ارشيف من :أخبار لبنانية

عند انتهاء ولاية رئيس الجمهورية...


عند انتهاء ولاية رئيس الجمهورية...
انطوان سعد-"الجمهورية"

يحتدم النقاش في الأيام الأخيرة حول ما إذا كان على فخامة الرئيس ترك سدة الرئاسة قبل تسليمها للرئيس الخلف، ما يستدعي البحث في هذه المسألة الدستورية في إطارها الدستوري، حيث يقع على عاتق النواب المسيحيين، قبل المسلمين، عدم المساهمة في شغور هذا الموقع لئلا يكونوا قد نكّلوا بأهم صلاحية نيابية مناطة بهم بموجب الدستور. وعليه لا يجوز للنائب التخلّي عن أي دور من أدواره الدستورية لئلا يكون قد نكث بمضمون الوكالة التي منحه إياها الشعب.

أما ما حدده الدستور المنبثق من "إتفاق الطائف" في المادة 62 المعدلة من الدستور فهو الآتي:

"في حال خلوّ سدّة الرئاسة لأيّ علّة كانت تُناط صلاحيات رئيس الجمهورية وكالةً بمجلس الوزراء". وعليه فإنّ عبارة "أيّ علّة كانت" تشمل بالتأكيد حالة إنتهاء ولاية الرئيس وعدم التمكن من انتخاب الخلف. وإذا عدنا الى النقاش الذي رافق التعديلات الدستورية عام 1990 نجد أنّ تعديل هذه المادة كان سببه منع تكرار تكليف الرئيس المشرفة ولايته على الإنتهاء حكومة إنتقالية لكي تؤمّن إنتخاب رئيس خَلَف مثلما حصل في 18/9/1952 وفي 22/9/1988 إذ كانت السلطة الإجرائية المناطة برئيس الجمهورية (قبل التعديل) تُناط وكالةً بمجلس الوزراء" وفقاً لأحكام المادة 62 من الدستور قبل تعديلها عام 1990.

وعليه لم يأتِ تعديل عام 1990 من عَدَم، حيث باتت صلاحيات الرئيس (وليس السلطة الإجرائية) تُناط بمجلس الوزراء، وعليه وبما أنّ ولاية الرئيس محددة بموجب المادة 49 من الدستور بست سنوات وليس أكثر، فإنه وعلى ضوء أحكام المادتين 49 و62 فإنه يقتضي على الرئيس ترك سدّة الرئاسة عند انتهاء ولايته.

ويومَ كانت السلطة الإجرائية مناطة به لم يبقَ ليصرّف شؤون الرئاسة فكيف الحال عندما باتت السلطة الإجرائية مناطة بمجلس الوزراء.
أما بالنسبة الى مَن اعتبر أنه لا يجوز لحكومة تصريف أعمال أن تتولى صلاحيات رئيس الجمهورية المنتهية ولايته فهو اعتقادٌ لا يستقيم مع الواقع الدستوري والعرفي القائم منذ إعلان الدستور عام 1926 حتى يومنا هذا، إذ إنّ القواعد الدستورية تقضي بأن تُعتبر أيّ حكومة مستقيلة عند انتهاء ولاية الرئيس، وذلك لعدم جواز إستمرار عمل الحكومة من دون وجود رئيس دولة يؤثر في قراراتها من خلال ممارسة حق النقض "الفيتو" على قراراتها،

وإبداء ملاحظاته على آدائها لئلّا تستأثر بعملها التنفيذي من دون مشاركة الرئيس، خصوصاً طلبه ردّ قرارات مجلس الوزراء، وتوقيعه المراسيم وإصدارها وطلب نشرها، ودعوة مجلس الوزراء الى الإنعقاد إستثنائياً بالإتفاق مع رئيس الحكومة، وذلك لكي لا يبقى مجلس الوزراء بعيداً من تأثير سلطة رئيس الجمهورية وذلك وفقاً للقاعـدة التي أرساها" Montesquieu" عندما رأى أنّ "السلطة توقف السلطة Le pouvoir arête le pouvoir" في إطار حديثه عن الفصل بين السلطات ومدى تأثيرها في بعضها البعض.

كذلك لا يستقيم هذا الطرح أيضاً مع ما أكدته المادة 69 عندما نصت في الفقرة (د) وفي إطار الحديث عن الحالات التي تعتبر فيها الحكومة مستقيلة فجاء فيها النص الآتي:

"عند بدء ولاية رئيس الجمهورية"، وهنا لا يجوز القول إنّ الحكومة لا تُعتبر مستقيلة عند انتهاء ولاية الرئيس بغضّ النظر عن تاريخ بدء الولاية كون المشرّع لم يشر إلى حالة نكول النائب عن ممارسة صلاحياته المتعلقة بانتخاب الرئيس.

ولما كانت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي الحالية مستقيلة وينطبق عليها نصّ المادة 64 التي لا تمارس صلاحية تصريف الأعمال إلّا بالمعنى الضيق، وبالتالي نكون أمام حالة حكومة مستقيلة مثلما هو الأمر عند انتهاء ولاية الرئيس.

أما الطامة الكبرى فهي القول إنّ في حالة تعذّر إنتخاب رئيس خَلَف تصبح إستقالة الحكومة في حكم غير الموجودة وتزول هذه الصفة عنها فتستعيد صلاحياتها العادية مضافاً إليها صلاحيات الرئيس، وهذا قول فيه كثيرٌ من الهرطقة الدستورية، ومن الناحية السياسية يُطرح السؤال: مَن سيمنح هذه الحكومة الثقة مجدداً؟ وعليه لا يمكن أيّ حكومة أن تمارس صلاحياتها ما لم تنل الثقة وفقاً لأحكام المادة 64.

ولا يجوز هنا القول إنّ الحكومة لا تُعتبر مستقيلة إلّا إذا وقّع فخامة الرئيس مرسوم قبول الإستقالة ومرسوم تأليف حكومة جديدة، لِما في ذلك من طبيعة إعلانية فقط لا تغيّر من واقعٍ دستوري تعتبر فيه الحكومة مستقيلة دستورياً إستناداً إلى نص الفقرة (أ) من المادة 69 من الدستور التي تعتبر الحكومة مستقيلة عند استقالة رئيسها، وهذا ما حصل مع الحكومة الحالية يوم استقال الرئيس ميقاتي.

وعليه يقتضي الكف عن تبرير الفراغ الدستوري والعمل على تأمين النصاب في المجلس النيابي الذي يتحوّل هيئةً ناخبة ما بين 25 آذار و25 أيار من سنة 2014 لتأمين إنتخاب خلف للرئيس الحالي درءاً للفراغ، وصوناً لاستمرارية العمل بهذا المنصب الدستوري، وتكريساً للواقع العرفي في الجهة التي تتولاه.

أما إذا كان الرئيس الحالي يخشى من وقوع الفراغ في يد حكومة مستقيلة أصلاً بعدما عجزت عن تولي زمام السلطة الإجرائية لاصطدام الفريق الوسطي فيها بالفريق الأكثري، فعلى فخامة الرئيس في هذه الحال أن يتجاوز التهديدات العابرة ويعمل بالإتفاق مع الرئيس المكلف على تأليف حكومة حيادية ترعى شؤون البلاد لا مصالح الأطراف السياسية، وتنقذ لبنان من السير في طريق المجهول، وإذا لم تنل ثقة المجلس النيابي فإنها تصرّف الأعمال في الاطار الضيّق إلى أن يتمّ إنتخاب رئيس خَلَف يمنع الفراغ وينقذ الموقع والدور ويرعى الجمهورية.
2013-12-28