ارشيف من :أخبار لبنانية
سلام، لا سليمان، يقود السيارة المفخخة
غسان سعود-"الأخبار"
كان الرئيس ميشال سليمان أول من أعاد التلويح بتشكيل حكومة تستثني حزب الله. سبقت مصادر الرئيس كل المعنيين الآخرين بتشكيل الحكومة في تسريب المواعيد الوهمية لإعلان أسماء الوزراء في آخر حكومات العهد. يحتاج الرئيس إلى الإيحاء لمختلف القوى السياسية بأنه قادر على أن يعلن، أو لا يعلن الحكومة الجديدة، في سعيه إلى استدراج العروض للتمديد. لكن خريطة الطريق لوصول الحكومة المنتظرة إلى بعبدا، تكشف أن سائق هذه السيارة المفخخة ليس ميشال سليمان، بل تمام سلام.
مع ذلك، رغم كل ما يصاحب هذه الولادة الحكومية من تهديد ووعيد وجسّ نبض سليماني وخشية غربية على الاستقرار الهش، يظهر سلام ثقة عالية بالنفس. لا يخشى شيئاً. تجتمع في الرجل كل شجاعة صائب بيك سلام والمير مجيد أرسلان وحتى يوسف بيك كرم. يتحدث سلام، بجدية، عن صدى مواقفه الإيجابي في الأشهر القليلة الماضية لدى طرفي النزاع، وقدرته على تقديم تشكيلة حكومية تحظى بـ«إعجاب واستحسان وثقة» الثنائية الشيعية قبل غيرها من المجموعات الحزبية والطائفية. ولا تنفع في هذا السياق محاولات بعض أصدقائه في تنبيهه إلى أن التصريحات السياسية شيء والفعل شيء آخر، أو أن فكرة الحكومة الأخرى، خارج شروط كل من 8 و14 آذار الواضحة، مرفوضة بالمطلق من الفريقين أياً كان شكلها ولونها وأسماء وزرائها.
يعيش سلام في روتين مضجر: يواصل قراءته الباكرة للصحف بكفّين مخمليين لتحسّسه من الحبر. يعقد عند التاسعة اجتماعاً مع أصدقائه هشام الجارودي ومحمد المشنوق ونافذ قواص الذين يصفهم بالمستشارين. يستمر الاجتماع نحو ساعتين في بعض الأيام، ويخصص الجزء الأكبر منه لتفقد البريد وتكليف الحاضرين تمثيل الرئيس المكلف في احتفال هنا وتأبين هناك. بعد تكليفه تشكيل الحكومة، لم يعد سلام يلبي غالبية دعوات الغداء والعشاء التي ترده. يحافظ من «اجتماعياته» على التعزية بالمتوفين البيارتة أينما كانوا. ويكفيه للاستقبالات يوم الأحد. يظن سلام أن البيت القديم الذي يسكنه يسبح في جزيرة بعيدة عن الصراع الذي يهز كل المنطقة. يسأل عن أستاذ جامعي مرة ومصرفي مرة ورجل أعمال مرات، لجس نبض الشارع، كما يقول، في شأن أسماء وزرائه. وكأن معيار نجاح تشكيلته هو فوزها برضى جاره «أبو العبد» وصاحب مطعم الفول القريب من منزله، لا هذه المرجعية السياسية وتلك الطائفة أو الدولة الإقليمية. لا أحد يعلم أين يعيش سلام سياسياً، لكن حيث يعيش ثمة فائض من الحرية والسيادة والاستقلال. يعتقد الرجل، جدياً، أن تاريخ إعلان حكومته من بعبدا إنما هو موعد توافق اللبنانيين وتلاقيهم. لا حاجة إلى انتظار المفاوضات الإقليمية وتفاقم الابتزازات المحلية ونتائج طاولات الحوار وغيرها: سيشكل النائب البيروتي حكومة تحظى برضى جميع الفرقاء وسيقلِّع البلد وتبدأ مرحلة جديدة ويعمّ الازدهار. ما زالت المقالات التي كتبت غداة تسميته لتشكيل حكومته، من تيار المستقبل أولاً، مكدسة على الطاولة أمامه. هي ترفع معنوياته وهو يثق بنفسه.
