ارشيف من :أخبار لبنانية

بعبدا ـ بكركي: في اتجاهين معاكســين

بعبدا ـ بكركي: في اتجاهين معاكســين
نقولا ناصيف-"الأخبار"
 
بعد اغتيال الوزير السابق محمد شطح استعجلت عقارب الساعة تأليف الحكومة، وبعد انفجار حارة حريك ابطأت الساعة عقاربها. هكذا حال التأليف. يحصل، لا يحصل. رئيس الجمهورية والرئيس المكلف مصرّان. لكن الظروف والافرقاء يسيرون في وجهة مختلفة. بكركي أيضاً تمشي في خط معاكس.
 

حتى عشية سفره في اجازة خاصة، استقرت خيارات رئيس الجمهورية ميشال سليمان، لتجاوز المأزق الحكومي، على موقفين: الاول قراره ضرورة تأليف الحكومة في اقرب وقت ممكن، والثاني اجراء مراجعة جديدة للاوضاع الامنية والسياسية الاخيرة في ضوء تطوراتها وتوسيع حلقة مشاورات يجريها والرئيس المكلف تمام سلام كانا اتفقا عليها في اجتماعهما الاخير بغية التوصل الى افضل توافق حول صيغة الحكومة الجديدة.
اوحى الموقفان بتوقع التأليف أياً تكن العقبات التي سيجبهها سليمان وسلام. الا انهما عنيا في الوقت نفسه ان الابواب غير موصدة على تفاهم مع الافرقاء يجنب الوضع الداخلي ازمة اسوأ من التأليف، واخطر منه. وراكمت الايام الاخيرة بضعة معطيات رافقت الحديث عن استعجال تأليف حكومة، تارة امر واقع وطورا حيادية.

بيد ان رئيس الجمهورية بدا في قلب المعطيات تلك اشبه بحجر رحى يدور من حولها ويراقب تفاقم الخلاف والانقسام الداخلي بازاء التأليف المرتقب:

اولها، توجيه اصابع الاتهام اليه على انه في صدد تأليف حكومة ترمي الى انهاء استمرار حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، كي تخلفها اخرى لن يقبل بها فريق سياسي رئيسي هو قوى 8 آذار ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي النائب وليد جنبلاط: ابدال حكومة فريق بحكومة تستثني فريقاً. تشعبت طبخات بعض مستشاري الرئيس الذين تداولوا اقتراحات الحكومة المحتملة بمواصفاتها وتوقيتها، واسهبوا في اتصالات ومساع سرعان ما ضاعفت في العقبات والعراقيل.

ثانيها، تحميل سليمان مسؤولية تأليف ينظر اليه فريق 8 آذار على انه اجراء مستعجل عبر تحديد 7 كانون الثاني موعدا نهائيا لتوقيع مراسيم الحكومة الجديدة. كان رئيس الجمهورية اخبر البطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي في اجتماعهما الاخير انه سيوقع مراسيم حكومة جديدة «اعتبارا من 7 كانون الثاني». عُدّ هذا التوقيت على انه موعد نهائي وحاسم لحقت به ردود فعل سلبية, لم ينفِ سليمان الموعد ولم يؤكده، واعتبر انه التاريخ الذي يتعين ان يبدأ معه مسار تأليف حكومة سيحصل فعلا في نهاية المطاف.

افضى ذلك الى محاولة متعمدة لاحراج رئيس الجمهورية: تحميله وحده عبء التأليف دون رئيس المكلف في الموعد المعلن، او التعامل معه على انه اضحى رئيسا مكسورا متى اخفق في برّه.

ثالثها، تبعا للمحيطين به يرى رئيس الجمهورية التأليف مسؤولية الرئيس المكلف اولا، صاحب الدور المتقدم في ممارسة الصلاحية الدستورية، من ثم يأتي دور رئيس الدولة الذي يقرر ما ان يبصر التشكيلة المقترحة امامه الموافقة عليها، او رفضها، او طلب تعديلها. في ضوء توافقهما يوقعان معا مراسيم التأليف. ليس رئيس الجمهورية مَن يقترح، ولا يسعه ان يباشر اي دور في التأليف قبل الرئيس المكلف.

ما بات يزعج سليمان انه يُحمّل وحده وزر تأليف حكومة، سواء كانت حيادية او حكومة امر واقع، كي يدخل في مواجهة مباشرة مع الفريق المعارض لها الذي يقارب الخلاف على انه يجبه حكومة رئيس الجمهورية ليس الا.

