ارشيف من :أخبار عالمية

البحرين: ثورة ما قبل «الربيع».. والتسوية وشيكة

البحرين: ثورة ما قبل «الربيع».. والتسوية وشيكة
غراسيا بيطار-"السفير"

لا يمكن فصل ما يحصل في البحرين عن بقية دول مجلس التعاون الخليجي. فالدولة الخليجية الأصغر من شأن التطورات الحاصلة فيها أن تحولها بوابة التغيير والتطوير باتجاه المواطنة والمساواة في كل منطقة الخليج.


لا عجب إذا دخل عامل «الأقلمة» على الحالة البحرينية، بعدما تم تدويل كل من ملفي سوريا واليمن. في هذين الملفين يحضر بقوة لاعبان أساسيان: السعودية التي تتصل بالبحرين من الغرب عبر جسر الملك فهد وإيران التي تتصل بحدودها البحرية من الشمال. أوراق السعودية تمتد من البحرين إلى العراق وسوريا واليمن ولبنان، شأنها في ذلك شأن إيران. شهدت البحرين خضات عدة تبدت في انقلابات وأزمات حكم.

«ما يحصل اليوم يشبه ما حصل أمس في عناوين المطالب، وليس في طبيعة الحراك» يقول نائب الأمين العام لـ«جمعية العمل الوطني الديموقراطي» (وعد) رضي الموسوي لـ«السفير».

برأيه، لم تكن شرارة شباط العام 2011 في البحرين وليدة ما بات يسمى «الربيع العربي». يبدو جوهر العملية اليوم أن يتحول الشعب مصدرا للسلطات من خلال «سلطة تشريعية كاملة الصلاحيات النقابية والتشريعية، يكون الشعب بموجبها هو من يصوغ القوانين فينتهي عهد التعيينات الفوقية».

السلطة القضائية في البحرين كانت قد شهدت بدورها سلسلة انتفاضات خلال قرن واحد، أي بين العامين 1923 و1956. الاستعمار البريطاني كان يراهن على تمزيق المكون المجتمعي البحريني، فنشأ ما سمي بهيئة الاتحاد الوطني في مواجهة الفرز الطائفي. نواة الهيئة تألفت من 100 شخصية (50 من السنة و50 من الشيعة) فكانت الخميرة الحقيقية للحراك الشعبي السلمي المستمر إلى اليوم. اعتقلت السلطات كثيرين وهجرت كثيرين، ومنهم عبد الرحمن الباكر، عبد العزيز الشملان، عبد العلي العلوان. وبعد محاكمة صورية أرسلوا إلى جزيرة سانت هيلانة وهجرت البقية. في الستينيات أفرج عنهم، ولم يعودوا إلى بلادهم وبعضهم مات. العمل النقابي لهيئة الاتحاد شكل الوعي النقابي منذ عام مبكر، وهو 1956.

امتدادا لحركة القوميين العرب تشكلت «الجبهة الشعبية لتحرير عُمان والخليج العربي»، والتي لها فروع في مختلف البلدان العربية. تأسس فرعها في البحرين في العام 1970، وفي العام 1971 تحقق الاستقلال على أرضية «الدولة المدنية الحديثة» على ما أعلن وقتذاك أمير البحرين.
وبعد الانسحاب البريطاني في العام 1973 شهدت البلاد تجربة برلمانية، وكانت إيران حينها تطالب بضم البحرين. ولد دستور البحرين في تلك السنة، لكن السلطة حلت البرلمان في العام 1975 وفرضت قانون تدابير أمن الدولة، فدخلت البلاد مرحلة الدولة الأمنية القابضة لغاية وصول الملك حمد بن عيسى بن سلمان آل خليفة في العام 1999. وعليه، تعطل العمل بالدستور تحت وطأة القبضة الأمنية لمدة 27 سنة. وغداة تسلمه العرش، أصدر الملك ما يسمى «ميثاق العمل الوطني»، وأوكل إلى لجنة مؤلفة من 40 شخصا مهمة إيجاد تسوية بين الحكم وممثلي المعارضة بهدف إعادة العمل بالدستور. صوت البحرينيون حينها بنسبة 98 في المئة بنعم للميثاق الذي نص في مادتين أساسيتين فيه على التالي: أولا التحول من نظام الإمارة إلى المملكة الدستورية على غرار الديموقراطيات العالمية والإبقاء على مجلس النواب مع إنشاء مجلس للشورى. «لكن ما هبط على المواطنين كان مختلفا كليا ولم يطبق من هذا الدستور أي شي» يقول الموسوي.

