ارشيف من :أخبار لبنانية

سباق الأمن والسياسة... نحو الهاوية

سباق الأمن والسياسة... نحو الهاوية
غسان جواد- "الجمهورية"

تتسابق في لبنان السياسة مع الامن، والامن مع السياسة، ليس نحو المخارج والحلول، ولا نحو ترتيبات سياسية امنية بقرار يمنع التفجير، بل نحو الدرك الاسفل. حيث سيستفيق اللبنانيون تدريجاً على «دولة» فاشلة وعاجزة تماماً، وعلى مجتمعات ومناطق وأحزاب وتيارات اقوى من الدولة ولها اجنداتها الخاصة.

 
عندما وقعت جريمة اغتيال الوزير السابق الشهيد محمد شطح، ظهر حجم العبث والجنون الذي يعيشه لبنان. سارعت قوى "14 اذار" الى تعميق الجرح واستثماره على نحو مخيف. وخلال اقل من نصف ساعة، حلَّلت وناقشت واتَّهمت واصدرت حكمها وقرارها: "بداية تحرير لبنان من الاحتلال الايراني!".

وبعد ايام جاء التفجير الارهابي في "الشارع العريض" في الضاحية الجنوبية لبيروت، حاصداً أرواحاً بريئة في عمل انتحاري تخريبي يعكس مستوى الجنون والعبث الذي وصلت البلاد اليه. وكانت خطوة "حزب الله" الاولى اصدار بيان يعلن أنَّ "هذا العمل الاجرامي هو جزء من مسلسل الفتنة التي تستهدف كل لبنان".

بين جريمتَي "الوسط" و"الضاحية"، مرَّت ايام قليلة واحداث كانت كافية ليتَّضح المشهد اكثر. الجيش اللبناني يقبض على زعيم "كتائب عبدالله عزام" السعودي ماجد الماجد المتهم بسلسلة تفجيرات واعمال ارهابية واغتيالات في لبنان.

وعلى رغم اهمية هذا الحدث، وما يعنيه اعتقال رجل من تنظيم "القاعدة" بهذا الحجم، وما يمكن أن يترتَّب عليه من معطيات تتصل بقرار "تفجير لبنان" المتخذ على اعلى المستويات اقليمياً. لم تتغيّر الادبيات السياسية لفريق "14 آذار"، وازدادت اندفاعته في اتهام الطرف اللبناني الآخر والتحريض عليه ودفع البلاد نحو الانفجار.

لم يكلِّف احدٌ نفسه عناء التفكير والتأمل في ما يعنيه استهداف شخصية بحجم شطح بما يرمز اليه، وربطه باستهداف الضاحية وما ترمز اليه، ليخرج باستنتاجات بديهية حول وجود جهات تعبث بأمن اللبنانيين، وتدفعهم دفعاً نحو الفتنة والصدام الاهلي وتخريب البلد واستخدامه جزءاً من الميدان الممتد على مستوى الاقليم.

لم نعد امام احتمالات كثيرة، ولبنان يتعرَّض لموجة ارهابية خبيثة تستهدف استعماله في المعركة الاقليمية، او ليكون جائزة ترضية على رهانات البعض الخاسرة من العراق الى سوريا. الاحتمالات تضيق، إما أنّ بعض اللبنانيين فقد ادوات التحليل المنطقي السليم الذي يضع الاحداث في نصابها للخروج باستنتاجات صائبة، وإما أنه جزء من عملية العبث والجنون والتخريب.

في موازاة الهجمة الارهابية التي يتعرّض لها كل لبنان، ثمّة فرصة لاحباط المخططات الارهابية، ومنع المجرم، أياً يكن، من تحقيق اهدافه ومآربه جرّاء الارهاب. صحيح أنّ الاستحقاقات الداخلية تضغط على البلد وتخلط الحسابات وتشتتها وتدفع بالبعض الى رهانات وخيارات "انتحارية".

لكنها في الوقت عينه يمكن أن تكون "فرصة" لنصاب سياسي وطني ينجز هذه الاستحقاقات بالتفاهم والتحاور والتقارب، ويمنع استخدامها بنحو قد يطيح بكل شيء إذا بقيت الاحداث تسير بالوتيرة نفسها.

اصبحت اللعبة في لبنان على سطح الاحداث، وانواع التحليل والمواقف على اختلافها لم تعد تنفع في استنقاذ الموقف. كل خطوة من خارج الاجماع والتفاهم السياسي ستجد من يستثمرها في الامن ليضرب حيث نألم جميعاً وقد نفقد صوابنا.

خياراتنا ضيقة، وليس من بينها "ترف" التنظير او الكيديات او الاندفاع من دون حسابات نحو منطق الطلاق. كل صوت يخرج بعد أيّ عملية تفجير لكي يعزز الانقسام بين اللبنانيين هو تتمة للجريمة وملحق بها. لم تمرّ على لبنان احداث بهذا الشكل المكشوف من مساعي الفتنة والتحريض على الصدام. وفي الوقت عينه ثمة قوى سياسية "هادئة" تتلقف "الصفعة" تلو الاخرى.

تصمت من اجل لبنان، وتترك متّسعاً من المجال لحديث العقل والمنطق. هذه القوى ليست ضعيفة وهي الاقوى في لبنان، وعندما تقرِّر أن تتكلم او تتحرك، سيتغيّر المشهد ويهرب القاتل ويختبئ الجبان. بين السياسة والامن ثمة من يلعب لعبة الموت والنار، ولا يريد أن يعتبر.

 
2014-01-04