لا أحد في القصر يجرؤ على سؤال بيكه عن مستقبله (السياسي) وبيته إن لم تلق حكومته استحسان الثنائية الشيعية والزعامتين المارونية والدرزية. لا يستمع لمن يقولون له إنها ليست مجرد حكومة يمكن أن تحظى أو لا تحظى بثقة المجلس النيابي. في حساباته خطر واحد: رد الطلب السعوديّ ــــ الحريريّ سيظهره بمظهر الرئيس نجيب ميقاتي أمام الطائفة السنية ويقضي بالتالي على مستقبله. لا يمكنه المراوحة في مكانه أو العودة خطوة إلى الوراء عبر مصارحته اللبنانيين واعتذاره عن عدم التأليف لاستحالة تشكيل حكومة توافقية في هذه الظروف. يمكنه أن يخسر ثقة المرجعيات الشيعية والدرزية والمسيحية وما تمثله شعبياً به، لكن لا يمكنه التفريط بثقة تيار المستقبل. لم يختره الحريريون، وفق حساباته، لإحراقه أو دفعه إلى فعل ما لم يجرؤ الرئيسان سعد الحريري وفؤاد السنيورة على فعله لناحية استبعاد حزب الله وضرب الميثاقية. لا أبداً. كان لاختياره علاقة حصرية برمزية موقعه ووطنية عائلته. حتى الحريري والسنيورة كانا واقعيين وراعيا الحساسيات الحزبية والطائفية في تشكيلهما حكوماتهما. أما سلام، فيضرب عرض الحائط، بالنص الدستوريّ الذي يتكل عليه، بعقود من التقليد والأعراف في تشكيل الحكومات. بداية، طلب من الزعماء إرسال سير أبرز مرشحيهم الذاتية ليختار منهم بعض الوزراء! الآن، غيّر رأيه، سيسمي من يثق بهم وليمنحه مجلس النواب ثقته أو يحجبها عنه.
لا يعتقد سلام أن رئيس الجمهورية حوّله وتشكيلته المنتظرة إلى ورقة يلوّح بها لمن يعارضون التمديد، ولا يزعجه إصعاده إلى بعبدا لإعلان تشكيلته وإنزاله وفق جدول الأعمال السليماني. لا يصدق الرئيس المكلف أن ثمة فريقاً سياسياً ينتظر رفع الحَكَم لقبضته معلناً انتصاره، فيما الفريق الآخر يعجز عن إيجاد مطار يستقبل طائرته للعودة إلى لبنان. لا يصدق أن رئيس الجمهورية إنما يرمي في حضنه كرة النار الحكومية بعدما وضّب حقائبه لمغادرة لبنان أو النزوح إلى إحدى القرى المنعزلة بعد انتهاء ولايته. كل ما يصدقه هو الشعار المطبوع في رأسه: في لبنان، لا غالب ولا مغلوب. و... يصدق نفسه.
كان الرئيس ميشال سليمان أول من أعاد التلويح بتشكيل حكومة تستثني حزب الله. سبقت مصادر الرئيس كل المعنيين الآخرين بتشكيل الحكومة في تسريب المواعيد الوهمية لإعلان أسماء الوزراء في آخر حكومات العهد. يحتاج الرئيس إلى الإيحاء لمختلف القوى السياسية بأنه قادر على أن يعلن، أو لا يعلن الحكومة الجديدة، في سعيه إلى استدراج العروض للتمديد. لكن خريطة الطريق لوصول الحكومة المنتظرة إلى بعبدا، تكشف أن سائق هذه السيارة المفخخة ليس ميشال سليمان، بل تمام سلام.
مع ذلك، رغم كل ما يصاحب هذه الولادة الحكومية من تهديد ووعيد وجسّ نبض سليماني وخشية غربية على الاستقرار الهش، يظهر سلام ثقة عالية بالنفس. لا يخشى شيئاً. تجتمع في الرجل كل شجاعة صائب بيك سلام والمير مجيد أرسلان وحتى يوسف بيك كرم. يتحدث سلام، بجدية، عن صدى مواقفه الإيجابي في الأشهر القليلة الماضية لدى طرفي النزاع، وقدرته على تقديم تشكيلة حكومية تحظى بـ«إعجاب واستحسان وثقة» الثنائية الشيعية قبل غيرها من المجموعات الحزبية والطائفية. ولا تنفع في هذا السياق محاولات بعض أصدقائه في تنبيهه إلى أن التصريحات السياسية شيء والفعل شيء آخر، أو أن فكرة الحكومة الأخرى، خارج شروط كل من 8 و14 آذار الواضحة، مرفوضة بالمطلق من الفريقين أياً كان شكلها ولونها وأسماء وزرائها.
