ارشيف من :أخبار لبنانية
فليستفق العرب من سباتهم العميق ..مع "اسرائيل" ليس هناك من سلام
كتب علي عوباني
اذا ما أردنا اليوم ان نفهم حقيقة ما يجري من حولنا من احداث، وان نقرأ وجهة سير التطورات السياسية بدقة في لبنان وفلسطين والمنطقة هموما، فلا بد لنا ان ننطلق في ذلك من الخطوط العريضة للسياسات والمشاريع الاميركية المقبلة على المنطقة.
وفي هذا السياق، فلا يخفى على احد ان ما يجري التحضير له في المنطقة في السر وفي العلن هو مشروع ما يسمى السلام انطلاقا من رؤية الرئيس الاميركي الجديد باراك اوباما حول مبدأ "حل الدولتين" الذي يسعى لترويجه عبر مبعوثه للشرق الاوسط جورج ميتشيل في العواصم العربية بالرغم من علمه بان ذلك دونه عقبات أساسية لا بد من تذليلها منها ما يتعلق بالشأن الاسرائيلي والحكومة اليمينية الصهيونية الحاكمة، ومنها ما يتوجب اقناع الفلسطينيين به لتقديم تنازلات كبيرة في هذا المجال، فضلا عن دور العرب الذين يفترض بهم ان يكونوا ادوات مساعدة بل وتنفيذية في بعض الاحيان لتمرير هذا المشروع .
وفيما تأتي جولة المبعوث الاميركي جورج ميتشيل في هذا الاطار، فانها تسعى لاستكشاف واستطلاع المواقف المختلفة للاطراف تمهيدا لبلورة التصور الاميركي الكامل حول ما يسمى مشروع الحل للمنطقة. غير ان جولة ميتشيل اصطدمت قبل اختتامها امس بخطاب واضح وصريح لرئيس الحكومة الصهيونية بنيامين نتنياهو نعى فيه بشكل واضح اية مفاوضات يمكن ان تنطلق، واضعا المسمار الاخير في نعش الجهود الاميركية لاطلاق ما يسمى بعملية السلام، ومجاهرا بصلف بثوابته التي كان اكد عليها مرارا قبيل انتخابه لرئاسة الحكومة، وإن جاء خطابه هذه المرة ببعض الصياغات والعبارات الملتبسة والتي تحمل التأويل واللعب على الالفاظ، او جاء بمظهر وبلباس الرجل المحب للسلام والرافض للحروب الذي حرص نتنياهو على الظهور به، الا انه وبلا شك لم يفاجئ احدا، وأبرز الملاحظات التي يمكن للمراقب الوقوف عندها في خطاب نتيناهو هو الرسائل الكثيرة التي وجهت في هذا الخطاب في اكثر من اتجاه ومنها :
اولا - رسالة نتنياهو الى اوباما :
حاول رئيس حكومة العدو بنيامين نتنياهو الظهور بمظهر المحب للسلام والساعي له، فاعلن من جهة قبوله بدولة فلسطينية مجاورة ارضاء للادارة الاميركية لكنه افرغ هذه الدولة من مضمونها ومحتواها وجميع عناصرها، فجعلها مسخ دولة بلا سيادة وبلا اقليم وبلا شعب وبلا جيش، دولة ممنوع عليها ان تستخدم اجواءها او توقع اتفاقات عسكرية وعليها ان ترضى بما تمنحها اياها حكومة اسرائيل من مياه .
بدا شبح الدولة الذي تحدث عنه نتنياهو كانه مجرد ادارة محلية منزوعة الصلاحيات في كنف الكيان الصهيوني وخاضعة للسيطرة الاسرائيلية بشكل كامل ومسموح لها فقط بان يكون لها علم ونشيد فلسطيني.
ثانيا - رسالة الى الفلسطينين
اوجد نتنياهو مفهوما دوليا جديدا حول اعتراف الدول بعضها ببعض ، فطلب ليس الاعتراف بكيانه كدولة وفق الاعراف الدولية بل الاعتراف بها كدولة يهودية كشرط اول امام انطلاق اي عملية تفاوض جديدة بما يعنيه ذلك من اعتراف بالحركة الصهيونية بمفعول رجعي، ومحاولة اذلال الفلسطنيين والعرب بدفعهم للاعتذار للعدو عن كل مراحل المواجهة السابقة ، والاقرار بانفسهم بخطأ نزاعهم مع الكيان الصهيوني .
كما انتهى نتنياهو الى ان القدس عاصمة موحدة لاسرائيل فاخرجها من دائرة المفاوضات، ليكون بذلك قد اخرج جميع القضايا والمسائل الشائكة والحساسة في القضية الفلسطينية والتي كان يؤجل البت بها في جميع المفاوضات السابقة الى ما اصطلح على تسميته مفاوضات الوضع النهائي كالقدس واللاجئين وقضية الامن والمياه وغيرها ..، اخرجها من دائرة التفاوض من طرف واحد ، واضعا الفلسطينيين ولا سيما الذين راهنوا على مسار التفاوض طوال الفترة الماضية امام واقع جديد يجب عليهم التسليم به.