رابعها، بات من باب لزوم ما لا يلزم التأكيد ان جنبلاط صار في المقلب الآخر من موقفي رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، بعدما امضى الاشهر التسعة المنصرمة في وسطهما حليفاً. ابلغ الى سليمان رفضه حكومة 8 ـ 8 ـ 8 والحكومة الحيادية، واستطرادا حكومة امر واقع، واضحى اقرب الى رئيس المجلس نبيه بري في تأييد حكومة سياسية ممثلة الافرقاء جميعاً من ضمن صيغة 9 ـ 9 ـ 6 او ما يماثلها.
عندما أخطره الرئيس بعزمه على تأليف حكومة من غير الحزبيين، عقب الوزير وائل ابوفاعور: تعني انك لا تريدني في الحكومة الجديدة!
من غير ان يعود جنبلاط الى قوى 8 آذار ـــ وهو لم يتصرّف في عزّ مصالحته النظام السوري قبل ثلاث سنوات على انه كذلك ـــ فان حجبه الثقة عن حكومة حيادية بعد التنصل من وزرائها الدروز، يشير الى ما هو اكثر من تطابق موقفه مع رئيس المجلس الذي تحدث مرارا في اوساطه انه بذل جهودا وفيرة لاقناع جنبلاط بمعادلة 9 ـ 9 ـ 6 يخسر فيها الزعيم الدرزي بيضة القبان.

خامسها: يُنظر الى استعجال الرئيس تأليف الحكومة على انه اولوية تتقدم استحقاق رئاسة الجمهورية، او في احسن الاحوال اتاحة الفرصة امام حكومة جديدة تملأ شغورا محتملا لمنصب رئيس الدولة كي تناط بها صلاحياته الدستورية متى اخفق مجلس النواب في انتخاب خلف له. في الايام الاخيرة، ابان اسبوع الاعياد، قال البطريرك الماروني لمرجع رسمي ان الرئاسة، بالنسبة اليه، باتت الآن اولوية تتقدم كل ما عداها بما فيه تأليف الحكومة. تناول ومحدثه التركيز الرائج على الفراغ كأنه واقع وحتمي، ويجري الخوض في سبل استيعاب تداعياته عبر حصر الاهتمام بتأليف الحكومة.

روى الراعي لزائره ما قاله قبل ذلك لمسؤول كبير زاره معايدا. قال المسؤول الكبير: علينا ان نبحث في plan B في حال تعذر تنفيذ plan A وهو انتخاب رئيس جديد للجمهورية.

ردّ البطريرك: ليس عندي في انتخابات الرئاسة سوى plan A. الوحيد الموجود امامي. يجب ان ننتخب رئيسا.

اخطر البطريرك المرجع الرسمي انه سيباشر تحركا لاجراء الاستحقاق بدءاً بدعوة النواب الموارنة الى الاجتماع لديه، والاصرار امامهم على اجراء الانتخابات الرئاسية في موعدها. لم يقل اي رئيس يريده، في قوى 8 او 14 آذار، ولا يريد ان يختار بينهما، الا انه اصر امام محدثه على ضرورة حماية الموقع الماروني الاول في الدولة، آخر موقع رفيع للمسيحيين في هذا الشرق.

سادسها، لم يتلقف سليمان بارتياح عظة البطريرك في اليوم الاول من السنة الجديدة، في بكركي، عندما حذره من شطر الاستحقاق الرئاسي، والقى بذلك وزره كله عليه على انه المعني الوحيد بامراره او اهداره. ساء الرئيس ان الراعي اطلق موقفه في غيابه بعدما تحدثا اكثر من مرة في التشبث باجراء الانتخابات في موعدها الدستوري، من غير ان يكون رئيس الجمهورية وحده الذي يتنكبه او القادر على انجازه بمفرده.

في حديثه الى المرجع الرسمي، قال الراعي ان الافرقاء سيختلفون باستمرار على الحكومة وتأليفها وحصصها، فيما يفتح الاتفاق المسبق على انجاز الاستحقاق الرئاسي الطريق للعهد الجديد امام تذليل العراقيل التالية. قال ان تأليف الحكومة تفصيل امام استحقاق هو الآن، في توقيته واهميته والخشية من اضاعته، اساسي.
2014-01-04