يعيش سلام في روتين مضجر: يواصل قراءته الباكرة للصحف بكفّين مخمليين لتحسّسه من الحبر. يعقد عند التاسعة اجتماعاً مع أصدقائه هشام الجارودي ومحمد المشنوق ونافذ قواص الذين يصفهم بالمستشارين. يستمر الاجتماع نحو ساعتين في بعض الأيام، ويخصص الجزء الأكبر منه لتفقد البريد وتكليف الحاضرين تمثيل الرئيس المكلف في احتفال هنا وتأبين هناك. بعد تكليفه تشكيل الحكومة، لم يعد سلام يلبي غالبية دعوات الغداء والعشاء التي ترده. يحافظ من «اجتماعياته» على التعزية بالمتوفين البيارتة أينما كانوا. ويكفيه للاستقبالات يوم الأحد. يظن سلام أن البيت القديم الذي يسكنه يسبح في جزيرة بعيدة عن الصراع الذي يهز كل المنطقة. يسأل عن أستاذ جامعي مرة ومصرفي مرة ورجل أعمال مرات، لجس نبض الشارع، كما يقول، في شأن أسماء وزرائه. وكأن معيار نجاح تشكيلته هو فوزها برضى جاره «أبو العبد» وصاحب مطعم الفول القريب من منزله، لا هذه المرجعية السياسية وتلك الطائفة أو الدولة الإقليمية. لا أحد يعلم أين يعيش سلام سياسياً، لكن حيث يعيش ثمة فائض من الحرية والسيادة والاستقلال. يعتقد الرجل، جدياً، أن تاريخ إعلان حكومته من بعبدا إنما هو موعد توافق اللبنانيين وتلاقيهم. لا حاجة إلى انتظار المفاوضات الإقليمية وتفاقم الابتزازات المحلية ونتائج طاولات الحوار وغيرها: سيشكل النائب البيروتي حكومة تحظى برضى جميع الفرقاء وسيقلِّع البلد وتبدأ مرحلة جديدة ويعمّ الازدهار. ما زالت المقالات التي كتبت غداة تسميته لتشكيل حكومته، من تيار المستقبل أولاً، مكدسة على الطاولة أمامه. هي ترفع معنوياته وهو يثق بنفسه.
لا أحد في القصر يجرؤ على سؤال بيكه عن مستقبله (السياسي) وبيته إن لم تلق حكومته استحسان الثنائية الشيعية والزعامتين المارونية والدرزية. لا يستمع لمن يقولون له إنها ليست مجرد حكومة يمكن أن تحظى أو لا تحظى بثقة المجلس النيابي. في حساباته خطر واحد: رد الطلب السعوديّ ــــ الحريريّ سيظهره بمظهر الرئيس نجيب ميقاتي أمام الطائفة السنية ويقضي بالتالي على مستقبله. لا يمكنه المراوحة في مكانه أو العودة خطوة إلى الوراء عبر مصارحته اللبنانيين واعتذاره عن عدم التأليف لاستحالة تشكيل حكومة توافقية في هذه الظروف. يمكنه أن يخسر ثقة المرجعيات الشيعية والدرزية والمسيحية وما تمثله شعبياً به، لكن لا يمكنه التفريط بثقة تيار المستقبل. لم يختره الحريريون، وفق حساباته، لإحراقه أو دفعه إلى فعل ما لم يجرؤ الرئيسان سعد الحريري وفؤاد السنيورة على فعله لناحية استبعاد حزب الله وضرب الميثاقية. لا أبداً. كان لاختياره علاقة حصرية برمزية موقعه ووطنية عائلته. حتى الحريري والسنيورة كانا واقعيين وراعيا الحساسيات الحزبية والطائفية في تشكيلهما حكوماتهما. أما سلام، فيضرب عرض الحائط، بالنص الدستوريّ الذي يتكل عليه، بعقود من التقليد والأعراف في تشكيل الحكومات. بداية، طلب من الزعماء إرسال سير أبرز مرشحيهم الذاتية ليختار منهم بعض الوزراء! الآن، غيّر رأيه، سيسمي من يثق بهم وليمنحه مجلس النواب ثقته أو يحجبها عنه.
لا يعتقد سلام أن رئيس الجمهورية حوّله وتشكيلته المنتظرة إلى ورقة يلوّح بها لمن يعارضون التمديد، ولا يزعجه إصعاده إلى بعبدا لإعلان تشكيلته وإنزاله وفق جدول الأعمال السليماني. لا يصدق الرئيس المكلف أن ثمة فريقاً سياسياً ينتظر رفع الحَكَم لقبضته معلناً انتصاره، فيما الفريق الآخر يعجز عن إيجاد مطار يستقبل طائرته للعودة إلى لبنان. لا يصدق أن رئيس الجمهورية إنما يرمي في حضنه كرة النار الحكومية بعدما وضّب حقائبه لمغادرة لبنان أو النزوح إلى إحدى القرى المنعزلة بعد انتهاء ولايته. كل ما يصدقه هو الشعار المطبوع في رأسه: في لبنان، لا غالب ولا مغلوب. و... يصدق نفسه.
أرشيف موقع العهد الإخباري من 1999-2018