه الوحدة فاقد للعقل والمنطق، لأنها مطلب عقلاني ومن البديهيات التي لا تقبل الجدل، فالمريض الذي يعاني من نوبات الألم ويرفض شرب الدواء يثير استغراب الناس، ولكن الدواء المغشوش قد تكون مضارّه أكثر من منافعه على صحة جسم الإنسان.

والأساس هنا ليس في قيمة الوحدة كعنوان ذي جاذبية ولكن في المحتوى الفارغ والمستهلك للوحدة التي تستبطن الضرر أكثر من النفع، حين تفرض من دون أسس ودعائم ومقوّمات حقيقية تضمن استمرارها، حتى لا تتحوّل إلى هيكلٍ خاوٍ أو سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء فإذا جاءه لم يجده شيئاً، فهل الاتحاد هو عنوان للاستهلاك الإعلامي لإسباغ صورة تجميلية على جسد قد أنهكته الخلافات وهيكل خاوٍ لا يتمثل فيه إلا الرأي الرسمي ومن يؤيّده.

النظرة الدقيقة لمسيرة مجلس التعاون الخليجي منذ تأسيسه قبل ثلاثة عقود، تعطي الإجابة عن جدوى الانتقال لخطوة متقدّمة كخطوة الاتحاد، فقد تأسس المجلس في 25 مايو/ آيار 1981 بالاجتماع المنعقد في الرياض، وحدّد النظام الأساسي للمجلس أهدافه في تحقيق التنسيق والتكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولاً إلى وحدتها، وتوثيق الروابط بين شعوبها، ووضع أنظمة متماثلة في مختلف الميادين الاقتصادية والمالية والتجارية، والجمارك والمواصلات، وفي الشئون التعليمية والثقافية والاجتماعية والصحية والإعلامية والسـياحية والتشـريعية والإدارية.

لو نظرنا إلى الأهداف التي أُسّس مجلس التعاون على أساسها، سنجد أننا لم نصل المراحل الأولى من التطبيق فحسب، بل إننا بعد أكثر من ثلاثة عقود، نسير في الاتجاه المعاكس لتلك الأهداف، وأصبح المواطن الخليجي الذي أوصت أهداف النظام الأساسي للمجلس على توثيق الروابط بين شعوبه، يعاني من حالات الفوارق الطبقية بأجلى صورها، فلا يمكن مقارنة المواطن البحريني الذي ينتظر سنوات طويلة بعد التخرج للحصول على وظيفة بالكاد تكفي لسد رمقه، وبين المواطن القطري أو الكويتي والإماراتي الذي تتوفّر له الوظيفة براتب خيالي مقارنةً بنظيريه البحريني والعماني.

كما أن المواطن البحريني الذي ينتظر عشرين عاماً للحصول على خدمة إسكانية، لا يمكن أن يفكّر في الانتقال إلى حالة الاتحاد وهو يرى نظيره الإماراتي والقطري والكويتي والعماني يتنعمون بالأراضي الكبيرة والمنازل الواسعة.

بعد أكثر من ثلاثة عقود من التعاون لم تستطع دول الخليج الاتفاق على عملة موحدة، ولا سوق خليجية مشتركة، ولا تبادل الأيدي العاملة الخليجية. وعلى العكس من ذلك، أصبحت القوائم السوداء تُتَداول بين دول المجلس لأسماء معارضين على خلفية الرأي وحرية الضمير، وأصبحت الحدود المشتركة بين دول الخليج تمثل كابوساً للمواطن الخليجي والبحريني على وجه الخصوص، فإما يتم منعه من دخول الدولة المجاورة أو يتم تعطيله لمدة تزيد على 6 ساعات؛ وأصبحت الحدود البحرية محرّمةً على المواطنين. ففي أكثر من حادثة تم إطلاق النار على صيادين بحرينيين بحجة اجتيازهم للمياه الإقليمية القطرية، وتم احتجازهم واحتجاز قواربهم وتسليمهم جرحى لذويهم.

إنه بدلاً من تبادل الخبرات بين دول مجلس التعاون الخليجي، تم تبادل العسكريين ورجال الأمن والتدخل العسكري لقمع الاحتجاجات الشعبية المطالبة بالديمقراطية وزيادة التعاون الأمني، وقامت كل من عمان والإمارات بتسليم مواطنين بحرينيين.

وبالمقارنة بين إنجازات مجلس التعاون الخليجي الذي يعيش على ثروات هائلة نتيجة للثروة النفطية التي لم يشعر بها الكثير من مواطنيه بالرغم من قلة عدد السكان الخليجيين مع نظرائهم في الدول الأخرى، نجد الاتحاد الأوروبي الذي تأسس بناء على اتفاقية معروفة باسم «معاهدة ماسترخت» العام 1992، يمثّل أنموذجاً للنجاح، على الرغم من الفترة القصيرة مقارنةً بالتعاون الخليجي.

لقد استطاع الأوروبيون في فترة وجيزة من تشكيل سوق موحدة والاتفاق على عملة واحدة هي «اليورو»، كما لهم سياسة زراعية مشتركة وسياسة صيد بحري موحدة. وقد وضعت أوروبا في العام 1993 شروط كوبنهاغن للانضمام، والتي تتمثل في شروط سياسية هي التمتع بمؤسسات مستقلة تضمن الديمقراطية، ودولة القانون، واحترام حقوق الإنسان وحقوق الأقليات، مع شروط اقتصادية وأخرى تشريعية، وذلك من خلال تعديل التشريعات والقوانين بما يتناسب مع التشريعات والقوانين الأوروبية التي تم وضعها وتبنيها منذ تأسيس الاتحاد.

وعلى الرغم من أن دول الاتحاد الأوروبي قد فاق تعدادهم نصف مليار، وهو رقم كبير جداً بالمقارنة بدول مجلس التعاون التي لم يصل مجموع سكانها 46 مليون نسمة، وهو أقل من تعداد سكان دولة من دول الاتحاد الأوروبي، فألمانيا يبلغ سكانها 81 مليوناً، وبريطانيا 60 مليوناً، فإن دول أوروبا حققت في فترة وجيزة ما عجزت عن تحقيقه دول الخليج خلال عقود.

الديمقراطية السائدة في أوروبا والغائبة في الخليج، هي سبب النجاح هناك والفشل هنا. وبدلاً من أمين عام معيّن ليس للشعوب رأي في اختياره، فإن في أوروبا برلماناً منتخباً ومفوضية أوروبية، وللبرلمان الأوربي حق الرقابة على المجلس والمفوضية. والشعوب الأوروبية تُستفتى ولها رأي في مسائل تتعلق بالانضمام إلى الاتحاد أو الانضمام إلى العملة، بينما الشعوب الخليجية غائبة عن كل القرارات.
2013-12-27