ولعب نتنياهو على الالفاظ في مسألة المستوطنات بقوله لن نصادر اراضي لتوسيع المستوطنات ، بما يعنيه ذلك من استمرار الاستيطان في المناطق "غير المصادرة" وتوسيع المستوطنات القائمة ومتواصلة في نموها الطبيعي .
ثالثا- رسالة الى العرب
نسف نتنياهو بخطابه كل مبادرات السلام السابقة ولا سيما مبادرة السلام والعربية التي يتغنى بها العرب بشكل دائم وخارطة الطريق، ولم يتطرق الى اي التزامات او مفاوضات سابقة، بما يعنيه ذلك من عودة مفاوضات ما يسمى عملية السلام للانطلاق من نقطة الصفر، ومن السقف الذي حدده نتنياهو في خطابه .
من جهة اخرى، اقر نتنياهو لاول مرة بما كان يخفيه بعض العرب والاميركيين بالتحديد في كواليسهم بشكل دائم، فاشار بشكل واضح الى ان اي حل لقضية اللاجئين الفلسطيينيين يجب ان يكون خارج ما اسماه دولة "اسرائيل"، وهذا تعبير صريح عما هو متفق عليه من قبل الحكومة الصهيونية مع الادارة الاميركية بهذا الشأن، خصوصا وان نتنياهو المح الى ان معالجة هذا الامر يمكن ان تتم باستثمار دولي يمكن عن طريقه حل قضية اللاجئين جاعلا من قضية انسانية مسألة تجارية خاضعة للاستثمار الدولي.
ومسألة التوطين هذه تكتسب اهمية كبرى فيما يسمى عملية السلام، وهي تعني عدة دول عربية ومنها لبنان تحديدا حيث بات من المفروض على الحكومة اللبنانية وعلى قوى الرابع عشر من اذار ان تكون اشد حزما بهذا الشأن اكثر من اي وقت مضى وان تتخذ موقفا واضحا وصريحا من خطاب نتنياهو حول الاصرار على حق عودة الفلسطينين الى ديارهم ورفض التوطين على الاراضي اللبنانية .
رابعا - رسالة للداخل الصهيوني
حاول نتنياهو طمأنة الاسرائيليين في الكيان الصهيوني ، بانه ثابت على مواقفه ولم يبدل بها شيئا وان كنا نستشف بان خطابه صيغ بطريقة تحاول ارضاء الادارة الاميركية من جهة والائتلاف الحكومي داخل كيانه من جهة اخرى على حساب القضية الفلسطينية، فحاول مقاربة طروحات اوباما للحل بطريقة التفافية مع تمسكه بالمواقف المتشددة للاطياف المشاركة داخل حكومته.
وبذلك كله يكون نتنياهو قد رسم حدود الدولة الفلسطينية وفق ما يراها هو، واضعا اوباما امام تحد اساسي ومفصلي بحيث بات عليه القبول بالشروط الاسرائيلية واخذها في الاعتبار في اي مبادرة يتحضر لاطلاقها في المنطقة، وان كان الرئيس الاميركي استعجل امس الترحيب بخطاب نتنياهو واصفا اياه بانه خطوة جديدة الى الامام ما يترك انطباعات سيئة جدا عن ادارة اوباما التي سقطت في الاختبار الاول بعدما حاولت الظهور بمظهر متوازن في خطاب القاهرة .
ازاء ذلك لا يصح السؤال اليوم، الكرة بملعب من، ولا يصح المراهنة على موقف الادارة الاميركية الجديدة التي انحازت كسابقاتها الى الجانب الاسرائيلي، انما المطلوب والعاجل في الوقت نفسه هو ان يستفيق العرب من سباتهم العميق، ففي "اسرائيل" من يبحث عن ارضاء المتطرفين في كيانه وليس من يبحث عما يسمى سلام ، وفي "اسرائيل" من ينسف كل المبادرات ومن يضع كل الاتفاقات والالتزامات في مزبلة التاريخ، فلا تراهنوا بعد اليوم الا على انفسكم وفقط على انفسكم، فليس صحيحا ان يراهن بعض العرب على خلاف بين الادارة الاميركية واسرائيل، وهوامر اثبت السياق التاريخي كله انه لم ولن يكون ابدا .
امام هذا الخطاب ، فلا بد للعرب من وقفة تاريخية امام التحديات الجديدة، التي لا مناص لهم من مواجهتها عبر اتجاهات محددة:
الاتجاه الاول - تحقيق الوحدة الفلسطينية، واللبنانية عبر قيام حكومات مشاركة ووحدة وطنية لمواجهة موضوع التوطين وللرد على خطاب نتنياهو وبدء مرحلة جديدة من المواجهة مع العدو الصهيوني.
الاتجاه الثاني - تحقيق الوحدة في الموقف العربي خلف الوحدة الفلسطينية واللبنانية لدعم قضاياها وحقوقها الكاملة في وجه الاحتلال الصهيوني.
الاتجاه الثالث- الاستفادة من تجربة المقاومة التي اثبتت انها الخيار الوحيد القادر على تحرير الانسان والارض ودعم حركات المقاومة في العالم العربي والاسلامي في وجه العدو واعتداءاته بدلا من التلطي خلف اصبعنا ومحاربتها تحت عناوين الاعتدال وغيره
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018