ارشيف من :أخبار لبنانية

نجم «السلطان» أردوغان بدأ يبهُت

نجم «السلطان» أردوغان بدأ يبهُت
طارق ترشيشي-"الجمهورية"

يعتقد بعض المراقبين الشديدي الحساسية إزاء التطورات الاقليمية، أنّ ما تشهده تركيا هذه الايام أمر بالغ الخطورة، ليس بما يحمله من انعكاسات داخلية سياسية واقتصادية وشعبية وأمنية وحسب، بل أيضاً بما تحمله هذه التطورات على الخريطة السياسية في المنطقة، وربما في العالم.
 
أيّاً كان مصير رئيس الحكومة التركية رجب طيب اردوغان، في ضوء تنامي فضيحة الفساد التي وصلت شظاياها الى أسرته، وتحديداً الى أحد أبنائه، فإنّ الاكيد في هذا الامر هو انّ نَجم "السلطان" التركي الذي اعتقد لوهلة أنه سيحكم المنطقة العربية والاسلامية بلا منازع، قد بَهُتَ كثيراً وعاد ليصبح سياسياً تركياً عادياً كجلال بايار وعدنان مندريس وتورغوت اوزال وتانسو تشيلر. وبالتالي، بَهُتَ مع نجمه المشروع "الإخواني" برمّته في المنطقة.

ويرى المراقبون أنّ المستفيد المباشر من تراجع دور أردوغان هو النظام السوري والقيادة السعودية. فهما، على رغم ما بينهما من تناقضات، وَجدا نفسَيهما في موقع واحد مناهض لأردوغان. فقد اختار اردوغان سياسة العداء لدمشق، فيما الرياض اعتمدت سياسة الحذر تجاهه منذ أن بدأ يوحي بأنّ مشروعه يتعدى حدود الجمهورية الكمالية.

ويشير هؤلاء المراقبون هنا الى انّ هواجس الرياض إزاء مشروع اردوغان تفوق هواجسها من المشروع الايراني، ذلك انّ أردوغان ينافسها على البيئة ذاتها، فيما تستطيع ان تقيم "جداراً" فاصلاً بين البيئة التي تتحرك من ضمنها طهران والبيئة التي تطمح الرياض الى قيادتها.

والرابح الثالث من هذا التطور التركي هو الحكم المصري الجديد الذي خاصَمه اردوغان بنزق وتسرّع، ليضع أكبر بلدين إسلاميّين سُنيّين في الاقليم في مواجهة بعضهما بعضاً. كذلك، فإنّ اهتزاز وضع اردوغان في انقرة يؤكد انّ ما جرى في 30 يونيو من إقصاء لحكم "الاخوان المسلمين" في مصر كان بداية مشروع لإقصائهما في كل مكان في المنطقة.

وما يزيد من أزمة اردوغان هو التساؤل الكبير عمّا اذا كانت الازمة التركية الجديدة هي إشارة اميركية لرفع الغطاء عن النموذج الذي ظنّ كثيرون انّ واشنطن قد اعتمدته في المنطقة، وهو "أنّ القليل من الاسلام يمكن أن يهزم الكثير منه"، او انّ واشنطن تريد ان تذكّر اردوغان بفَضلها عليه، فلولا دعم الداعية الاسلامي فتح الله غولان المُقيم في الولايات المتحدة الاميركية منذ 20 عاماً لَما كان في إمكان اردوغان ان يحكم داخل بلاده مرتاحاً، وان يصول ويجول في الاقليم بلا رادع.

ولكن ثمّة تساؤلات كثيرة تفرض الازمة التركية طرحها، ومنها: هل ستشهد المنطقة بعد انكفاء اردوغان، أو تراجعه لمصلحة رئيس الجمهورية عبدالله غول، أو حتى سقوطه، تداعيات في أكثر من دولة كان للأصابع التركية دور في الطبخات التي أعدّت لها؟ وهل تستطيع تركيا التجاوب مع التوجهات الاميركية بإعطاء الاولوية لمكافحة الارهاب؟ أم انّ عقرب التنظيمات المتشددة قد توغّل في الجسم التركي بحيث يصعب التخلّص منه؟

وهل تستطيع تركيا إجراء استدارة كبيرة في الملف السوري بعد كل الكلام الصادر عن اردوغان ووزير خارجيته احمد داود اوغلو ضد الرئيس بشار الاسد؟ أم أنّ الامر يحتاج الى وجوه جديدة في تركيا بريئة من سياسات السنوات الثلاث الماضية؟ وهل ستستمر المعارضة السورية الخارجية في التزامها التوجيهات التركية؟ أم أنها بدأت تتحوّل لعقد اجتماعاتها في مصر حيث التأثير التركي - القطري أقلّ وحيث حضور "الاخوان المسلمين" السوريين شبه متعذّر.

وبالتالي، يصبح الائتلاف "ائتلافين" والمجلس الوطني "مجالس"، وتحتاج المعارضة الى مؤتمر جنيف خاص بها يسبق مؤتمر "جنيف - 2" ؟ وهل ستستفيد ايران من "مصاب" اردوغان، والذي يكمن تعامله السريّ معها وراء إشهار فضيحة الفساد في وجهه من أجل توَثّق صِلاتها بتركيا بما يمكّنها من مواجهة التحريض المذهبيّ ضدها؟ وكيف سيكون الموقف الاسرائيلي بعد ان أعادت تل ابيب علاقاتها مع اردوغان وتعقد آمالاً كبيرة على استعادة تحالف استراتيجي كان قائماً بين انقرة وتل ابيب؟

وكيف تَتكيَّف حركة "حماس" مع هزيمة اردوغان الذي سمّاه يوماً رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل بأنه "قائد المسلمين في العالم"، خصوصاً بعد "الضربة المصرية" والارتباك القطري والضغط السعودي والحصار على غزة؟

كلّ هذه التساؤلات مفتوحة على كل الاحتمالات، بما فيها احتمالات مسارات استثمار النفط والغاز وأنابيبهما في منطقة شرق المتوسط التي تضمّ، الى تركيا، كلّاً من سوريا ولبنان وفلسطين المحتلة.

وفي هذا السياق يقول مؤيّدو النظام السوري: "إنّ اردوغان هو الرابع بين رؤساء تعهّدوا إطاحة الأسد، فأُطيح بهم وكان أوّلهم نيكولا ساروزي، وهو أوّل رئيس فرنسي يفشل في إعادة انتخابه، وثانيهما "الحمدان" في قطر، والذي يتبيّن أنّ إبعادهما كان أكثر من تنازل أب لابنه عن الحكم، وثالثهما الرئيس المصري المخلوع محمد مرسي الذي هَدّد في أواسط حزيران الماضي بالهجوم على سوريا، فإذ به يغادر قصره بعد أسبوعين من تهديده هذا.
 
2013-12-31