عام 2001 يصدر الملك عفوا عاما شاملا عن جميع المعتقلين السياسيين. المعارضة، يقول الموسوي، تسجل للملك هذا القرار لكنه يبقى صادرا بإرادة ملكية، أي ما نسميه «دستور المنحة»، أي «ليس الاتفاق القائم على عقد محدد». مذذاك تحارب المعارضة ضد احتكار الملك صلاحيات الشعب، وتراكمت الأزمة إلى أن انفجرت في 14 شباط العام 2011. يحرص الموسوي على الإيضاح: «الثورة في مصر وتونس آنذاك ربما شجعت، ولكنها لم تؤسس، للحراك في البحرين».

في المشهد البحريني اليوم تعتبر المعارضة نفسها أنها تواجه «تعنتا كبيرا من النظام برفضه الحل السياسي ومواجهته الحراك الشعبي من خلال الحل الأمني». الحوار الذي بدأ مع ولي العهد انتهى على يد «درع الجزيرة». يقول الموسوي: «نعيش إلى اليوم ذيول نسف المبادرة وتدخل درع الجزيرة بعدما تم اعتقال 3 آلاف شخص من أصل عدد سكان البحرين الذين لا يتجاوز النصف مليون». من ضمن المعتقلين الأمين العام للجبهة إبراهيم شريف وقيادات سياسية وحقوقية. وقد حكم على شريف 5 سنوات، وبقية المعتقلين تراوحت أحكامهم بين المؤبد وعشرات السنين.
الحالة البحرينية لا تكتمل معالمها من دون وجهها الاقتصادي. فالبلاد تعتمد في ميزانيتها العامة على 87 في المئة من النفط ومصنع الالومينيوم لكي ينتج 820 ألف طن سنويا.

تعد البحرين البلد الخليجي الأقل غنى بين شقيقاتها، وتعاني من عجز في الموازنة والدين العام. ففي العام 2013 بلغت أرقام العجز 13 مليار دولار، والسنة المقبلة 15 مليار دولار، على أن تصل إلى 20 مليار دولار بحلول العام 2020. وتراجعت الاستثمارات ومعدل البطالة يبلغ 16 في المئة، 28 في المئة منهم من الشباب، علما أن 55% من السكان لا يملكون مساكن. والأجور متدنية قياسا بتكاليف المعيشة. والغريب في حالة البلاد الديموغرافية: يتحول البحرينيون إلى أقلية في بلادهم، لأن 47 في المئة فقط من البلد، والبقية من الهند وبنغلادش والفيليبين وجنوب شرق آسيا وقليل من العرب، ناهيك عن «فضائح التجنيس خدمة للمصالح السياسية ومن اجل انتخاب مضمون وتغيير متعمد في الديموغرافيا» يقول الموسوي.

المعارضة تتطلع إلى حل يصنعه البحرينيون أنفسهم؛ فالأزمة إلى اليوم خلفت 130 شهيدا ومئات الجرحى، علما أن كثيرين قضوا تحت التعذيب في السجون. وفي ما يشبه تقديم «براءة ذمة» استقدم النظام اللجنة الأممية التي سميت حينها «لجنة بسيوني» لتقصي الحقائق. وفي العام 2010 أعلن النظام انه سينفذ كل تلك التوصيات، ومن ضمنها الإفراج عن المعتقلين السياسيين. الموسوي يقول: «النظام كذب ولا يزال يكذب على الأمم المتحدة وتوصيات بسيوني».

في أفق الحل، يعتبر الموسوي أن «النظام في البحرين ليس أولوية في المجتمع الدولي، وبالتالي وبرغم الآلام، فإن الربيع ينتظر البحرين، ونحن متفائلون بدنو ولادة وشيكة للحل المنشود الذي يلبي مطالب الشعب البحريني خلال المرحلة المقبلة. طاولة الحوار الثانية التي التأمت بهدف إيجاد الحل قاطعتها المعارضة منذ شباط العام 2013 ريثما يتحلى النظام بالجدية المطلوبة ويعيد للشعب صلاحياته».
2014-01-01